الرئيسيثقافةغير مصنف

الفادو: روح البرتغال الخالدة‎

تراث عالمي

 

البرتغال بلد ساحليّ صغير المساحة، عظيم ضارب في التاريخ قِدَم الاكتشافات البحريّة الأولى، هو بلد كرة القدم، بلد أوزيبيو ولويس فيغو وكريستيانو رونالدو، وبلد الكتّاب العظماء، الروائي خوزيه ساراماغو والشاعر فرناندو بيسوا، بلد الشواطئ الجميلة والمدن العتيقة الساحرة… لكنّ البرتغال هو بلد “الفادو” أيضًا، وهنا تكمن خصوصيّته عن بقيّة أقطار العالم…

 

فادو لشبونة

الفادو هو لون غنائي برتغالي، ومعنى كلمة الفادو هو المصير.. يتغنّى بالفقد ومناجاة الحبيب وبذلك الحزن الممزوج بالأمل، أو ما يُعبَّر عنه باللغة البرتغاليّة “السوداد” (Saudade)… ويتمّ عزفه بالغيتار البرتغالي الشبيه بالعود في شكله، وذو الإثنا عشر وترًا، وتصاحب العازفين عادة، مطربة يطلَق عليها لقب الفاديستا…

نشأ في بداية القرن التاسع عشر (1820 تقريبًا) في مقاطعة موراريا في لشبونة، في محضنة الطبقات الاجتماعيّة المتواضعة المتمثّلة في البحّارة وصغار الجنود وعمّال الميناء….

وكان لحظة نشأته مزجًا بين الموسيقى الوافدة من المستعمرات البرتغاليّة وبين غناء البحّارة والموسيقى الأندلسيّة القادمة من الجارة إسبانيا..

ونتيجة لارتباطه بهذا الثالوث المهمّش: عمّال الميناء والبحّارة، والعبيد الأفارقة من جهة، والغجر الرحّل في شبه الجزيرة الإسبانيّة، بقي الفادو الطبقات مُوسيقى شعبيّة مهمّشة تُوجد مسارحها في أحياء الفقراء حيث تنتشر الدعارة والجريمة والتسوّل، وهو ما جعله منبوذًا من قِبل الطبقات الراقية والغنيّة…

لكنّ مع مطلع القرن العشرين، وباتّساع طبقة العمّال في المدن، أصبح فادو لشبونة فنًّا جماهيريًّا بامتياز، فاستغلّ النظام الحاكم الفادو كوسيلة للهيمنة على هذه الجماهير وكسب ثقتها، فأصبح هذا الفنّ المهمّش عنصرًا أساسيًّا في الثقافة الرسميّة، وتمّ استغلاله اقتصاديًّا من خلال إدراجه في الدورة الإنتاجيّة الرأسماليّة..

وهكذا أصبح البرتغاليّون يستثمرون في الملاهي الليليّة وشركات إنتاج أقراص الفونوغراف وشركات الإنتاج المسرحي والسينمائي..

وعلى الصعيد السياسي، وجد الدكتاتور سالازار في الفادو وسيلة للهيمنة على عقول المواطنين، وذلك لأنّ هذا النمط الموسيقي كان يوحّد بين كلّ البرتغاليّين من جهة، ولا يحتوي على مواضيع سياسيّة من جهة أخرى… ولذلك، شجّع سالازار على جعل الفادو موسيقى نظامه الدكتاتوري، تُعزَف في المحافل الرسميّة وفي الإذاعات؛ وهو ما شجّع على ظهور عدّة ملحّنين كبار ومغنّين في عصر الدكتاتوريّة، لعلّ أبرزهم آلان أولمان وفريديريكو دي فرايتاس وفريديريكو فاليريو وخوزيه فونتاس روشا، وقد غنّت من ألحان كلّ هؤلاء نجمة تلك الفترة بدون منازع، الديفا الّتي حملت الفادو إلى العالميّة، المغنّية أماليا رودريغاز…

لكن مع سقوط نظام سالازار بعد ثورة القرنفل، اُتِّهم أغلب هؤلاء بأنّهم فنّانو النظام الديكتاتوري، لكن لم يلبث أن عاد فادو لشبونة إلى الساحة مجدّدًا…

وفي هذه الفترة، أنتج الشقّ المعارض ما يُعرَف بفادو كيومبرة، أو الفادو الأكاديمي واتّخذوه وسيلة للنضال ضدّ نظام سالازار..

 

كانت تدور كلمات الفادو، أو أغاني “القدر“1، بشكل تقليدي، عن البحر، ومعاناة الفقر، والحنين، والفقد، على خلفيّة موسيقى ذات ألحان حزينة تلعب عادة على الغيتار البرتغالي ذي الإثني عشر وتراً. وبينما صاحب الفادو، رقصات البحارة وغنائهم الجماعي على الإيقاعات الأفريقيّة في البدايات، إلّا أنّه وبنهاية القرن التاسع عشر، استقرّت تقاليد الفادو اللشبوني على التخلّص من تلك الإيقاعات، وتفضيل غناء الفاديستا، أي مغنية الفادو/ القدر على الغناء الجماعي.

 

فادو كيومبرة

في 25 أفريل 1974، أذاعت الإذاعة البرتغاليّة أغنية “Grândola, Vila Morena”، الّتي لحّنها المعارض ومغنّي فادو كيومبرة زيكا أفونسو، وهو معارض برتغاليٌّ مُنعت أعماله من البثّ في كلّ وسائل الإعلام الرسميّة طيلة سنوات الدكتاتوريّة…

وكانت كلمة السرّ المتّفَق عليها للشروع في الانقلاب على نظام سالازار من قِبَل الوحدات العسكريّة المناهضة له للسيطرة على المؤسّسات الحيويّة في العاصمة، وكانت كلمة السرّ لاندلاع ما يُسمّى بثورة القرنفل، فخرج آلاف المواطنين إلى الشوارع لمناصرة هذا الانقلاب والاحتفال بسقوط نظام ديكتاتوري دام قرابة نصف قرن.

 

 

لكن من هو زيكا أفونسو؟ وما معنى ما اصطلح على تسميته بفادو كيومبرة؟

كان زيكا أفونسو عضوًا في الحزب الشيوعي البرتغالي، درس وتخرّج في جامعة كيومبرة، وهو أحد أهمّ المجدّدين في موسيقى الفادو، بأن أوجد رفقة عديد من زملائه في هذه الجامعة نمطًا موسيقيًّا سُمِّي بفادو كيومبرة..

فبعيدًا عن لشبونة، ظهر نوع من الفادو في باحات جامعة مدينة كيومبرة، أو الفادو الأكاديمي.. ويختلف فادو كيومبرة على فادو لشبونة في المضمون بتركيزه على موضوع سياسيّة وثوريّة وخروجه من جبّة فادو لشبونة العاطفي والشاعريّ إلى حدّ كبير؛ أمّا من الناحية الفنّية فقد مزج أكاديميّو كيومبرة بين الفادو الشعبيّ والتراث الموسيقي الكلاسيكي والكنسي…

ومن المفارقات أنّ فادو كيومبرة، كانت تأديته حكرًا على الرجال الّذين يجتمعون في رحاب الجامعة وينشدون بياناتهم الفنّية الثوريّة بلباسهم الأكاديمي…

 

 

لكن ما يجدر بالذكر، أنّ فادو كيومبرة كان مرحلة ظرفيّة في ذاكرة الشعب البرتغالي، لأنّه لم يكن وفيًّا تمامًا لهذا النمط الموسيقي وبقي حتّى بعد الثورة نخبويًّا وحبيس جدران الجامعات؛ كما أنّه افتقد إلى الأصوات النسائيّة، فمن المفارقات أيضًا أنّ الفادو وُلِد وترعرع في زفرات النساء وارتبط بهنّ في المخيال الشعبي، فمغنّي الفادو هو الفاديستا، أي المرأة الّتي تغنّي الفادو…

وسأحاول أن أذكر بعض الفاديستا الشهيرات، وأن أعرّف بهنّ….

 

آماليا رودريغيز: هي مغنّية وممثّلة برتغاليّة، لُقِّبت بصوت البرتغال وتعد وهي أشهر الفنّانين البرتغاليّين في القرن العشرين على الإطلاق. وُلِدت في 1 جويلية 1920 بالعاصمة البرتغاليّة لشبونة، وتُوفّيت في أكتوبر 1999..

ذاع صيتها على الصعيد العالمي، وعُرفت بملكة الفادو، ونظرًا لأهمية هذا النوع من الموسيقى والغناء في الثقافة البرتغالية، اعتبرها العديد من الناقدين الفنيين واحدة من أفضل سفراء هذا النوع من الغناء في العالم. ظهرت أماليا في العديد من البرامج التلفزيونية في جميع أنحاء العالم، وكانت تؤدي العديد من الأغاني التي تنتمي إلى التراث الشعبي البرتغالي، وساهمت في إثراء تاريخ موسيقي الفادو…

وعلى الرغم من وصولها إلى ذورة شهرتها في عقد السبيعنيات، إلا أن نجمها بدأ في الأفول داخل البرتغال بسبب الشائعات التي ترددت عن علاقتها بنظام سالازار الديكتاتوري والذي كان مسيطرًا على البلاد في تلك الحقبة. في الواقع، طال الحظر العديد من أغانيها، ولم تكن تساند نظام الديكتاتور واستردت شعبيتها من جديد بغنائها لنشيد الثورة البرتغالية “جارندولا فيلا مورينا” وكان تتبرع بالمال في السر للحزب الشيوعي البرتغالي.[7] أنتجت أماليا رودريجيش العديد من الألبومات ووصل عدد ألبوماتها إلى 170 ألبومًا. باعت ألبوماتها أكثر من 30 مليون نسخة داخل البرتغال وخارجها.[

 

 

ماريزا: هي فنّانة من الجيل الجديد لموسيقى الفادو، وُلدت لأب برتغالي وأمّ موزمبيقيّة في 16 ديسمبر 1973 في المستعمرة البرتغاليّة آنذاك، الموزمبيق…

بعد استقلال الموزمبيق مباشرة في 1976، عادت رفقة والديْها إلى لشبونة بالبرتغال.. وفي المطعم الّذي فتحه والدها بدأت ماريزا بغناء الفادو في سنّ مبكّرة صحبة عازفي الغيتار الّذين كانوا ينشّطون السهرات فيه.

في عام 1999، وبمناسبة تأبين المغنّية آماليا رودريغيز في حصّة تلفزيّة، أدّت ماريزا بعض أغاني الفادو للعملاقة الراحلة، فأبهرت الجميع بحسّها المرهف وقوّة صوتها وهو ما فتح أمامها أبواب النجوميّة…

ومع انفتاح هذه الفنّانة على موسيقى البلوز والروك والبوسانوفا، أدخلت روحًا جديدة على موسيقى الفادو، فأدخلت عليها آلات الموسيقى الكلاسيكيّة السمنفونيّ مثل الكونترباص والكمان والبيانو، إلخ…

هذا بالإضافة الثنائيّات الّتي جمعتها بفنّانين من مختلف أنحاء العالم، الّتي جعلت من الفادو يصل إلى مناطق بعيدة من قارّة أوروبّا وأمريكا…

 

 

آنا مورا: هي فاديستا وُلدت في 1979 بسانتاريم في البرتغال.. وقد ظهر شغفها بالفادو في سنّ مبكّرة، حيث كانت تتسمّر لساعات قرب المذياع لتستمع إلى كبار فنّانين هذا النمط الموسيقي الشعبي..

وحين بلغت سنّ المراهقة، انتقلت للعيش في إحدى ضواحي مدينة لشبونة، وهناك نسجت علاقات عديدة مع فنّاني الفادو، وقد أبدعت في بداياتها بأدائها لأغاني آماليا رودريغيز والغاني التراثيّة لفادو لشبونة الشعبي..

لكن مع صعود نجمها ودخولها إلى عالم الاحتراف الفنّي، أدخلت نفسًا جديدًا على هذا النمط الموسيقي، بأن جعلته إيقاعيًّا أكثر، من خلال مزاوجته بالموسيقى الالكترونيّة وموسيقى الروك الشبابيّة، ولا يخفى ولع آنا مورا بموسيقى الروك كرافد احتياطيٍّ لموسيقاها بعد الفادو… وقد غنّت مع فرقة الروك الشهيرة “رولينق ستون” في حفلة خالدة…

وهذا ما يتبيّن في ألبومها “Desfado” على وجه الخصوص، حيث نلاحظ الفادو في ثوب جديد، إيقاعي ومبهج، على عكس ما كان عليه قديمًا…

 

 

سيزاريا إيفورا: ولدت لعائلة بحّارة فقيرة في عام 1941 بالرأس الأخضر المستعمرة البرتغاليّة آنذاك. كان والدها عازفاً على الغيتار والكمان، وقد تُوفّي حين كانت في السابعة من عمرها، وألحقتها والدتها الطبّاخة بملجأ أيتام في العاشرة. فبقيت في الملجأ ستّ سنوات.

في السادسة عشرة، بدأت سيزاريا مهنتها، حافيةً، وكانت تغنّي المورنا (موسيقى الرأس الأخضر التقليديّة) مقابل كؤوس من الكونياك… وحّتى بعد اتّساع شهرتها في مختلف أنحاء العالم، حافظت على عادة الغناء حافية القدمين، لأنّها لم تكن تمتلك في طفولتها ثمن حذاء كباقي أطفال الجزيرة.

هاجرت سيزاريا إلى أوروبا عام 1982، كي تبحث عن سبيل لإيصال صوتها وموسيقى المورنا في لشبونة؛ لكن لمْ تُبدِ أيّ شركة إنتاج اهتماماً بنوع إلى أن عثر عليها موسيقي فرنسي مغمور، ودعاها إلى تسجيل أسطوانة في باريس. وهكذا وُلِدت أسطوانة “الديفا حافية القدميْن” (1988). وقد جذب ألبومها الأوّل المنتجين، فتوالت إصداراتها، “Mar Azul” (1991) “Miss Perfumado” (1992)… وقد مثّل هذا الألبوم الأخير بوّابة سيزاريا إلى العالميّة، خاصّة مع أغنية “Sodade”…

لقد مثّلت سيزاريا إيفورا حالة فنّية يصعب تصنيفها، فألحان أغانيها هي عبارة عن مزيج عجيب بين موسيقى المورنا التقليديّة للرأس الأخضر والفادو البرتغالي والبلوز الأفريقي وموسيقى منطقة الكارييب… لقد أعادت سيزاريا موسيقى الفادو إلى جذورها الإفريقيّة وأضفت عليه سحرًا وألقًا جعله يخرج من تكرار نفسه ويخرج من المحلّي الضيّق إلى الكوني المطلق…

هكذا هي الديفا، عادت إلى لشبونة في عام 2010، أي قبل وفاتها بسنة واحدة، ولكن عادت هذه المرّة لتقيم حفلًا لن يمحى من ذاكرة هذه المدينة، حيث قدّمت لهم موسيقى الفادو الّتي لن تجدها في البرتغال، بل عند سيزاريا فحسب!

 

 

هذه هي موسيقى الفادو البرتغاليّة، هي ليست موسيقى فحسب بل ذاكرة شعب وروح حضارة، روح شعوب بأكملها من أنغولا إلى البرتغال إلى البرازيل… إنّها الموسيقى الّتي حملتها أصوات النساء بعيدًا، أكثر من فاديستا ساهمت في أن نتعرّف إلى هذا السحر وأن نسكر من شجنه ومناجاته وألحانه المشحونة بالعاطفة الإنسانيّة في أكثر حالاتها صدقًا وشفافيّة…..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق