اختيار المحررينثقافة

تـــــــــــــــــزفيتان تودوروف : صوت الحكمة في الغرب وصديق العرب

سير خالدة

 

 

هل يمكن أن نستمع إلى صوت العقل والحكمة بموقف ينتصر للعرب والإسلام في القارّة العجوز وفي وقت يمارس فيه الرجل الأبيض باستعلاء أبشع الجرائم في حقّ المسلمين والعرب، هل يمكن أن ينتفض مفكر من الغرب ضدّ ما نعيشه من عداء وعنصرية واحتلال، هل يمكن أن نستمع إلى صوت غير صوت الرصاص والدبابات ونحن نعاين خيانة بعض مفكرينا وانسياقهم وراء مقولات الرجل الأبيض وقيم الديمقراطية المغشوشة التي دمرت العراق وجعلتنا في عين العالم إرهابيين طالما أننا ننتمي إلى الإسلام دينا وحضارة؟

 

أسئلة نطرحها ونحن نقف أمام سيرة مفكر عظيم انتصر للحريّة والإنسان بكلّ ألوانه وأديانه، مفكر عاش فضائع النظام الشيوعي في بلغاريا وجرائم الدولة الليبرالية الغربية التي ارتكبتها ضدّ المسلمين، إنّه “تزفيتان تودورف” الذي نقش حروف اسمه من ذهب في ذاكرة التاريخ والشعوب المضطهدة والذي وافته المنية في 7 فيفري 2017 لتخسر الإنسانية بوفاته صوت الحكمة.

ولد تزفيتان تودوروف سنة 1939 بمدينة صوفيا البلغارية والتي كانت ترزح تحت قبضة النظام الشيوعي وهو ما جعله يتخلص فيما بعد من كلّ الإيديولوجيات، غادر تزفيتان بلغاريا في سنّ الرابعة والعشرين نحو فرنسا متخلصا من الجدار الحديدي وهاربا من الجرائم الستالينية أكمل دراسته الجامعية بفرنسا ثم طلب اللجوء السياسي هناك.

 

 

نال تزفيتان تودوروف شهادة الدكتوراة في الأدب سنة 1970 ، واشتهر كواحد من أهمّ المثقفين الفرنسيين الأكثر اعتدالا  وأحد أهمّ ممثلي تيّار البنوية إلى جانب رولان بارت، شغل عدّة مناصب مدير مركز البحوث والفنون واللغة بباريس وأستاذ بجامعة يال بالولايات المتحدة الأمريكية، وأصدر عشرات الكتب حول الأخلاق والسياسة والأدب من أشهر كتبه التي أحدثت ضجة في العالم ” الخوف من البرابرة : ماوراء صدام الحضارات” والذي دعا من خلاله الغرب إلى الكفّ عن تغذية مقولات صراع الحضارات إلى جانب كتب ” نحن والاخرون “، “مواجهة التطرف” و”أعداء الديمقراطية الحميمون”.

 

 

يعتبر تزفيتان تودورف من الأصوات المعتدلة في الغرب التي رفضت الحرب على العراق سنة 2003 كما رفض سابقا تدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو، وقدم قراءة مختلفة عن النسق الغربي لقضايا الشرق في كتابه ” الخوف من البرابرة”  : ” لكي يتسنى للشعوب المسلمة في الدول العربية أن تحوّل أنظارها فتلتفت إلى الأسباب الداخلية الكامنة وراء خيبتها واخفاقاتها، ينبغي معالجة القضايا الخارجية الأكثر بروزا وجذبا للأنظار، هذه القضايا التي يبقى الغرب مسئولا عنها ” ويقصد تودوروف قضية فلسطين والعراق وغيرها من الدول التي ترغب القوى العالمية أن تجعل منها بؤر توتر دائمة في الشرق الأوسط.

 

 

من أشهر مقولاته التي تنتصر للإنسان العربي والمسلم ضدّ هجمة الغرب وتوحش الآلة الحربية : “إنّ الخوف من البرابرة من شأنه أن يحولنا إلى برابرة ” ويعرف تودورف البربري  بأنّه الإنسان الذي لا يعترف بإنسانية الآخر، والذي يرفض اعطاءه حقوقه وحريته كما طالب بها سابقا لمصلحته.. ترى من هو البربري هل نحن أم هم .. سؤال نطرحه وقد شهد شاهد من أهلهم على بشاعة  جرائم الغرب في حقّ شعوبنا.

 

 

انتقد تودوروف في كتبه جرائم سجن غريب وممارسات التعذيب بجن غوانتنامو منتقدا في نفس الوقت الغرب الذي خاطر بقيمه ومبادءه بعد شعوره بالخوف والذي جعله يرتكب أبشع جرائم القرن الواحد والعشرين، كما فعلت الشيوعية والنازية سابقا وتم تبرير جرائمهما بأهداف سامية. قال تودوروف في هذا السياق : ” يعرّض للخطر المثل العليا التي يدافع عنها الغربيون، الحرية والمساواة والعلمانية وحقوق الإنسان، فتبدو كنمويه مبّسط لممارسة إرادتهم في السيطرة على العالم وبالتالي تفقد هذه المثل العليا الحظوة لدى الجميع ” وهو ما حدث فعلا في الدول العربية فالحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ينقلب إلى أحاديث عن المؤامرة والاحتلال من أجل استنزاف ثروات الشعوب.

 

 

تأثر المفكر الفرنسي البلغاري بأعمال جيرمان تييون وإدوارد سعيد وأهداهما كتاب ” الخوف من البرابرة”، وقد تأثر بنزعتهما الإنسانية لا سيّما عالمة الأنثربولوجيا الفرنسية والتي ناضلت ضدّ الإرهاب والقتل وعرفت بمواقفها الإنسانية المتضامنة مع الجزائريين خاصة وأنّها أقامت سنة 1934  بجبال الأوراس لأربع سنوات.

كتب ادوارد سعيد عن الهوية والثقافة وهو نفس الطرح الذي قدمه تزفيتان تودوروف في كتابه ” الخوف من البرابرة” وقدم من خلاله قراءة تدعو إلى الاعتراف الحرّ بالشعوب والهويات والثقافات وإقامة الحوار بين الحضارات لصالح إنسانية متسامحة، حضر تزفيتان آخر أمسية للشاعر محمود درويش قبل موته بأسابيع  بجنوب فرنسا وتحدث معه وانبهر بشعره كما صرّح لوسائل الإعلام وهو ما يعبر عن النزعة الإنسانية المفكر الفرنسي البلغاري الذي ناضل من أجل مجتمع دولي خال من أمراض العنصرية والحقد والحرب .

لم ينغلق تودوروف على هويته بل انفتح على جميع الهويات لقد شغف بمعرفة الآخر والتعرف عن قضاياه، لم يبخل على الإنسانية بأفكار التسامح والعدل والمساواة محذرا من الإنغلاق والتعصب التي تنسف المتعصب وضحيته في وقت واحد.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد