مجتمعالرئيسيغير مصنف

أَََصْبَطَةْ المدينة العتيقة بتونس: سحر الخرافات ووجع التاريخ

 

يتميّز معمار المدينة العتيقة في تونس بالأصالة والتفرُّد لتشكّله أولا بطريقة تجعل من المدينة نظيفة على الدوام، إذ تقع الأسواق النظيفة (الذهب، الحرير، العطر والورد) في المحيط المباشر لجامع الزيتونة، في حين  تبعد عنه الأسواق الملوثة.

وبهذه الطريقة ترمى الأوساخ بسهولة خارج المدينة،ولاحتوائه ثانيا على عناصر معمارية في غاية الطرافة والجمال،فقد تزينت أزقّة المدينة العتيقة منذ قرون عدة بغرف علوية صغيرة مبنية فوق الطرقات فكانت تقدم استراحة ظل للعابرين في يوم قيظ وتبث البهجة والعطر بنوافذها المرصعة بالياسمين والورد .

وقد أطلق التونسيون على هذه الغرف التي تتسقّف الشوراع الضيقة اسم” الصبّاط” ولهذه “الأصبطة” تاريخ وقصص وأساطير عديدة، فكل “صبّاط “يروي لنا حكاية تغوص بنا في سحر المدينة وأسرارها و حتى أوجاعها …

 

الصبّاط و تاريخه

 تحدّث الباحث التونسي في التراث عبد السّتار عمامو عن موضوع  “الأصْبطَة” في تونس في غدّة مداخلات تلفزية وصحافية،  وحسب اعتقاده فإن كلمة “الصّباط” هي كلمة أندلسية الأصل، أطلقها سكان الشمال التونسي على الطرقات المَسْقوفة.

أما الهدف من بناء هذه الغرف، على حد تعبير الباحث، فقد كان بالأساس بقصد تمكّن العائلات ميسورة الحال من توسعة المنازل وبناء غرف إضافية فيها ويعود تاريخ “الأصبطة” إلى أواخر العهد الحفصي (627-982هـ |1228 – 1573م) وقد دُمّر الكثير منها خلال الحروب،ظلّ منها حوالي ألف “صبّاط” حاليا يحتاج أغلبها إلى الترميم و الصيانة.

يفسّر الباحث كذلك أن عملية بناء “الأصْبطَة” لم تكن عشوائية، بل كانت تخضع لقوانين منها: الحصول على ترخيص بناء من طرف “قاضي الحسبة” ودفع ضريبة مقابل استعمال الجزء الهوائي من الزقاق ويشاع أنه عادة ما كان يقاس ارتفاع بناء الصبّاط  بارتفاع يمكن أن يمرّ عبره جملُ.

و توجد هذه الغرف أيضا في الجنوب الغربي التونسي، لا سيما في نفطة (جنوب غرب تونس)، لكن تحت مسمى وهو “البرطال” وجمعها “براطل”،وغالبا ما تحتضن المجالس الأدبية.

 

 

المعمار أيضا يصنع الحكايات 

وفق عبد الستار عمامو، ارتبطت بعض “الأصبطة” بأحداث سياسية، مثل “الصبّاط” الموجود في المقر الحالي لقصر الحكومة، والمُطل على “سوق الباي”.

فقد كان أحد البايات يجلس به في كل ليلة 27 من شهر رمضان ويطل من نافذة الغرفة التي تغطي الطريق، ليرد التحية على المارة من الأعيان الذين يعبرون من أمام منزله لرؤيته وإلقاء السلام، وكان الأمر عادة تتالى كل شهر رمضان.

و من “الأصبطة” أيضا التي ارتطبت بالأحداث السياسية نجد “صبّاط السّيارة” في نهج “بير الأحجار” بالمدينة العتيقة، والذّي هرب عبره علي باشا المتمرد على عمه حسين باي بن علي عام 1735، وقد استغل هذا “الصبّاط” لمراقبة الطريق قبل الهروب قصد الإختباء في جبل “وسلات” وسط البلاد.

ويضيف عمامو أن من “الأصبطة” ما ارتبط أيضا بالروحانيات،كـ “صباط المحاسنة”، الذي يتبع منزل “آل محسن”، وهم سادة أشراف من أحفاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا أئمة لجامع الزيتونة يحبهم الناس ويتبرّكون بهم فكانوا يكثرون المرور بصبّاط بيتهم.

 

ظلام الأصبطة 

 

صباط العروسة 

يَعرف أغلب سكان المدينة العتيقة قصة “صبّاط العروسة” فيتشاءمون من المرور عبر زقاقه.

فقد ارتبط هذا “الصبّاط “  بخرافة شهيرة مرّدها أن عروسا لم تكن راغبة في الزواج بالرجل الذي اختاره لها أهلها ابتلعها الظلام ليلة عرسها أثناء مرور عربتها رفقة أهلها من تحت هذا الصبّاط المظلم. وعند خروج أهلها من الزقاق لم تخرج منه هي ولم يبق منها سوى حذاؤها مرميا على القاع.. وادعى النّاس حينها أن “الجن” هو من اختطفها، فيما رجج البعض أن تكون هربت رفقة حبيبها وخوفا من الفضيحة اختلقت عائلتها هذه القصة التي مال الناس إلى تصديقها في ذلك الوقت.

كثرت الإشاعات حول صبّاط العروسة وأصبح الناس يحذّرون أطفالهم من اللعب في زقاق “الصبّاط ” وابتدعوا في ذلك الوقت قصصا كثيرة، كسماعهم صراخ العروس في الليل قادما من المكان الذي اختفت فيه وإدّعاء أن من يضحك بصوت عال أثناء المرور بالصبّاط ستكون عاقبته انتقام العروس الضائعة منه وابتلاع الظلام له.

 

 

صبّاط الظلام 

كانت “شعبة الديورات”، التي تضم كل من سعيد كعبورة وعَلي ورق و الطيب السحباني، تجلب طلبة الزيتونة المنتمين للحركة اليوسفية إلى بيت قديم بنهج الباشا في المدينة يقع تحت صبّاط مظلم وتخضعهم إلى عمليات تعذيب وحشية يزعم البعض أن كثيرا منهم مات بسببها.

وقد سُميّ هذا المكان بصبّاط الضلام، ربما لظلامه الدامس وربّما للمظالم الإنسانية التي وقعت في قبوه، فارتبط صبّاط الظلام بذكرى موحشة لا يرغب التونسيون في استحضارها، كما يتجنبون المرور عبره بسبب كل تلك الأهوال المفزعة التي يرويها المكان.

وتأكيدا لهذه الحادثة فقد أقر أحد المشرفين عن عملية التعذيب، أحمد بن محمد بن مبارك بن نصير، في معرض شهادته التاريخية على منبر مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات أنه لم يتم قتل المعارضين في صباط الظلام، واقتصر الأمر على تعذيبهم قائلا: “أتحدّى أيّا كان من السياسيين والمؤرخين أنّ يقدّموا اسما وحيدا لشخص تمّ قتله في صباط الظلام”

 ولكنه أعترف في نفس الوقت أنه كان من الأشخاص الذين عذبوا اليوسفيين مبررا ذلك بقوله: “هم كذلك حاولوا قتلي… وخططوا 10 مرات لاغتيالي… وحسن العيادي كذلك أعطى تعليماته باغتيالي لأنني بعت أسراره! وخنت أمانته… وله الحق في ذلك!”

 

 

ساهم الاكتظاظ السكاني الموجود داخل أسوار المدينة ورغبة الآباء في أن لايهجرهم أبناؤهم، إضافة إلى طبيعة اللحمة الموجودة بين الأهالي أنذاك، في بناء مئات “الأصبطة”، فكان كل جار بعد أن يأخذ الإذن من جاره يشرع في بناء الصباط فيلتصق حجر البيتين معا ويوفران سقفا مزينّا بفسيفساء جميلة، فيظلل على الناس في أيام الصيف و يحميهم من المطر أيام الشتاء.

وبالرغم من تخويف الجدات للأطفال من “صبّاط العروسة” وتحرّج التونسيين من ذكر حادثة “صبّاط الظلام” فقد كان “صبّاط العروسة” معقل الخيال و المغامرات للأطفال أثناء لعبهم ولا يزال “صبّاط ظلام” دليلا حيا يستشهد به المؤرخون والباحثون عن تاريخ التعذيب وفظاعاته في تونس.

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد