مجتمعغير مصنف

القيروان: جامع عقبة بن نافع قطب الاحتفالات الدينية في شهر رمضان

ناجح الزغدودي- القيروان- مجلة ميم

 

 

مع إطلاق 3  طلقات من مدفع رمضان من أعلى البريجة المحاذية لجامع عقبة بن نافع (أسس في 50 هجري) بمحافظة القيروان (وسط تونس)، إيذانا بدخول شهر رمضان يسارع المئات من مدينة القيروان وخارجها الى زيارة المعالم الدينية العتيقة بالمنطقة، مثل جامع ثلاثة أبواب (شيد في القرن التاسع هجري) وجامع الزيتونة وجامع مقام ابي زمعة البلوي (أحدث في العهد الحسيني في القرن 18 هجري)، وغيرها من المساجد العتيقة التي تشد اليها الرحال في شهر رمضان، بفضل قيمتها المعمارية ورمزيتها الحضارية. فيحجزون أماكنهم لصلاة التراويح طيلة ليالي شهر رمضان، متعرضين لنفحات الشهر الكريم وأجوائه في رحاب المعالم الدينية العتيقة.

 

وتجذب التفاصيل التراثية والعادات المتواصلة الزوار الى مدينة الأغالبة التي تحافظ على عدة عادات قديمة في شهر رمضان مثل “مدفع رمضان”.

 

مدفع القيروان

 

والمدفع في القيروان ليس مدفعا عثمانيا مثل المدافع المتمترسة عند مداخل المدينة على هيئة حارسة للمدينة، كما كانت في العهد العثماني الذي ترك بصمته المعمارية والحضارية والثقافية في القيروان. المدفع الذي ورث إطلاقه عادل (51 عاما) عن والده عبد الوهاب خليف، هو عبارة عن كبسولة من البارود يضعها في ماسورة عميقة في أعلى البريجة من فوق البرج الغربي لسور المدينة العتيقة (بريجة السيوري)، ويشعل فتيلها كعادة والده منذ سنوات.

يسمع المدفع على مسافة 25 كلم ويبلغ وميضه أحواز المدينة. ويتكرر المدفع عند الامساك في إيقاع زمني يعطي الصائم شعورا بتواصل أثر العادات التاريخية وعظمة الأجداد في تحقيق انتصاراتهم يعبر عنها بإطلاق المدافع. وعلى ايقاعه يبدأ ايقاع الافطار مساء ويتوقف فجرا في إيقاع يتواصل طيلة شهر رمضان.

القيروان تمسكت بهذه العادة رغم قرار منعها سنة 2010 بقرار حكومي، وهي من بين الجهات القليلة التي حافظت على المدفع بفضل تمسك أهالي المدينة به، وتأكيدهم بانهم لا يستشعرون نفحات شهر الصيام وأجوائه الروحية ونكهته الطيبة سوى بتفاصيله القديمة ومنها المدفع وجملة من العادات الأخرى، مثل الخبز القيرواني الذي تعده مخابز عتيقة، والحلويات التقليدية وأشهرها المقروض، والجوانب الدينية التي تزدهر في مساجد القيروان العتيقة.

كما يتسابقون إلى صعود مئذنة جامع وهي أعلى مئذنة بين 395 مسجدا وجامع في القيروان وأعتقها لتأمل مشهد المدينة العتيقة ومآذنها وسحر معمارها خصوصا مشهد انكسار اشعة شمس الغروب على منحنيات قبابها الشبيهة بدورها بقرص الشمس.

تنتخب هيئة الاشراف على جامع عقبة بن نافع في شهر رمضان افضل القراء وحفظة القران الكريم ليؤموا المصلين في صلاة التراويح (20 ركعة بعد صلاة العشاء في جامع عقبة) يتم تقسيمها أورادا بين أئمة معظمهم من الشبان الفائزين بجوائز وطنية ودولية في حفظ وتجويد القران الكريم ومنهم خريجو الجمعية القرآنية بمدينة القيروان.

 

 

عاصمة المآذن والأولياء

إلى جانب توافد أهالي مدينة القيروان وسكان المعتمديات المجاورة على جامع عقبة، تقرر عديد العائلات التونسية القدوم إلى الجامع في عديد ليالي شهر رمضان، وخصوصا المناسبات الدينية مثل ليلة النصف وليلة 17 رمضان وليلة 27 المعروفة بليلة القدر.

كما يقومون بزيارة المدينة العتيقة وأسواقها ومعروضاتها الحرفية التقليدية من نسيج وجلد ونحاس ويقتون منها ومن حلويات المقروض التقليدي. وتتوزع اقامتهم بين نزل المدينة وعائلات اقاربهم، في حين تختار بعض الأسر اكتراء منازل مؤثثة لقضاء العشر الأواخر من رمضان بتخصيص النهار للتسوق والليل للصلاة بالجامع والتهجد إلى الفجر.

 

جامع عقبة: جاذبية روحية وسحر معماري

تتعدد مظاهر الاحتفاء الديني في جامع عقبة من خلال مسامرات دينية وحلقات حديث وفقه وتلاوة للقرآن الكريم وحفلات توزيع الجوائز على الفائزين في مسابقات حفظ القرآن الكريم وتجويده من بين الكتاتيب التي تشرف عليها وزارة الشؤون الدينية وفروع الجمعية القرآنية التابعة لرابطة القران الكريم. فتكون الجوائز بمثابة شهائد تخرج من الجمعية مرفوقة بقيمة مالية محترمة يتسابق مواطنون إلى التربع عليها تقديرا لحفظة كتاب الله. ومنهم من يتم تقديمه ليصبح إماما للناس في صلاة التراويح بأحد مساجد القيروان التي تعرف بأنها مدينة المائة مئذنة.

يختار معظم المصلين مكانهم وسط صحن الجامع، ومنهم من يختار موضعا في الأروقة التي كانت على مرّ العصور أماكن لحلقات العلم والفقه قبل أن يوحدها الامام سحنون في حلقة علم واحدة على المذهب المالكي (776م – 854م).

وتبقى “بيت الصلاة” الضخمة الفخمة التي ترفعها أعمدة من الرخام البيزنطي الموضوع بدقة هندسية وعناية فنيّة مبهرة، خالية من المصلين بعد خروج الأئمة وإتمام درس الفقه على عادة شيخ المدينة المرحوم عبد الرحمان خليف، علامة القيروان وإمام جامع عقبة ومؤسس الجمعية القرآنية خلال السبعينات.

 

 

لا يكاد صوت الأذان يصدح من أضخم مئذنة من بين 365 مسجد وجامع في القيروان، حتى يكتمل رصّ الصفوف استجابة لنداء الإمام لاقامة صلاة العشاء. فيتبع المئات حركاته سجودا وركوعا ودعاء وتسليما ثم بعده تبدأ صلاة التراويح.

عدد قليل جدا من بين الآلاف التي جاءت الى جامع عقبة من يغادر قبل بدء صلاة التراويح. فالذين جاؤوا من بعيد على متن سيارات اكتظت بها مواقف السيارات المحيطة بالجامع الأعظم، لا يسعهم المغادرة قبل أداء صلاة التراويح خلف أئمة يتلون القرآن الكريم بقراءات تجمع بين عذوبة الصوت والخشوع على مقامات تشنف الاسماع وترق لها القلوب خشوعا. ويتحمل شق كبير منهم مشقة أداء 20 ركعة على عادة جامع عقبة منذ زمن، إلا من اختار الاقتصار على عدد زوجي منها. وتدوم مدة صلاة التراويح لمدة ساعة ونصف يتم خلالها قراءة حزبين ونصف من بين ال60 حزب.

 

 

يؤم المصلين 3 قراء يتناوبون بشكل دوري على الإمامة. وتنتهي الصلاة بالدعاء. تشتهر القيروان في القراءات عند الصلاة برواية قالون عن نافع. يتم تحفيظها في الكتاتيب والمدارس القرآنية وهي الأكثر شيوعا.

وقال شيخ جامع عقبة بن نافع الطيب الغزي لمجلة ميم، إن رواية قالون هي “الشهيرة في القيروان ونحن نعتز بها ويكفي فخرا أنها تعود الى نافع قارى المدينة. وقال ان القيروان تحصي أكثر من 300 حافظ للقرآن الكريم بقواعده من الشباب والكهول مؤكدا ان جامع عقبة بن نافع بقي في منأى من التجاذبات السياسية والفكرية وسدا منيعا ضد التطرف وايضا ضد مظاهر الاخلال بالاخلاق.

القراء الذين يؤمون الناس معظمهم من الشباب، حفظوا القرآن عن مؤدبين ومدرسين خارج الجامع بدار القرآن.

وتمتاز القيروان ب”تقديم حفاظ القرآن في المحاريب دون سواهم”، حيث لا يعتمد الإمام على القراءة من المصحف وإنما على حفظه عن ظهر قلب من خلفه المصححون. وهذه ميزة جميع مساجد القيروان.

 

شبان في محراب جامع عقبة

رشيد العلاني، (22 سنة)، أحد القراء الذين يؤمون المصلين في جامع عقبة منذ سنوات. حفظ القرآن في سن 17 سنة عن الشيخ المكي بكّار (دعا له بالخير). وقال إن هناك أجواء روحانية كبيرة في صلاة التراويح بجامع عقبة. وقال إنه حصل على فرصة الإمام كشاب داعيا الشباب الى النسج على منواله.

 

رشيد العلاني

 

حاز رشيد (خريج المعهد الاعلى للخطابة) على عديد الجوائز في حفز القران الكريم دوليا ووطنيا. منها حصوله على الجائزة الثالثة في مسابقة الكويت الدولية في حفظ القرآن الكريم والجائزة الثالثة في مسابقة دبي العالمية للقرآن الكريم  سنة 2017 فتضاف الى رصيده العالمي في مسابقات حفظ القرآن الكريم وتعزز مسيرته في نشر قيم الاسلام السمحة ومعاني الاعتدال التي يحض عليها القرآن الكريم ويجهلها الكثير من الشباب. وهي الرسالة التي يجتهد رشيد لإيصالها الى ابناء جيله وأيضا إلى الأجيال اللاحقة بهدف الحد من موجة الكراهية والعنف والتطرف المتفشية في العالم باسم الدين، علاوة عن مشاركتهم تجربته الفكرية ومسيرة النجاح المتوجة بجوائز عالمية قصد التحفيز ونقل التجربة الناجحة.

كما حصل العام الفارط على الجائزة العالمية الاولى في حفظ القرآن الكريم في المسابقة العالمية التي نظمتها وزارة الشؤون الدينية نهاية شهر افريل 2017 وحاز قبلها على الجائزة الثالثة في مسابقة المغرب الاقصى (2016)، فضلا عن استفادته بالمشاركة في مسابقات مماثلة في تركيا والبحرين (2015) من الترحال والتعرف الى عالم جديد وأصدقاء جدد ومتسابقين وتبادل الافكار والتجارب.

“سعيد بحصولي على جوائز في مسابقات دولية وتجاربها الثرية المفيدة له في حياته الدراسية والشخصية”، يقول رشيد مؤكدا ان هذا بفضل القران الذي حفظه وابدع في حفظه.

بدأت مسيرة رشيد طفلا في حفظ القرآن الكريم بمعية والده (عبد الرحمان العلاني) منذ الخامسة من عمره  ثم تدرج في الحفظ  الى أن أتم حفظ كامل المصحف. ساعده الى جانب والده، معلمه المكي بكار (توفي منذ اشهر)الذي كان يحفزهم على طلب العلم والحفظ ويخصص لهم الجوائز للتشجيع.

من خلال تجربته الاجتماعية كشاب يواجه واقعا محفوفا بالمخاطر، يرى رشيد أن القرآن الكريم وقاه من الانحرافات السلوكية السائدة، كما جنبه التطرف والتشبث بالرأي وحفزه على الحوار مع الآخر باعتماد قيم التسامح والعفو وقبول الآخر وتكريس حق الاختلاف وجعله بحسن التواصل مع الجميع.

“ويقول الشاب: “معاني القرآن الكريم تجعل الانسان معتدلا في سلوكه وفكره” مضيفا “سأعمل على ايصال هذه المعاني الايجابية ورسالة الانسانية والتسامح الى الاجيال القادمة عبر توعية الاطفال والشباب”.

حصل رشيد رغم صغر سنه على ترخيص حكومي لتقديم حلقة املاء وتقديم دروس علمية بأحد المساجد الكبرى بمدينة القيروان، كما يؤم الناس في صلاة التراويح في شهر رمضان.

 

 

ويقول انه يحرص من خلال حلقة الاملاء والدروس الفقهية التي ينشطها، على تقديم النصيحة الحسنة التي يحتاجها فئة كبيرة من الشباب اليوم ومن بينها حثهم على التسامح والاعتدال.

خلال ليالي شهر رمضان، الذي يتزامن مع فصل الصيف، تسهر  مدينة القيروان حتى مطلع الفجر في أجواء ليليّة فريدة وتتوزع العائلات  بين المساجد والمقاهي والنشاط التجاري والتزاور واعداد الحلويات المنزلية. في حين يواصل بعض الطلبة مراجعة امتحانات الباكالوريا وسط حالة استنفار عائلي (6464 مترشح ما يعني 6 الاف عائلة).

رغم تواصل التمديد لحالة الطوارئ فليس لها أي تأثير في خروج الناس الى الشوارع فرادى وجماعات. ولم تؤثر بشكل واضح في الأجواء الإحتفاليّة والتظاهرات الدينية والعادات الاجتماعيّة وحفلات الختان والحركية التجارية والمنتظمة والعشوائية على سور المدينة العتيقة.

يتحول جامع عقبة بن نافع، الى ضابط نبض إيقاع الحياة في رمضان ومركز الحركية الليلية. إذ شهد محيط الجامع نشاط الشبان رواد المقاهي الشبابية التي أصبحت تحيط بجامع عقبة. وتترواح الحركية بين التناغم  والتصادم والرفض نظرا لما يشهده محيط الجامع من سلوكات ليليلة شبابية يعتبر البعض أنها تتنافى مع الفضاء الديني والأجواء، خاصة وأن معظم المتواجدين من المراهقين الذين تنحرف ببعضهم السلوكات ويتحول تواجدهم الى مشكل تطلب مرارا تدخل الجهات الأمنية، في حين تعتبر بعض المنظمات والجهات ان تواجدهم امر صحي يعبر عن الحرية الشخصية وعدم احتكار الفضاء العام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد