اختيار المحررينثقافة

فن الإضحاك لدى العرب..كوميديا ساخرة وثّقت تاريخ المجتمعات العربية

 

عرفت الحضارة العربية باختلاف حقبها التاريخية فن السخرية والإضحاك منذ القدم، حتى قبل ظهور التدوين، وكشفت الأبحاث الانتوبولوجية عن وجود جداريات للمصريين القدماء تصور لوحات مضحكة تعكس نظرة كاريكاتورية للعالم كرسوم لذئب يرعى قطيعا من الغنم او جيوشا تحاصر قلعة تحتمي بداخلها القطط، ما يؤصل لوجود النزعة الى الضحك كحاجة انسانية احتفت كل الشعوب العربية وما قبلها.

 

في الحضارة الإسلامية، نقل عن علي ابن ابي طالب انه قال”روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا أكره عمي” في إشارة الى وجوب الترويح عن النفس وامتاعها بالملح والنوادر والطرف.

حملت مقامات بديع الزمان الهمذاني وكتب الجاحظ وحتى سخرية ابي العلاء المعري فنونا من الادب الساخر ذي الرسائل المبطنة، كما نقل مؤرخون عن مهرجي البلاط العباسي والاموي نوادر و قصصا اكدت تميز العرب القدماء في فن الدعابة حتى عبرت شخصيات حقيقية او متخيلة كاشعب و طفيل وجحا الزمن لتبقى اثرا شعبيا ويميز الادب العربي في الفكاهة والضحك.

وفيما يلي نبذة عن اشهر ما ميز الحضارة العربية من ادب كوميدي وشخصيات مضحكة.

 

أشعب الأكول

ارتبطت شخصية اشعب بالنهم وحب الطعام، حتى ضرب به المثل في الشراهة وفي نفس الوقت نقلت نوادره وحكاياته صورة عن المجتمع العباسي آنذاك من نقد للطمع والشره كسلوك مرفوض مجتمعيا.

ترجح بعض المصادر التاريخية ظهور أشعب او شعيب بن جبير في القرن 9 هجري، في عهد خلافة المهدي ثالث الخلفاء العباسيين، واختلطت حكاياته بين متخيل وواقع، وتعددت الروايات بشان صحتها، فقيل ان اشعب لم يكن طماعا بل كان ناقدا لسلوك الطفيليين الطماعين فبالغ في تقليدهم.

وقد ورد في إحدى الطرائف أنه “اجتاز يومًا برجل يصنع طبقًا من قش فقال له: زد فيه طورًا أو طورين لعله أن يهدى يوما لنا فيه هدية”.

جحا..رمز الفكاهة

تجاوزت شخصية جحا كونها تعود لشخص حقيقي عاش في حقبة زمنية معينة واصبحت شخصية فكاهية تميز الادب العربي و الذاكرة الشعبية، فنسبت الى شخصيات عديدة عاشت في ازمنة مختلفة.

لكن حكاياته رسمت صورة رجل فقير كان يعيش أحداث عصره بطريقة مختلفة ويتماشى مع تلك الأحداث الشبه حقيقية؛ فهو كان يتصرف بذكاء كوميدي ساخر فانتشرت قصصه ومواقفه التي كان يتعامل معها في حياته اليومية.

وكانت قصصه تُتناقل من شخص إلى آخر مما نتج عنه تأليف الكثير من الأحداث الخيالية حوله، فكل شخص كان يروي قصصه بطريقته الخاصة ومنهم حتى من نسب أعماله لنفسه أو لشخص آخر أو لشخص خيالي.

ومن نوادره أن رأته امرأته يوما يأكل تمراً ولا يخرج نواه، فقالت: ماذا تصنع كأني بك تأكل التمر بنواه؟ فقال لها: طبعا آكله بنواه لأن البائع وزنه مع النواة، ولو أخرج نواه لما باعه بسبع بارات، أما وقد أعطيته الثمن دراهم بيضا، فهل أرمي في الزقاق شيئا اشتريته بدراهمي!

وقيل أيضا،  دعاه تيمورلنك  يوما لركوب دابته والدخول في ميدان السباق ولعب الجريد، فذهب إلى الإسطبل وركب ثوراً هرماً وجاء به ، فلما رآه الناس ضحكوا وضجوا فسأله تيمورلنك: كيف تدخل ميدان السباق بهذا الثور؟؟! فأجابه جحا: إنني جربت هذا الثور منذ عشر سنوات، فكان يسابق الطير في ركضه، فكيف يكون الآن!

 

الأعراب.. مصدر للسخرية والتندر

شكل أهل البادية والأعراب مصدرا لا ينضب للسخرية التندر على جهلهم وبعدهم عن التمدن وبساطتهم في التعامل مع الأمور وأحيانا طمعهم وجشعهم، وعكست القصص المتناقلة عنهم عمق الهوة الطبقية التي ميزت ازدهار الحضارة الإسلامية بعد الخلفاء الراشدين خاصة في العصر العباسي.

حيث تميزت حواضر الخلافة عن باديتها بالترف والرفاهة فبما بقيت الأرياف بعيدة عن المد الحضاري وبقي سكانها غير قادرين على مواكبة عيشة أهل المدن.

ومن الطرائف المتنقلة أن إعرابياً حضر مجلس ناس يتذاكرون قيام الليل، فقيل له: يا أبا إمامة أتقوم الليل؟ قال: نعم، قيل له ما تصنع؟ قال: أبول، وأرجع أنام!

ويروي الأصمعي: “مررت بإعرابي يصلي ويتلو كلاماً ليس من القرآن، فقلت له: ما هذا بكتاب الله! وعلمته الفاتحة والإخلاص، ثمّ مررت به بعد ذلك فإذا هو يقرأ الفاتحة وحدها، فقلت له: ما للسورة الأخرى؟ فقال: وهبتُها لابن عميّ والكريم لا يرجع في هبته!”.

واحتفى الأدب العربي أيضا بالجانب الكوميدي الساخر من الحياة الاجتماعية، فترك لنا الجاحظ مؤلفات حوت قصصا و طرائف عن أناس شذت طباعهم او اختلفت تصرفاتهم ، فاصبحوا مصدرا للإضحاك والتندر.

ورغن ان العرب القدماء لم يعرفوا التمثيل او المسارح، إلا ان مؤلفات كالمقامات عوّضت غياب المحاكين والمقلدين.

فقد صنع بديع الزمان الهمذاني من أبي الفتح الاسكندري، ممثلا على الورق، ونسج حوله مقاماته التي تنوعت بالضحك للتسلية والتفكه، في انتقاد مبطن للواقع الذي تسوده الطبقية والفقر والجهل.. كانت رسائله كالسم في العسل، تمر بسلاسة دون ان تعرض كاتبها للمحاسبة او العقاب.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد