مجتمعالرئيسيغير مصنف

كرة القدم والسياسة: نجوم خارج السياق

منذ تحولها الى الرياضة الشعبية الأولى في العالم صارت كرة القدم مجالا تتجلى فيه النزعات السياسية المختلفة

                         

لا تخرج كرة القدم والرياضة عموما عن الشأن العام الذي ينشغل به السياسي، وإن كان الفصل بينها من الناحية الإجرائية يبدو ممكنا نظريا إلى أن العلاقة بينهما وثيقة، فلا تخلو أجهزة الحكم في أي دولة من وزارة أو مؤسسة تهتم بمجالات الترفيه والرياضة.

وربما كانت كرة القدم ومنذ تحولها الى الرياضة الشعبية الأولى في العالم المجال الذي تجلت فيه النزعات السياسية المختلفة بل وأصبحت في أحيان كثيرة علامة على مرحلة سياسية أو خيارات رسمية، فكرة القدم والوطن أصبحا متلازمين انطلاقا من الراية التي يستظل بها اللاعبون مرورا بالقمصان التي تحمل الألوان المميزة للبلد الذي ينتمون إليه.

 

الطغيان وكرة القدم

كثيرا ما يستغل الطغاة كرة القدم كأداة للدعاية وأسلوب للتحكّم في الجمهور العام الذي يهيم بحب هذه اللعبة. فالمنتخب الايطالي الذي فاز بكأسي العالم 1934 و1938 تحت شعار الفاشية كان لاعبوه  يبدؤون وينهون كل مباراة بصرخة “تحيا إيطاليا” وتحية الجمهور بأيديهم المرفوعة (التحية الفاشية).

 

المنتخب الإيطالي ملوحا بتحية الفاشية

 

وفي ألمانيا النازية كانت كرة القدم مسألة دولة، وحينما كانت إسبانيا لازالت تعاني من دكتاتورية فرانكو كان رئيس ريال مدريد يحدّد كرة القدم كما يلي “إننا نقدم خدمة الى الأمة، فما نريده هو إبقاء الناس سعداء”. وزميله رئيس أتليتيكو مدريد فسينتي كالديرون كان يمتدح فضائل هذا “الفاليوم” الجماعي ويؤكد “كرة القدم مناسبة كي لا يفكر الناس بأشياء خطيرة”. وفي عام 1959 ألقى خوسيه سوليس احد قادة نظام فرانكو خطابا يمتدح فيه فريق ريال مدريد قائلا “لأن أناسا كانوا يكرهوننا في السابق، صاروا اليوم يفهموننا بفضلكم”.

 

 

في عام 1969 استغل النظامان العسكريان في سلفادور وهندوراس حالة الاحتقان بين الشعبين بسبب مباراة كرة قدم خاضها فريقاهما لأجل التأهل لكأس العالم 1970 ليُطلقا شرارة حرب بين شعبين فقيرين يعانيان البؤس والاستبداد وتمت تعبئتهما ضد بعضهما والنفخ في نار الحقد بين الجيران ولتندلع حرب قصيرة عُرفت في التاريخ تحت اسم “حرب كرة القدم” استمرت أسبوعا وأودت بحياة أكثر من أربعة آلاف إنسان فيما كانت الحكومتين العسكريتين اللتين تحكمان البَلَدان بدعم أمريكي تحرض الناس وتجعل من كرة القدم مرادفا للوطن.

 

1969، حرب كرة القدم بين السلفادور وهندوراش

 

بعد فوز البرازيل بكأس العالم لسنة 1970 افتتح الدكتاتور العسكري الجنرال ميديتشي موجة من الاحتفالات الواسعة وفيما كانت فرق الموت (اسكويداري دي مورتي) تحصد أرواح آلاف البرازيليين وقف الطاغية أمام المصورين يحمل كأس العالم بين يديه وهو يغدق الثناء والأموال على اللاعبين.

 

مديتشي حاملا الكأس مع الكابتن كارلوس ألبرتو عام 1970

 

وسنة 1978 كان نظيره الدكتاتور الأرجنتيني الجنرال فيديلا يبالغ في الاحتفال بفوز بلاده بكأس العالم التي نظمتها وأنفقت عليها أموالا طائلة فيما كانت الاعتقالات والإعدامات الميدانية تتواصل في الشوارع.

 

الجنرال فيديلا في كأس العالم 1978

 

أما الدكتاتور بينوشيه فقد عيّن نفسه رئيسا لنادي “كولو كولو” الفريق الأوسع شعبية في البلاد. إنها السياسة المتماثلة لكل الطغاة وجوهرها محاولة استغلال كرة القدم وتحويلها الى وسيلة لصرف انتباه الجمهور عن مشاغله الحقيقة أو لمنح النظام الدموي المهترئ شرعية البقاء ولا يتعلق الأمر بمشكل في كرة القدم ذاتها بقدر ما هو مشكل التوظيف السيئ لإحدى الرياضات القليلة التي تنتزع إعجاب الجموع مهما كانت خلفياتها الطبقية أو العرقية أو الثقافية.

 

بينوشيه في زيارة لملعب كولو كولو

 

لاعبون ضد الطغيان

غير أن تاريخ كرة القدم حفل أيضا بوقائع تحوّل فيها لاعبو كرة القدم الى رموز لمقاومة الاستبداد أو لحمل قضية والدفاع عن مبدأ نبيل.

ففي أثناء الحرب الأهلية الاسبانية (1936) وبينما كان فرانكو يتقدم بقواته لسحق الجمهوريين بدعم من النازية والفاشية كان هناك فريق من الباسك يجوب أروبا والآخر فريق برشلونة يخوض مباريات في الولايات المتحدة والغاية هي جمع الأموال للدفاع عن الجمهورية المحاصرة، ولم تنقضي سنة 1937 حتى تم اغتيال رئيس نادي برشلونة برصاص قوات فرانكو وبعد هزيمة الجمهورية لم يعد سوى أربعة لاعبين من نادي برشلونة إلى إسبانيا فيما استقر كل عناصر فريق الباسك في الخارج.

في عام 1958 شكّلت جبهة التحرير الوطني الجزائرية فريقا يحمل ألوان علم الجزائر المستقلة وضم في صفوفه لاعبين محترفين في الدوري الفرنسي من أشهرهم اللاعب مخلوفي غير أن سطوة الاحتلال دفعت الفيفا الى إصدار قرار بمنع الفريق من خوض أي مباريات دولية تحت طائلة العقوبات لأي بلد مستضيف ولم يخض الفريق سوى مباراة مع منتخب المغرب الذي طالته عقوبات الفيفا.

ومن اللاعبين من اتخذ مواقف بطولية مساندة للحرية رافضة للاستبداد وربما من أشهر هذه العلامات الفارقة في تاريخ كرة القدم نجد:

كارلوس كاسيلي

 

 

سنة 1973 شهدت تشيلي انقلابا عسكريا دمويا قاده وزير الدفاع اوغستو بينوشيه ضد الرئيس الشرعي المنتخب سلفادور أللندي الذي قُتل أثناء اقتحام القصر الجمهوري وانطلقت حملة من الاعتقالات والتصفيات الدموية التي شملت أعدادا كبيرة من المواطنين وتم تجميع ألاف منهم في ملعب سنتياغو حيث تعرض جزء منهم للتصفية الميدانية فيما تم إخفاء البقية قسريا.

في نفس العام وبتاريخ 21 نوفمبر كان على المنتخب الوطني خوض مقابلة فاصلة ضد منتخب الاتحاد السوفياتي الذي رفض الحضور احتجاجا على الانقلاب وطالب الفيفا بالتأكد من صحة الأنباء حول استخدام الملعب في اعتقال المواطنين وهنا أرسلت الفيفا وفدا اكتفى بتأكيد أن لا شيء يعكّر صفو المقابلة، ومع رفض السوفيات المشاركة اكتفى منتخب تشيلي بخوض مباراة شكلية قام فيها بتسجيل هدف في مرمى فارغ، كان البطل الكروي كارلوس كاسيلي أحد لاعبي تشيلي في تلك المباراة، حيث علّق قائلا “فعل ذلك الفريق أسخف شيء في التاريخ. مثّل الأمر إحراجًا عالميًا”.

كان كاسيلي كغيره من أبناء الشعب يدرك أن الملعب شهد إعدامات وتصفيات حين تم احتجاز أكثر من سبعة آلاف مواطن بين جنباته ولهذا لم يجد بدّا في لحظة فارقة وبينما حضر الدكتاتور لوداعهم قبل سفرهم للمشاركة في كأس العالم أن يتخذ موقفا تاريخيا، “شعرت برجفة باردة تتملك أسفل عنقي عند رؤية ذلك الشيء الشبيه بهتلر، وكان وراءه خمسة رجال .. عندما بدأ في الاقتراب مني وضعت يدي خلف ظهري ورفضت أن أمدها إليه”،

هكذا وصف كاسيلي مقابلته الأولى مع الديكتاتور بينوشيه، وكان ذلك في يونيو 1974، عندما جمع بينوشيه الفريق لوداعه قبل السفر إلى ألمانيا. وكردّ فعل من النظام الانقلابي الدموي تم اعتقال أم اللاعب كاسيلي وتعذيبها وكان الهدف إخضاع اللاعب وإجباره على العودة الى أحضان النظام. وظل هذا الموقف الذي تناقلته وكالات الأنباء حينها احد أشجع المواقف وأكثرها تعبيرا عن رفض الطغيان.

 

سقراط البرازيلي

 

 

لم يكن اللاعب البرازيلي سقراط دي سوزا فييرا دي أوليفييرا لاعبا اعتياديا لكرة القدم، فقد كان طبيبا للفقراء وناشطا سياسيا ومدافعا عن الحريات والحقوق المدنية. وأدرك منذ بداية نشاطه الكروي أهمية استغلال نجوميته من اجل المطالبة بالحرية والديمقراطية.

ففي هذا البلد الذي يعشق كرة القدم كان نجوم الكرة يحظون بحصانة شعبية وشبه قداسة لدى الجمهور الواسع. ومثلما استخدم النظام العسكري الذي ظل جاثما على البلاد بين سنتي 1964 و1985 كرة القدم ونجومها من اجل تبرير هيمنته وحرف اهتمام الناس عن قضايا الحريات، استخدم سقراط نفس سلاح النظام للدفاع عن الحرية وكان يؤكد ” بقيت في ميدان كرة القدم فقط من أجل الوزن السياسي، لمحاربة المجتمع القمعي الذي يقوده العسكر”.

واعتبر الانخراط في المجال السياسي والالتزام بالدفاع عن القضايا الحقوقية واجبا. وفي حديث مع بي بي سي في شهر جويلية 2010، قال سقراط: “لقد منحني الناس سلطة كلاعب كرة قدم مشهور. وإن لم يكن لدى الناس القدرة على قول ما يريدون، فإنه يمكنني الإفصاح عما يريدون نيابة عنهم.

و إن لم أعبر عن آراء الناس ما استمع أحد إلى آرائي”. سنة 1982 أسس سقراط نظام “ديموكراسيا كورنثيانا” في نادي كورينثيانز، وكان الهدف اختيار كافة المسؤولين بالانتخاب، حتى قائد الفريق، ناشرا فكرة الديمقراطية بين أعضاء النادي والجماهير رغما عن إرادة النظام الاستبدادي في البلاد.

ومع تصاعد المطالبة بالديمقراطية سنة 1985 قام مع زملائه بدخول الملعب بقمصان مكتوب عليها “انتخبوا رئيس البرازيل” داعيا العسكر لإجراء انتخابات ديمقراطية، والتخلي عن الحكم في البلاد. وكانت مساهمته فعّالة في الإطاحة بنظام الطغيان العسكري في البرازيل وهو دور خلّد اسمه بالإضافة الى مهاراته الكروية العالية.

 

محمد أبو تريكة

 

 

شكل اللاعب المصري الأشهر محمد أبو تريكة ظاهرة حقيقية في كرة القدم العربية، بالإضافة الى إبداعه الكروي ونجوميته الكبيرة فقد عُرف عنه اتخاذه لمواقف إنسانية وحقوقية دفاعا عن المظلومين. ففي سنة 2008 وفي أوج العدوان الصهيوني على غزّة رفع أبو تريكة شعارا مؤيدا لغزّة الأمر الذي أثار ردود فعل متباينة بداية من الفيفا التي رفضت ما تعتبره إقحاما للسياسة في الرياضة ومرورا بالأنظمة العربية المختلفة الصامتة إزاء ما يجري في الأراضي الفلسطينية وانتهاء بالترحيب الواسع في الشارع العربي.

وأثناء ثورة يناير 2011 ضد نظام مبارك انحاز محمد أبو تريكة الى الجماهير الشعبية وكان من أوائل المشاهير الذين اختاروا التوجه الى ميدان التحرير مطالبين بتنحي رأس النظام. وظلت مواقف أبو تريكة على ذات الوتيرة أثناء حكم المجلس العسكري ومن مواقفه الشهيرة آنذاك رفضه مصافحة المشير طنطاوي مُحمّلا إياه والمجلس العسكري مسؤولية المجزرة التي أودت بحياة العشرات من جمهور نادي الأهلي في ملعب بورسعيد، ولعب وقتها وهو يحمل قميصا عليه الرقم 72 تذكيرا منه بعدد الضحايا من الجمهور الأبرياء الذين سقطوا في بورسعيد.

وبعد انقلاب 2013 لم يتخلى أبو تريكة عن توجهاته المناصرة لحقوق الانسان وهو ما جعل النظام المصري يحرّض عليه قنواته الإعلامية من جهة ولينتهي بالتحفظ على أمواله واتهامه بالضلوع المفترض في الإرهاب وهي تهم يدرك الرأي العام المصري والعربي أنها مجرد أكاذيب ومحاولة لإخضاع هذا اللاعب المبدئي صاحب المواقف الحقوقية والتوجهات الأخلاقية العالية.

إن كرة القدم لم تنفصل يوما عن السياسة وظلت دوما مجالا قابلا للتوظيف من الأنظمة السياسية بمختلف توجهاتها وأداة للنفخ في الروح الوطنية وكما استخدمها الطغاة لتبرير قراراتهم وكسب التعاطف والتأييد لدى شعوبهم تحولت في أحيان كثيرة الى أداة مثلى للتعبير عن رفض الظلم ومحاربة الاستبداد وكل أشكال العسف مهما كان مبررها وسواء كانت صادرة عن الاحتلال أو عن الطغيان فالأمر سواء.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد