مجتمع

العودة إلى “الدنقري”: حنين أم تقليعة موضة عابرة؟

مجتمع

 

الشاشية الحمراء فوق الرأس ومشموم الياسمين خلف الأذن، الشاربان معقوفان، و”الدنڨري” مع الكوفية الفلسطينية يزيدان هذه التفاصيل بهاءً ورونقا، تلك هي صورة الرجل التونسي القوي والرجولُي، المغوار المحنّك في المخيال الجماعي.

ولتشكّل هذه الصورة أسباب وأبعاد ساهم في تعزيزها لباس  الدنڨري تحديدا، فقد ترسخ في اعتقادنا أن من يرتدي الدنڨري هو إما بحّار شجاع صلب لا يخشى غموض البحر أو بائع خضار مكافح يقتات رزقه من عرق جبينه أو فلاح قوي البنية لا يهاب الحر وضربات الشمس فيحصد أرضه بكل ما أوتي من جهد دون تململ أو تذمر.

 

 

ولكن بالرغم من هذا الإتفاق الحاصل حول الإيحاء الإيجابي الذي يتّسم به “الدنڨري” فإن الرجل التونسي بصفة عامة قد عزف عن ارتداءه منذ فترة طويلة تزامنت مع الانجراف في محاكاة الموضة العالمية والأزياء الغربية. ومع ذلك فإن هذا العزوف النسبي قد تقهقر تدريجيا منذ مدة قصيرة وعاد البعض إلى ارتداءه.

إلا أن هذه العودة اختلفت أسبابها فقد تميزت عند ثلة من الشباب بالوعي بقيمة هذا اللباس وما يرمز إليه ثقافيا وفكريا وكانت عند البعض الآخر إنقيادًا وراء موضة استهلاك اللباس التقليدي التي ظهرت مؤخرا في تونس. فقد أصبح هذا اللباس مساحة للإشتغال والتطوير لدى مصممي الأزياء وكثر الإقبال عليه وارتفعت أسعاره فبات ” الدنڨري ” الذي كان يُعرف بلباس العمال  يباع بأبهض الأثمان، وارتفعت وتيرة الإقبال عليه مع عرض مسلسل “علي شورّب” الذي كان فيه الدنڨري من قطع اللباس المميزة لهذا العمل التلفزي..

فهل يمكن اعتبار العودة إلى الدنڨري حنينا للأيام الماضية ولتلك الشخصية الرجالية التي ترجمت نفسها عبر هذا اللباس القادم من الصين إلى تونس، أم أن الأمر محاكاة للموضة التي تُصنع كل فترة وفق توجهات وميولات معيّنة؟

هل هو اشتياق عابر شبيه بالإشتياق للمدينة العربي في ليالي رمضان واهتمام عرضيّ يحسن استغلاله بعض مصممي الأزياء لإرضاء شعور المستهلك؟

وهل أن هذا المستهلك يختار ما يريد، أم يقلّد كل ما تذهب إليه المجموعة المتأثرة بدورها باهتمامات رموزها وأعلامها من الفنانين والمشاهير؟

أصل الدنڨري

تنحدر جذور هذا اللباس من الصين وهو في الأصل ثوب العامل الماوي، وقد انتشر منذ فترة طويلة في حوض البحر الأبيض المتوسط عبر استيراده من قبل تجّار من الشرق عن طريق تجارة الحرير.

 

 

ارتبط هذا اللباس باليساريين، فقد كان ” الدنڨري ” الثوب المميز للحركة الماوية الشيوعية في الصين وبالعمال، لاسيما البحّارة والمزارعين، لأن قماشه متين وسهل الملمس ومريح في آن. وحضي بشهرته الواسعة في الحوض المتوسطي خلال ثلاثينات القرن الماضي، بعد أن قام تاجر فرنسي باستيراده وتوزيعه في المستعمرات الفرنسية، مثل تونس، فتموقع هذا الزي في فرنسا ومستعمراتها موقع الجينيز المتوسطي الملائم لطقس بلدان البحر الأبيض المتوسط.

يحتوي الدنڨري  الأصلي على نسبة %100 من القطن ويتميز بلونه الأزرق النيلي المشرق، وحتى تكون صبغته ثابتة يتم نقعه في مياه البحر أو الخل لمدة 24 ساعة. أما عن اختيار اللون الأزرق فوفقا للصينيين، فإن  الأزرق النيلي يحمي من البعوض في حقول الأرز..

 

 

ويرجح وسيم صالح كاتب مقال “أزرق الصين”  Bleu de Chine” أن أصل كلمة  الدنڨري المستخدمة في تونس من المحتمل أن تعود لإسم بلدة صينية مسماة تينجيري أو دنغري “tingiri”  “dengheri”. وهي بلدة تقع في سفح جبل إيفرست وقد كانت جزءا من طريق تجارة الحرير عاشت بها  أقلية عرقية تتحدث اللغة التاقية وتطلق على اللون الأزرق كلمة تنغر أو تنيغري.

 

 

بالرغم أن جذور هذا اللباس تعود إلى الصين فقد نجح هذا اللباس في حفر مكانته في تونس ولامس قلوب التونسيين من خلال رمزيته الثورية والعمالية ولونه الأزرق الذي يحيل حسب رمزية الألوان على الحزن والحلم والهدوء والحكمة، فارتدى أجدادنا هذا اللباس و أضافوا إليه أكسسوارت أخرى عمّقت جماليته كـ: “الشاشية والبلغة و الكوفية” فأخرجته في طور جديد بلمسة تونسية عريقة.

ولهذه الأسباب عادت قلة قليلة من الشباب والكهول إلى الدنڨري  لإحياء كل هذه الدلالات المشحونة بالحنين والثورة والعمق الرمزي للّون والخلفية التي أتى منها هذا الزي، ولكن هل أن عودة غالبية الشباب ذكورا و إناث إلى هذا اللباس هي عودة واعية بقيمته؟

 

الطفرات الإستهلاكية للّباس التقليدي

ثقافة الاستهلاك هي تلك الجوانب الثقافية المصاحبة للعملية الاستهلاكية، أي أنها مجموعة المعاني والرموز والصور التي تصاحب العملية الاستهلاكية، والتي تضفي عليها معناها وتحقق دلالتها في الحياة اليومية. ففي هذه الفترة، ومع رواج صورة الرجل” الباندي” في مسلسل “علي شورب” ونفض الغبار في الأعمال الرمضانية عن صورة تونس القديمة في عهد البايات وزمن الإستعمار الفرنسي وصولا إلى الاستقلال يبدو الرجوع إلى اللباس التقليدي عموما والدنڨري خصوصا علامة من علامات مواكبة الموضة التي تعكس مواكبة اجتماعية في ذهنية  المستهلك، لا سيما في أوساط الشباب الذين يعني لهم الكثير أن يكونوا في خضم الأحداث و في قلب الحدث.

 

 

“فالمستهلك يتأثر بطبيعة التطورات الاستهلاكية التي تحصل حوله، ممّا يؤدّي إلى تطور ثقافته الاستهلاكية التي تتطور كنتيجة من نتائج التطور المستمر”، والموضة أيضا تتغير كل فترة قصيرة من الزمن فيقبل عليها المستهلك دون اهتمام أصلا بالفكرة التي يقوم عليها الزي، أو ربما في بعض الأحيان يكون وعيه بالفكرة منقوصا وسطحيا.

 

 

وفي هذا السياق، قد تمثّل العودة إلى  الدنڨري لدى جمهور المستهلك المقلّد استحضارً لتلك الشخصية التي تحدثنا عنها في بداية المقال، لكن هذه الشخصية التي أصبحنا نفتقدها كثيرا لا تتخذها غالبية من الشباب رمزا أو قدوة في عصرنا الحالي. هم لم يهتموا بها إلا بعد مشاهدتها على التلفاز فأصحبت النمط الجديد الذي قد تنجذب إليه الفتيات ويتأثر به الذكور، وهي شخصية يتحدث عنها الجميع، إذا يجب محاكاتها باعتبارها الرائجة الآن حتى تأتي شخصية أخرى لتعوّضها.

ذلك أن المحاولات الفردية للبعض في ارتداء هذا الزي قبل عرض هذا المسلسل لم تلق اهتماما وانجذابا مثل الذي نلاحظه الآن، إضافة إلى أن مصصمي الأزياء لم يتوانوا عن تطوير الدنقري هذه الفترة حتى يلائم الأذواق العصرية عبر إضافة مواد جديدة و تقديمه في ألوان مختلفة ومزجه مع اكسسورات أنثوية لتلائم ذوق الجمهور النسائي.

 

إن استهلاك الفرد لا يتوقف على ذوقه وما يريده هو، بقدر ما يتأثر بما يستهلكه الآخرون ومعنى ذلك أن الاستهلاك أصبح قيمة اجتماعية. فالفرد لا يستهلك ما يريده فحسب،وإنما يستهلك ما يجد جيرانه وزملاءه يستهلكونه. ومن هنا نفهم الدور التي يقوم به الإعلان في العصر الحديث

الباحث دوزنبري في كتابه “أثر التقليد”

 

لا تختلف كثيرا العودة إلى ارتداء الدنڨري لدى المتسهلك المقلّد عن أمر العودة للمدينة العتيقة في شهر رمضان، فلا تبعد زيارة مقاهي “المدينة العربي “في السهرات الليلية الرمضانية والتلذذ بمأكولاتها العريقة والتقاط صور السلفي رفقة الأصدقاء تحت ضوء فوانيسها عن زيارة متحف قديم في رحلة مدرسية، فلكأن عدْوى النزعة الإستهلاكية لكل ما عريق جعلت من المدينة العربي أيضا التي تضمُّ حياة أناس وعمال وقصص نضال وتاريخ مرتعا لجنون الإستهلاك في رمضان.

 

 

في شهر رمضان ينفض الجمهور المرتاد للمدينة العتيقة عنها الغبار لمحاكاة الرائج  فيدخلون إليها رفقة هواتفهم الذكية التي باتت مصدر إزعاج لغالبية سكان و تجّار المدينة، ويلتقطون الصور قرب منزل أحدهم وكأنه تحفة فنية، وكأن كل ماهو قديم مجرد أداة مباهاة عابرة نتفاخر بها على مواقع التواصل الإجتماعي، دون اهتمام أصلا بتاريخ تلك المدينة ورمزيتها وبهؤلاء الأشخاص بمنازلهم ومقاهيهم ومتاجرهم. لاننفي طبعا أن هذا الإقبال يقدم النفع لأهالي المدينة في شهر رمضان على المستوى الإقتصادي، إلا إنه انتفاع مصحوب بثقافة الاستهلاك لا بثقافة العودة إلى التاريخ.

 

 

تتغير السلوكات الإستهلاكية حسب كل عصر ويبدو أنها وصلت إلى قمة سلبيتها في عصر الحالي، إما بسبب ثورة المتغيرات أو الإنتاجية الكبيرة، أو لأن السلوك الإستهلاكي يروم إلى إخفاء شيء معين في الأنفس كالمستوى المالي أو التعليمي والثقافي.

وبناءً عليه يبدو خيار العودة إلى “الدنڨري” لدى الغالبية خيارا عشوائياً، قائما على ما يمليه ذوق المصمم والإعلان بصفة عامة الذي يقدّم عبر التلفاز أو عبر تسوبق الفنانين والمشاهير لبعض المنتوجات على حساباتهم الخاصة في مواقع التواصل الإجتماعي. فلا خيار لنا كمستهلكين في اختيار ملابسنا أو الأماكن التي نرتادها كالأماكن الموسمية في شهر رمضان، الكل يتابع الآخر على الأنستغرام أو الفايسبوك حتى يعلم أين أمضى ليلته ليبادر بالذهاب لنفس المكان…

 

 

في كثير من الأحيان نستهلك ما نستهلكه لا لتلبية حاجة خاصة، بل لأن الآخر قام بنفس الأمر.. ثم إن كثيراً من المستهلكين تستهويهم وتثير أحاسيسهم الاستهلاكية عقدة الندرة، فكل شيء نادر، يتسابق الناس لاختطافه من الأسواق..

فهل هذا ماسيحدث مع الدنقري؟ هل سيأفل نجمه عندما يغدو متاحا للجميع فنعود للعزوف عنه؟

نأمل أن لا يحدث هذا، فسيكون من الجميل حقا أن نرتدي ما نريد وما يعكس شخصياتنا، لا سيما إن كان اللباس بحميمية وخصوصية الدنقري.

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.