مدوناتبيت وأسرةغير مصنف

وبراءة الأطفال في عقولهم..

مدونات

 

تشكو صديقاتي-وأشكو أيضاً- كلما أقدم أحد أطفالنا على قول أو فعل ينم عن دهاء وبصيرة، ونتسائل في حيرة “أين ذهبت براءة الأطفال؟” ونسارع لاتهام التكنولوجيا والإنترنت بإفساد “فطرة الأطفال” ..

لكن مهلاً .. من قال أن “براءة الأطفال” تعني جهلهم وسذاجتهم؟

البراءة في اللغة تعني الإعذار والإنذار، وبراءة الفرد من أمر تعني خلوه وسلامته منه، لكن في مصطلح “براءة الأطفال” فالمعنى المقصود هو؛ السجية الطيبة البعيدة عن السمات الذميمة.

أي أن براءة الطفل هي نقيض الخبث وليس العلم، فربما نقصد بها الوضوح والصدق والعفوية والبعد عن التكلف والتحايل بتعامل الطفل على الفطرة التي خلق عليها، لكنها لا تمت من قريب أو بعيد لمعاني الجهل والغباء والتهميش حتى نتهم الطفل الذكي أو “اللمض” بأنه ليس بريء.

لا أنفي بالطبع أن أطفال اليوم ليسوا مثلنا حينما كنا أطفالاً؛ لم تعد الكثير من الأشياء تحمل نفس القيمة التي كانت عليها، لم يعد لشراء لبس العيد فرحة عارمة، ولم يعد أول يوم دراسي مميزاً ومبهجاً، ولم تبق الملاهي فرصة الاستمتاع الوحيدة في نهاية أسبوع دراسي مرهق.

تغيرت العديد من معطيات الحياة وأنماطها وتبدلت الظروف المحيطة بهم، وتعددت المصادر التي يستقي منها طفل اليوم ثقافته ومعلوماته بعد الانفتاح اليسير على العالم بمجرد كبسة زر، فيما كان آباؤنا سبيلنا الوحيد لاستكشاف العالم ونحن صغار.

أصبح سقف طموحات الطفل أعلى وقلما يرضيه شيء، ليطلب المزيد، فبينما حملت أنا هاتفاً محمولاً لأول مرة بالمرحلة الجامعية، حصلت طفلتي على هاتفاً ذكياً في سن الخامسة.

 

تغيرت العديد من معطيات الحياة وأنماطها وتبدلت الظروف المحيطة بهم، وتعددت المصادر التي يستقي منها طفل اليوم ثقافته ومعلوماته بعد الانفتاح اليسير على العالم بمجرد كبسة زر، فيما كان آباؤنا سبيلنا الوحيد لاستكشاف العالم ونحن صغار

 

تبدل الظروف كان من المنطقي أن يؤدي بدوره لتغير فطرة الطفل ومفهوم براءته بالتبعيه.

لكن هذا كما كانت له آثار سلبية، تعددت آثاره الإيجابية، حسبما أعتقد، فقد بات أطفالنا أكثر ذكاءاً منا وأوسع معرفةً وأيضاً أكثر رغبة في التعلم واستكشاف العالم الذي يعيشون به.

لم تؤثر التكنولوجيا وحده على عقول أطفالنا، فما يشاهدونه يومياً من مشاهد العنف والقتل في الدراما أو الحروب بنشرات الأخبار، أو حتى ما يمارس ضدهم من جرائم عنف منزلي أو تحرش أو أو إلى آخره، لم تكن لتتركهم على الفطرة بكل تأكيد.

وهنا يمكننا اعتبار براءة الأطفال مشوهة أو منقوصة عندما يحبون العنف أو يجنحون للجريمة، حينما يبالغون في تقليد الكبار والتشبه بهم في الملبس أو الفعل، تحت تأثير ما يشاهدون من مواد تليفزيونية لا تراعي خصوصية الأطفال بأي حال وتنتهك طفولتهم بجوانب الإثارة بها.

 

براءة طفل اليوم في جنوحه للخير والمحبة، في خياراته الإنسانية، وليس في تهميشه سذاجته بما  يحيط به

 

لكن يجب أن نعي أن نضج الطفل ووعيه بحقيقة ما يدور من حوله يبقى السبيل الوحيد لحمايته من أن يتحول لضحية لعنف أو استغلال ما، أو حماية لبراءته وليس انتهاكاً لها كما يظن البعض.

الأمر المحير بالنسبة لي أن أن كثير من الآباء لا يراعون تغير الظروف ويصرون على تربية أبنائهم بنفس الطريقة التي تربوا بها؛ عبر إبعاد الطفل وعدم توعيته بخطورة ما يدور حوله، عملاً بمبدأ “اترك الطفل يستمتع بطفولته ولا تحمله الهم –والمقصد المسؤولية- فغداً يكبر ويقابل كل قبح العالم مرغماً”.

من قال إننا عندما نربي طفلاً مدللاً مغيباً عن المسؤولية، أنه سيتحمل المسؤولية فيما بعد؟ بالعكس، نحن حينها نثقل العالم بمزيد من الأشخاص غير المسؤولين والسلبيين أو الجهلة.

أنا لا أتجنى على طفولة ابنتي عندما أحملها مسؤولية توازي المرحلة العمرية التي تمر بها، كأن ترتب غرفتها مثلاً، أو تدخر مصروف يومين لتشتري شيئاً تريده، أو تعيد الطبق الخاص بها للمطبخ عقب انتهاءها من تناول الطعام، أو تضع ملابسها المتسخة في الغسالة.

بل أربيها هنا على مبدأ الاعتماد على الذات وعدم التوكل على الغير، أرسخ في نفسها مبدأ العطاء والمساعدة قدرما تستطيع.

لا يجتزء من براءتها كوني أمنحها خيارات وأترك لها حق تقرير ما ترغب وتحمل مسؤولية تبعاته التي أوضحت لها احتمالاتها مسبقاً، ولن يضيرها إذا أطلعتها على وضعي المالي المتعسر بضع مرات لتمنحني حلولها “المضحكة” وتتفهم أن الحياة ليست دائماً رائعة وأنه لا يمكننا الحصول على كل شيء باستمرار.

في عالمٍ قاسٍ كالذي نعيش به، ينبغي أن نربي أطفالنا تربية متزنة؛ نمنحهم الفرصة للاستمتاع والرفاهية بالقدر الموازي لتحمل المسؤولية وتعود الاعتماد على الذات.

فبراءة طفل اليوم في جنوحه للخير والمحبة، في خياراته الإنسانية، وليس في تهميشه سذاجته بما  يحيط به، فلم نعد –في طفولتنا- مقياساً لهم ولا نشبههم أبداً.

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد