الرئيسيثقافةغير مصنف

إدريس بن عبد الله: طريد العراق الذي أسس أول دولة مستقلة بالمغرب

عمر الشريف- مجلة ميم

 

 

أول دولة أسسها أبناء فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي دولة الأدراسة التي قامت بالمغرب الأقصى سنة 172هـ/788م، فكانت أول دولة علوية هاشمية تقوم في التاريخ الإسلامي.

 

تعود دولة الأدارسة لمؤسسها إدريس بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ولد إدريس سنة 127هـ وكان فارسا من فرسان بني هاشم، رجلًا صالحاً شجاعًا، فاضلاً في ذاته، مؤثراً للعدل، درس على يد الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه.

والده عبدالله ولد بمنزل السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها سنة 68هـ، ولقُب بالمحض لشبهه برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمه هي فاطمة بنت الحسين رضي الله عنه، ويقول عبدالله عن نفسه: “أنا أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد في رسول الله مرتين”، يقصد نسبه من جهة أبيه وأمه.

كان عبدالله شيخ بني هاشم، ذا فضل وعلم كرم، تولى أوقاف رسول الله وصدقاته وكذلك أوقاف الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وأعقب محمد النفس الزكية، وإبراهيم، وإدريس (مؤسس الدولة)، وموسى الجون، وسليمان، ويحيي، وفاطمة.

ولما قامت الدولة العباسية سنة 132هـ على أنقاض الدولة الأموية، توجس العباسيون خيفة من أبناء عمومتهم، فقام الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور باعتقال عبدالله المحض وأخوته والكثير من أهل بيته سنة 144هـ، وقد مات عبد الله في سجن المنصور بالعراق سنة 145هـ بعد أن خرج ولده محمد الفس الزكية وأخوه إبراهيم على المنصور حيث أثارهما قبض المنصور على أبيهما وأعمامهما، فانتفض محمد بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، إلا أن انتفاضته باءت بالفشل وقتلا كلاهما.

خلد العلويون إلى السكينة طيلة ربع قرن من سنة 145هـ – 169هـ أملاً في لم شملهم ليعود النشاط العلوي في عهد الخليفة العباسي موسى الهادي الذي عين والياً على المدينة أساء لهم مما دفع الحسين بن علي بن الحسن المثلث إلى استنفار آل علي والثورة على الهادي، والتقى الجمعان بموقعة فخ (بفتح أوله وتشديد ثانيه) بالقرب من مكة المكرمة والتي انتهت بانتصار العباسيين حيث استشهد الحسين ومعه الكثير من أنصاره يوم التروية سنة 169هـ.

شهد إدريس (مؤسس الدولة) الثورتين، ونجا من موقع فخ التي قيل عنها لم تكن مصيبة بعد كربلاء أشد وأفجع من فخ، فرحل إلى مصر ومعه خادمه راشد، واستمر في طريقه شريداً طريداً حتى وصل للمغرب الأقصى حيث مدينة وليلى، ونزل على إسحاق بن محمد بن عبدالحميد زعيم أوربة من قبائل المغرب التي يقال أنها قبيلة خادمه راشد، وكانت أوربة يومئذ من أعظم قبائل المغرب وأكثرها عدداً.

فخلع إسحاق طاعة العباسيين وبايع إدريس بالإمامة، لتصبح أوربة أول قبيلة مغربية تبايعه إماماُ للمسلمين، ثم تلتها قبائل زناتة وغيرها من القبائل، حيث تمكن إدريس من كسب ثقة زعماء قبائل البربر بعد أن عرفهم بنفسه ونسبه، وأنه يريد إقامة نهج الخلفاء الراشدين والسير على خطى جده الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، لم تتردد القبائل في مبايعته وحمدوا الله على أن من عليهم بواحد من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيم بين ظهرانهم، فكانت بيعته يوم الجمعة الرابع من رمضان سنة 172هـ ليؤسس أول دولة لأبناء علي بن أبي طالب، تلك الدولة التي ناهضت بني العباس في أوج مجدهم، وتعد أول دولة إسلامية مستقلة بالمغرب الأقصى.

لما بلغ هارون الرشيد الخليفة العباسي استقرار الأمر لإدريس في المغرب وفتحه لتلمسان وبناء مسجد بها يدعى لأهل البيت من على منبره، وعزمه على غزو أفريقيا، أصيب بالهلع والخوف من اتساع نفوذه، وفكر في التخلص منه للأبد، فاختار أن يرسل له رجلًا داهية يدعى سليمان بن جرير ويُعرف بالشماخ، وطلب منه أن يحتال في قتل إدريس.

وفد الشماخ على إدريس منتحلاً صفة طبيب، ليكون أول عربي يأتيه من المشرق، فرحب به الإمام وقربه منه بعد أن أقنعه الشماخ أنه من أتباع أبيه عبدالله المحض، ومات إدريس مسموماً سنة 177هـ على يد الشماخ الذي فر هاربًا، ودفن بمدينة زرهون وله ضريح مشهور بها، فكانت مدة حكمه خمس سنوات ارتبط فيهم بالمغاربة جسدياً وعاطفيًا.

 

مقام مولاي ادريس متوسطا مدينة الزرهون المغربية العريقة

مدينة زرهون وبها ضريح إدريس الأكبر

توفي إِدريس وليس له ولد إِلا ما كان من حمل جاريته البربرية كنزة في الشهر السابع، فوضعت بعد وفاته ولداً سمى إدريس الثاني أو إدريس الأزهر أو صاحب التاج، ويكنى أبا القاسم ومن أولاده تفرعت الشجرة الأدريسية، تولى الحكم  راشد الذي رافق أباه وأصبح وصيًّا على إدريس الثاني، كما تولى راشد تربيته تربية الأئمة وإعداده للمهمة الكبرى التي تنتظره، فعلمه الفقه والحديث والنحو والشعر، ودربه على ركوب الخيل والمبارزة والرمي بالسهام، وكان لا يفارقه كالظل مخافة عليه من الغدر، فقام بأمره أحسن قيام.

 

 

ظهرت نجابة إدريس الأزهر منذ الصغر، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنوات،  كما عُرف بالفصاحة والإقدام، ولما بلغ الحادية عشر من عمره أرسل إبراهيم بن الأغلب والي افريقية من دس السم إلى راشد فمات سنة 188هـ، فلما قُتِل راشد كفل إدريس أحد شيوخ البربر وهو أبو خالد يزيد بن إلياس العبدي، الذي سارع بأخذ البيعة من قبائل البربر لإدريس الثاني كي لا يحدث فراغ سياسي.

 

زاوية مولاي سيدي ادريس بمكناس المغربية

 

واستقل إدريس الثاني بالحكم بنفسه سنة 192هـ، فقام بدور كبير في تعريب المغرب ليكمل مسيرة والده إدريس الأول الذي وضع الأسس الأولى لثقافة المغرب العربية، فأشرك العنصر العربي في تدبير شئون دولته، ونشر الإسلام في المناطق النائية بالمغرب، وهو مؤسس مدينة فاس التي جعلها عاصمة لدولته، فلما فرغ من بنائها وحضرت الجمعة الأولى خطب في الناس ورفع يديه في آخر الخطبة فقال:

“اللهم إنك تعلم أني ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة، ولا رياء، ولا سمعة، ولا مكابرة، وإنما أردت أن تعبد بها، ويتلى بها كتابك، وتقام بها حدودك، وشرائع دينك، وسنة نبيك ما بقيت الدنيا. اللهم وفق سكانها للخير، وأعنهم عليه، واكفهم مؤونة أعدائهم، وأدرر عليهم الأرزاق، واغمد عنهم سيف الفتنة والشقاق. إنك على كل شيء قدير”.

 

الباب الخشبي المؤدي للضريح بنقوشه البديعة

 

ويروى أن علي الرضا بن موسى الكاظم قال: إدريس بن إدريس بن عبدالله من شجعان آل البيت والله ما ترك فينا مثله، ومما ينسب من الشعر لإدريس الثاني أنه قال:

 

لو مال صبري بصبر الناس كلهم

لكل في روعتي أو ضل في جزعي

بـــأن الأحبة فاستبدلت بــعــدهم

هــمـاً مقيماً وشملاً غير مجتمع

كأنني حين يجري الـهـم ذكرهم

على ضميري مجبول على الفزع

تاوى همومي إذا حركت ذكرهم

إلى جوانح جـسـم دائــم الجزع

 

الضريح تحفة من تحف العمارة الإسلامية بالمغرب

 

خاض إدريس الثاني المعارك ضد الخوارج الصفرية وهم أصحاب زياد بن الأصفر، وأظهر في قتالهم شجاعة نادرة وأعادهم إلى الإسلام الصحيح، وبلغت الدولة الإدريسية في عهده أقصى إتساع لها، ومات إدريس الثاني بمدينة فاس سنة 213هـ، وله من العمر ست وثلاثون سنة، وقال أحد الشعراء في ذلك:

أيا فاس حيا الله أرضا من ثرى

لما اختارت نجل الرسول محمد

ضريح إدريس الثاني بمدينة فاس

 

الضريح حيث يرقد إدريس الأكبر

 

وذكرت المصادر أن سبب موته أنه شرق بحبة عنب، بينما ذكرت مصادر أخرى أنه مات مسموماً، وتولى الحكم بعده ابنه محمد بن إدريس فوزع البلاد على إخوته بعد أن أشارت عليه جدته كنزة بذلك، وقد استمرت الدولة الأدريسية بالمغرب العربي من سنة 172هـ إلى سنة 375هـ حيث سقطت على يد الدولة الفاطمية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “إدريس بن عبد الله: طريد العراق الذي أسس أول دولة مستقلة بالمغرب”

  1. ادريس الاكبر لم يفتح تلمسان…..وانما بايعها حاككمها الذي كانت له مشاحناة مع العباسيين وهو ابو قرة اليفريني……صاحب اول امارة مستقلة في تاريخ المسلمين وكانت عاصمتها تلمسان وهوو من امازيغ المغرب الاوسط اي الجزائر….بايع ادريس الاكبر من اجل الاتحاد على عدوين مشتركين وهما…اولا الدولة العباسيو وثانيا الدولة الرستمية التي كانت بالنسبة لادريس عدو له لانها تعتمد على المذهب الاباضي…..ادريس الاكبر بعد ان بسط سلطانه على امارة بني يفرن بالمبايعة اسس احد المساجد في تلمسان والذي اليوم يعد اطلالا فقط….لان مدينة بوماريا كانت موجودة في ذلك الوقت….

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.