دين وحياةغير مصنف

الحافظ خليل إسماعيل: “عبقريّ التلاوة على المقامات العراقيّة”‎

سلسلة أشهر المرتلين

 

اشتهرت مدرسة التلاوة المصريّة في مختلف أنحاء العالم، وبرز منهم قرّاء كثيرون ومنشدون ومبتهلون قديرون تربّت على أصواتهم أجيال كثيرة في العالم العربي والإسلامي، كالشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمّد صدّيق المنشاوي، إلخ… إلّا أنّ مدرسة التجويد المصريّة حجبت مدارس أخرى ومرتّلين آخرين كبار في العالم الإسلامي تميّزوا بقراءة القرآن حسب المقامات الموسيقيّة الخاصّة بهم… ومن هذه المدارس، مدرسة التجويد العراقيّة. وعندما نذكر فنّ التجويد في العراق، نجد أنفسنا أمام علّامتها الأبرز، الشيخ الحافظ خليل إسماعيل، أحد رموز الهويّة العراقيّة المعاصرة.

 

وُلِد الشيخ المقرئ خليل إسماعيل في عام 1920 بالعاصمة العراقيّة بغداد. وقد وجد طريقه إلى التلاوة بتشجيعٍ من عائلته الّتي كان معظم أفرادها حفظة للقرآن ومجوّدين له.

تتلمذ منذ نعومة أظفاره، على يد كبار القرّاء في بغداد آنذاك، مثل الشيخ محّد ذويب والشيخ جاسم سلامة والشيخ إبراهيم العلي، إلخ… فأتقن مبكّرًا علوم التلاوة والتجويد، وتأثّر خاصّة بأسلوب الشيخ جاسم سلامة الّذي تتلمذ على يديْه جيل كامل من قرّاء العراق.

في سنة 1941، تقدّم الشيخ خليل إسماعيل بطلب للإذاعة العراقيّة كيْ يكون مقرئًا فيها، فقُوبِل طلبه بالإيجاب بعد أن اجتاز امتحان الترشّح بنجاح، وكانت أوّل تلاوة له في الإذاعة في 11 سبتمبر 1941.

وجد الشيخ خليل إسماعيل منذ هذا التاريخ طريقه إلى قلوب العراقيّين، حيث مكّنته الإذاعة من إيصال صوته سريعًا لجمهور الإذاعة الغفير في تلك الفترة.

ونظرًا لإمكانيّاته العظيمة في فنّ التلاوة وتمكّنه الشديد من تأدية المقامات الموسيقيّة ومساحة صوته الشاسعة، نجح في أن يصبح نجمًا جماهيريًّا في العراق وظاهرة فريدة في عالم التلاوة وعلامة مميّزة للإذاعة العراقيّة آنذاك، وهو ما جعل تسجيلاته الصوتيّة تشهد إقبالًا كبيرًا عليها في محلّات بيع الاسطوانات.

 

 

وقد تميّز الحافظ خليل إسماعيل بترتيله القرآن على المقامات الشرقيّة المعهودة، كمقام الصبا ومقام الراست ومقام الحجاز والنهوند، وعلى فروعها. لكنّ تميّزه هو في أنّه لمْ يُقلّد الشيوخ الكبار لمدرسة التجويد المصريّة الّتي هيمنت على كلّ المدارس الأخرى، بل اختار أنْ يصبغ تجويده للقرآن بخصوصيّة الموسيقى العراقيّة، وبذلك نهض بمدرسة التجويد العراقيّة وجعلها تزاحم دولة التلاوة المصريّة، فرتّل القرآان على مقامات عراقيّة كثيرة مثل مقام الخلوتي ومقام الجبوري ومقام المخالف ومقام الدشت ومقام الأوشار ومقام اللّامي ومقام الماهوري ومقام الكلكلي، إلخ…

 

 

وبهذا النهج الّذي سلكه الحافظ خليل إسماعيل، أسّس مدرسة متفرّدة في عالم التلاوة، المدرسة الخليليّة الّتي قدّمت إضافة كبيرة لمدرسة التلاوة العراقيّة في القرن العشرين، بانفتاحها واستفادتها من بقيّة المدارس في التلاوة، وخاصّة المدرسة المصريّة مع تأصّلها في التربة العراقيّة الغنيّة بأنماط موسيقيّة نابعة من روافد حضاريّة وثقافيّة متعدّدة، ويُمكن القول بأنّ الحافظ خليل إسماعيل يُعتَبر مرجعًا في المقامات العراقيّة القديمة شأنه في ذلك شأن كبار الفنّانين كناظم الغزالي ومحمّد القبنجي ومحيي الدين حيدر، إلخ…

 

 

وقد أثار هذا القارئ القدير إعجاب قرّاء كثيرين وبالأخصّ القرّاء المصريّين الكبار، إذْ وجدوا فيه نموذجًا مختلفًا عن الّذين عهدوه، نموذجًا يضاهي أسلوب المدرسة المصريّة الّذي يتميّز بالتجويد المقامي الباهر للقرآن وطول النفس وعذوبة الأصوات؛ وهو ما كان يميّز أسلوب الحافظ خليل إسماعيل بل ويتجاوزه إلى الأداء على مقامات محلّية عراقيّة ومقامات مهجورة في الموسيقى العربيّة.

ومن القرّاء الكبار الّذين قرأ إلى جانبهم الشيخ خليل إسماعيل في مناسبات عديدة، نجد الشيخ عبد الفتّاح الشعشاعي أحد روّاد مدرسة التجويد المصريّة الّذي وصفه بأنّه “وتر الكمان”، وقال عنه: “إنّي لمْ أطربْ ولمْ أكنْ أسمعْ مثل الحافظ خليل”. كما قرأ الشيخ خليل إسماعيل إلى جانب الشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ محمّد صدّيق المنشاوي والشيخ محمود خليل الحصري، وقدْ كانوا يعتبرونه قارئًا لا تجوز مقارنته ببقيّة القرّاء لتفرّد أسلوبه وعلمه الموسوعي بالموسيقى العربيّة. فهو من أعظم الأصوات الّتي جوّدت القرآن في ذلك العصر، وذلك لقدرته على الانتقال النغمي بسلاسة ولمساحة صوته الشاسعة، فإن كان أغلب القرّاء الكبار يعوّلون على تمكّنهم من الجواب وجواب الجواب، فقد كان صوت الحافظ خليل إسماعيل يتميّز إضافة إلى ذلك بقراره المتين، وهذا ما يساعده في النقلات النغميّة الصعبة.

 

 

ولعلّ شهادة أحد أهمّ عازفي آلة الكمان العرب في القرن العشرين، سمير الشوّا، لدليل واضح على هذه المقدرة العظيمة للشيخ خليل إسماعيل، إذ قال له عند لقائه به: “أنت التراث وتراثكم في التلاوات هو الأصل، ولقد زرتُ عدّة أقطار ولم أسمع بمثل هذا التراث العظيم”.

ويقول عنه الموسيقار العراقي محمّد القبنجي أيضًا: “إنّ في صوته سحرًا عجيبًا، وهو مقرئ العراق الأوّل دون منازع، فإن كنّا نحن جميعًا أذلاّء بيد المقام العراقي، فالمقام ذليل بيد الحافظ خليل إسماعيل”. وقد أطلق عليْه محمّد القبنجي لقب “بستان الأنغام العراقيّة”، لأنّه كان يقرأ على أصعب المقامات العراقيّة وأكثرها تعقيدًا بإتقان ودقّة لا متناهييْن.

هذا هو الشيخ خليل إسماعيل الّذي بقِيَ قارئ العراقيّين الأوّل رغم اختلاف طوائفهم وإيديولوجيّاتهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم السيّاسيّة، إنّه صوت مشترك بين العراقيّين جميعهم، يحمل في ذبذباته صورًا من طفولتهم، صورًا للشمس وهي تغيب خلف الجبال ورائحة موائد الإفطار في رمضان والنغم العراقيّ الأصيل ولغة القرآن الساحرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد