اختيار المحررينثقافةغير مصنف

حكايات عن “جاك بريل” فارس الغناء والحياة  

 

 

أربعة عقود مرّت على رحيل الفنان البلجيكي “جاك بريل”، الفنّان الذي ألهب خشبة المسرح وأشعل القلوب. هو فلتة ومعجزة فنيّة مازالت حاضرة إلى اليوم في  الوجدان الجماعي العربي والغربي، لم يغيبه الموت بل زاده ألقا ورونقا فسيرته مازالت تجذب عشاقه يبحثون  في عوالمه الخفيّة عن أسراره ومغامراته التي جعلت من هذا الرجل أسطورة الفنّ الغربي ولغزا محيّرا إلى يومنا هذا.

 

مازالت أغنيات “جاك بريل” ترافقنا في محطات حياتنا، العشق والفراق، الفرح والحزن، إنّه حاضر بيننا في كلّ الحالات ” لا تتركيني”، ” عندما لا نملك سوى الحبّ”، “ميناء أمستردام”، ” رقصة بألف أزمنة”، “هؤلاء الناس” وعشرات الأغنيات التي مازالت محفورة في ذاكرتنا.

 

ولد جاك بريل في عائلة غنية ببروكسيل سنة 1929 واتجه إلى الغناء عند بلوغه العشرين في الحانات والملاهي الليلية ولم يعترف النقاد في بداياته الفنيّة بصوته بل أشادوا بقصائده التي كان يكتبها ويلحنها ويغنيها بنفسه.

 

 

 

ظل “جاك بريل” لسنوات طويلة يعاني تجاهل النقادّ إلى أن غنى أغنية “نحن لم نملك سوى الحبّ ” سنة 1956 الأغنية التي فتحت أمامه أبواب الشهرة وافتك مكانه كفنان ومطرب موهوب منح المجد والشهرة للأغنية الفرنسية. تواصلت نجاحات “جاك بريل”  إلى درجة أنّه استطاع أن يحي حفلاته بمعدّل 300 حفلة في العام الواحد طيلة ستينات القرن الماضي.

اتجهت الأنظار إلى جاك بريل كظاهرة فنيّة تتسم بالتميّز والغرابة في آن واحد، فنّان عاطفي، متوتر، غامض، ومذهل، شغوف بما يقدّمه بفنّه التي تروي تجاربه وسيرته المنفلتة، فنّان لم يأت بعده فنّان يمسك الميكرفون كما فعل، من يتأمل علاقة بريل بالميكرفون سيدرك كم أحبّ بريل الفنّ الذي استوطن جسده النحيل ليصبح بريل فوق المسرح مارد ضخم لا يستطيع أحد مقارعته أو الاقتراب منه، لقد اقتحم هذا المارد العالم كلّ العالم بل ونال عشق الجمهور في دول الإتحاد السوفياتي الذي غنى له في موسكو.

 

 

من يشاهد جاك بريل فوق المسرح سيدرك أنّ تلك الخشبة بيته، بيته الذي يمارس فيه  موهبته بحريّة وشغف دون حدود أو حواجز يرسمها بينه وبين الجمهور، لتسقط القوالب،غني  بريل ومنح الفرح والنشوة لجمهوره، قلدّه الكثيرون ولكن يبقى بريل استثناء جميل في عالم الفنّ.

 

لم يغن بريل للحبّ والنساء فقط بل غنّى للمهمشين المفقرين، بحارّة أمستردام، والمشردين، والمهاجرين، اقتحم عوالمهم بقدرة عجيبة لا يمكن لولد بورجوازي أن يفعل ولكن جاك بريل تجاوز طبقته الغنيّة نحو الطبقات المحتقرة، امتلك جاك بريل قلبا أكبر من جسده لذلك استطاع أن يحسّ بمعاناة أي إنسان مهما كان مختلفا عنه.

 

 

ارتبط “جاك بريل” بعلاقات صداقة مع العرب لقد أحبّهم وتجاوز عقد الرجل الأبيض، العنصرية والاستعلاء التي يعامل بها العرب والأفارقة ، لقد أحبّ بريل الحياة ومن يحبّ الحياة يحبّ الجميع، والعرب أصدقاء جيّدون ل”بريل”  فلهم القدرة على المضيّ في طريق المغامرة بشجاعة نادرة، فالرجال الحذرون رجال عاجزون على حدّ عبارة بريل وبريل عاشق للسفر والنساء والفنّ و المتع الأخرى.

 

جمعت الصداقة بين جاك بريل وبعض المغاربة وزار المغرب الأقصى، أقام حفلته بالدار البيضاء سنة 1965 ويقال أنّ بريل دفع ثمن التذاكر لطلبة فقراء جلسوا أمام المسرح لعجزهم المادي، عشق بريل المغرب وزاره عدّة مرات وأقام عدّة حفلات، لم يشترط مقابلا ضخما أجرا لحفلاته، لقد منحه هذا البلد العربي والإفريقي زخما عاطفيا ساعده في إنتاج بعض الأغاني التي عقبت إقامته بالمغرب، أشهرها أغنية “لا تتركيني ” التي ألفها بمدينة المحمدية المغربية.

 

 

نهش المرض رئتي جاك بريل، الرئة التي تنفست الحبّ والفنّ والحياة والجنون والكرم، لتتوقف نهائيا سنة 1978 ، وتنتهي حياة مزدحمة بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة لفنّان استثنائي منح عمقا لحياة الفوضى التي عاشها، حياة الفوضى التي جعلت منه إنسانا يحمل قلبا أكبر من جسده.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد