اختيار المحررينثقافة

شافية رشدي: فنانة تحدّت الاستعمار وتمردت على التقاليد

ثقافة

 

ليس من السهل أن تكوني فنانة عربية ثائرة على الأعراف، ومستندة في نفس الوقت أثناء كفاحك هذا إلى مقوّمات خصوصية مجتمعك الذي تتمردين عليه. ليس سهلا أبدا أن تحطم المرأة قوانينا وتقاليد ذكورية تعتبرها جائرة في حقها وأن لا تنساق في خضم هذه المعركة وراء ثقافة غربيّة قد تقدم لها بعض الحقوق وتعفيها من الشعور بالاتهام الدائم لها.. 

ولكن هذا الأمر لم يصعب على الفنانة الراحلة “شافية رشدي” التي عاشت حياة صاخبة ومتمردة قدّمت فيها إرثا مهما للفن بتونس في المجال الغنائي والمسرحي وأكدت فيها على تشبت المرأة التونسية بحبها للوطن.. كانت أول إمرأة تونسية تقود سيارة مرتدية السفساري رغم أنها كانت تجول في الشارع بلباس عادي وهو الأمر الذي حيرّ أغلب من عاصروها حول شخصيتها الخارجة عن المألوف

 

بداياتها

ولدت الفنانة شافية رشدي في7 نوفمبر سنة 1910 بمدينة صفاقس من أب مغربي وأم ليبية ذات أصول تركية، وقد كان إسمها الأصلي “زكية المراكشي”. 

تلقت تعليمها في “الكتّاب” ثم في مدرسة “دار الخرّاط”، وعاشت زكية طفولة قاسية بسبب اليتم الذي عانته في السنوات الأولى من عمرها.  إلا أنها طردت الحزن من قبلها عبر إنغامسها منذ الطفولة في عوالم الموسيقى والفن، فدرست الموسيقى على يد عازف البيانو والألات النحاسية الهادي الشنوفي وتعلمت المسرح من محمد شبشوب والبشير المتهني.

ادركت أن رحلة الفن الحقيقة تبدأ من العاصمة لأنها مركز النشاطات الثقافية ودور الصحف فانتقلت إليها عندما بلغت عقدها الثاني واقتحمت مجالي الفن والتمثيل سنة 1930، ومكنّها الحي الذي سكنته «باب سويقة» من التواصل مع الأوساط الثقافية والفنية في عالم المسرح والموسيقى والغناء، وظهرت في هذه الاوساط باسم “شافية رشدي”

 

شافية رشدي و علاقتها بجماعة تحت السور 

في “حومة باب سويقة” أقامت شافية رشدي صالونا ثقافياً يحمل اسمها حضره كبار المثقفين، فتواصلت فيه مع رموز الفن والشعر والموسيقى في العاصمة من خلال استضافتها لـ“جماعة تحت السور”  وإنضاممها إليهم.

وكانت جماعة تحت السور مجموعة من المثقفين التونسيين، يجتمعون في مقهى “تحت السور” قبل الحرب العالمية الثانية في باب سويقة نذكر منهم :الشاعر أبا القاسم الشابي، محمود بيرم التونسي، صالح الخميسي، عبد العزيز العروي، الهادي الجويني والروائي علي الدوعاجي..

وقد أثرت جماعة تحت السور في شخصية شافية رشدي تأثيرا إيجابيا، فمن خلال تلك اللقاءات تشبّعت شافية من النخبة المثقفة بقيم الحرية وكرامة الوطن وأهمية الثقافة في تحرير الشعوب. وكانت تتقبل منهم النقد وتستمع إلى مختلف أرائهم في الفن والموسيقى، فقادها كل هذا لأن تغني ما يقارب المئة أغنية كانت تُكتب وتُلحن وتُغنى في سهرات الصالونات الثقافية.

وبالرغم من هذا الإنسجام الحاصل بين مثقفي جماعة تحت السور، يُروى أن علاقة شافية مع بيرم التونسي كانت متوترة، فقد كان يرى فيها تحررا زائدا عن اللزوم وغالبا مايوجه لها النقد اللاذع.

إلاّ أن الفنان صالح الخميسي كان كثير الدفاع عنها والوقوف إلى جانبها وكان يحاول الإصلاح بين الطرفين فيذكر محاسنها كمساعدتها للفقراء وشجاعتها في تعبيرها بكل وضوح عن رفضها للإستعمار الفرنسي.*

 

 

أول امرأة تقود السيارة في تونس 1940 

في عام 1940 كانت تونس تعيش تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، وكانت الوضعية الإجتماعية للمرأة مختلفة عن عصرنا الحالي لأسباب عديدة كتدنّي نسبة التعليم لدى الإناث مقارنة بالذكور واتّسام المجتمع بالمحافظة والإنغلاق إلى حد ما.. فلا تخرج المرأة من بيتها إلا في مناسبات نادرة وعند الضرورة القصوى..

ولذلك كان طبيعيا ان تصنف امرأة كشافية رشدي ومثيلاتها ضمن النساء “القادرات”وهو توصيف تونسي للمرأة القوية فيقال “مرا قادرة” أي إمرأة تتميز بالنفوذ والتحدي والمرتبة الرفيعة فلا تخاف الناس أو أقوالهم…

شافيّة رشدي كانت في أوج مجدها الفنّي، وتتمتع بمكانة مرموقة وشهرة واسعة ومال وفير، تتسم شخصيتها بالجرأة والعنفوان.  خرجت  تقود سيارتها بنفسها، وكانت أول امرأة تونسية تجرأ على فعل ذلك ، لكنها تعمدت ارتداء لحاف السفساري فوق ثيابها، وهو القماش الأبيض الذي تتلحف بها النساء خارج بيوتهن، أثناء سياقتها لسيارتها المكشوفة، ربنا اعلانا بأنها ليست بصدد التمرد على قيم المجتمع ولا بمصادمته بل بتوسيع هامش حركتها وحضورها كامرأة في الفضاء العام.

 

 

طافت شافية رشدي بسيارتها شوارع تونس متلحفة بالسفساري و على وجهها ابتسامة عريضة وتساءل الناس حينها لم ترتدي شافية السفساري وهي التي تلبس في حفلاتها فساتين غربيّة، وتخرج للشارع عارية الرأس وكانت إجابة شافية رشدي كالآتي : “لو قمت بقيادة السيارة بملابس إفرنجية لظن المستعمر أنني فرنسية أو مسيحية ولكني أريد أن تعلم فرنسا أن نساء تونس المسلمات يمكن لهن أن يقدن السيارات وهذه رسالة يجب ان تصل لهم” *

وبالرغم من أن معظم الرجال استنكروا هذا التحدي وعدّوهُ خروجا عن القيم والعرف السائد آنذاك لم تهتم شافية بذلك لأنها كانت تتوق أولا إلى الحرية وتصبو ثانيا إلى تحدي الإستعمار عبر بثّ هذه الرسائل الرمزية.

وقداعتبر البعض من المثقفين في ذلك الوقت أنها قامت بموقف استثنائي لا يمكن أن يبدر إلا عن إمرأة إستثنائية وأن لهذا الفعل تأثيرا كبيرا على تفكير المستعمر الفرنسي.

 

 

أعمالها المسرحية

تمتعت شافية رشدي بصوت خلاّب مكنّها من أن تفتكّ مكانتها في المسرح الغنائي فشاركت في مجموعة من المسرحيات الغنائية أشهرها: “هاملت”، “صلاح الدين الأيوبي”، “عطيل” و”مجنون ليلى” وانضمت إلى عدّة فرق المسرحية مثل “فرقة التمثيل العربي وفرقة المستقبل العربي”.

أسست كذلك فرقة خاصة بها بعد الحرب العالمية الثانية لقّبتها ب “نجوم الفن” وانتجت عدة مسرحيات ك”أميرة المهدية، و”أم عباس” و”الجازية الهلالية”. وكان من ضمن الذين عملوا معها في مجال المسرح المطرب والملحن المصري سيد شطا الذي أقام في تونس سنوات عديدة، ولم تكتفي شافية بالغناء والتمثيل فانتقلت إلى كتابة بعض النصوص المسرحية…

 

كحلة الأهداب “سوداء الرموش”

“كحلة الاهداب” كانت الأغنية الاشهر للمطربة شافية رشدي وقد كُتِبَتْ ولُحِنَتْ خصيصا لها وكان ذلك في إحدى الليالي التي جمعتها بمجموعة من الشعراء والموسيقيين حين أبدت استياءها من أن يكون للمطربة المصرية منيرة المهدية نشيد خاص تبدأ به حفلاتها، ألا وهو “حيّوا معانا السلطانة”، في لا تتمتع هي بشيء مماثل، فأججت شعور التحدي لدى الحاضرين من الشعراء و الفنانين، ووُلدت في تلك السهرة أغنية “كحلة الاهداب” أي “سوداء الرموش”.

 

 

مساعداتها للجمعيات وأعمالها  الخيرية

اشتهرت الفنانة التونسية بدعمها للنادي الإفريقي عبر تقديمها عدة مساهمات المالية لهذه الجمعية الرياضية. كما سجّلت أيضا حضورها في النشاطات الاجتماعية والجمعيات الخيرية وهو ماتحدث عنه ابنتها في حلقة من البرنامج التلفزيوني “نجوم في الذاكرة” الذي أُعد خصيصاً عنها. فذكرت أن والدتها شافية رشدي قامت ببناء مستوصف ومدرسة ابتدائية في مدينة حمام الأنف، مضيفة أن أمها عزمت قبل وفاتها أن تتنازل عن جميع أملاكها وأموالها للفقراء واليتامى، إلا أنها توفيت قبل أن تتمكن بالقيام بهذا سنة 1989.

تعتبر شافية رشدي أول مطربة تخصص لها الاذاعة التونسية كل أسبوع وقتاً خاصاً لبث أغانيها، ومن أشهر أغانيها المحفورة في ذاكرة التونسيين “حبيتك جاه ربي “و “شيري حبيتك” التي غنتها مع الفنان هادي جويني وهي أغنية من النوع الفارنكو أراب.

ويُحسب لها أيضا ان تأسيسها للصالونات الأدبية عاد بفوائد كبيرة على المجال الثقافي في تونس انذاك، إضافة إلى أنها كانت من مؤسسي مدرسة الراشدية. والأهم من كل هذا مواقفها الوطنية المشرفة إبّان الإستعمار فقد كانت تؤوي في بيتها مناضلين تونسيين مطاردين من قبل الإحتلال دون خوف أو تردد…

 

مصادر

مداخلات لعبد الستار عمامو في منابر تلفزية

الجزء الاول من موسوعة (المنسي في الغناء العربي ) للباحث و الكاتب زياد عساف عن دار (ميريت)

مسرحية جماعة تحت السور

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق