الرئيسيثقافةغير مصنف

الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي:  لذة النص

خديجة بن صالح- مجلة ميم

 

تحفل الحضارة العربية الإسلامية بموروث ثقافي  يتوزع ما بين التراث المادي  المتمثل في فن العمارة والمخطوطات  والآثار وغيرها من الشواهد على العمق الحضاري والتاريخي أما التراث اللامادي فيتمثل في الإرث في العادات والتقاليد والفنون والآداب.

 

ولأن العرب هم أمة كتاب فإننا نتوقف عند الموروث الأدبي الذي تناقلته الأجيال عبر القرون والذي يتراوح بين الشعر والنثر، وفي هذا المجال يمكن القول إن العرب قدموا للحضارة الإنسانية ازهى أمجادها في هذا المجال في العصر الذهبي لحضارتهم.

ومن الدرر الأدبية التي خلفها لنا أسلافنا نتوقف عند كتاب “الإمتاع والمؤانسة” لصاحبه أبي حيان التوحيدي وهو احد المصادر المهمة في التاريخ العربي الإسلامي.

 

 

ولهذا الكتاب قصة لابد من سردها قبل تصفحه نظرا لأهميتها في فهم مضمونه.

يروى في السير أن ابا الوفاء المهندس كان صديقا لأبي حيان التوحيدي وفي الوقت نفسه تجمعه صداقه بالوزير أبي عبد الله العارض فقرب الأول من الأخير عبر مدحه والثناء عليه والإطناب في ذكر خصاله لديه. وهو ما شجع الوزير على اتخاذ أبي حيان سميرا له وجليسا مقربا واستمتع الوزير بمجالسة التوحيدي التي امتدت 37 ليلة استغلها الوزير لطرح أسئلة تمس مشارب مختلفة من شؤون الحياة وكان سميره يجيبه عليها بكل رحابة صدر

وحاول المهندس أن يتلصص على جلسات المسامرة التي كانت تتم بين الوزير والتوحيدي مدفوعا بالفضول والرغبة في معرفة ما يدور بين الرجلين في مجلسهما المغلق. فطلب من  صديقه أبي حيان أن يقص عليه ما دار بينه وبين أبي عبد الله العارض فاستجاب لطلبه ولكنه فضل انم يكون ذلك في شكل كتاب مدون يتطرق فيه لتفاصيل ما دار بينه وبين الوزير بمنتهى الدقة والتفصيل ومن هنا ولد كتاب الإمتاع والمؤانسة الذي يعد احد أهم ما ورد في المدونة السردية التراثية العربية.

إذن يروي الكتاب  تفاصيل ما جد في جناح الوزير على امتداد سبع وثلاثين ليلة قضاها أبو حيان التوحيدي جليسا له للسمر. وتولى جمعها في ثلاثة أجزاء وأهداها إلى  أبي الوفاء المهندس محمد بن محمد البوزجاني.

 

كتاب الإمتاع والمؤانسة الذي صاغه التوحيدي بأسلوب أدبي ممتع وراق وثيقة تحيلنا على الأفكار والتمثلات التي كانت سائدة لدى النخبة في زمن التوحيدي

 

ويحيل العنوان بشكل دقيق على مضمون الكاتب الذي هو بمثابة نص متين وممتع قسمه صاحبه إلى ليال وفق التقسيم الزمني الحقيقي للإحداث.

وكانت كل ليلة بمثابة باب يدون فيه أبي حيان ما دار بينه وبين جليسه من عذب الكلام ومره ومن الجليل والبسيط من المسائل التي خاض فيها الرجلان في جلستهما المغلقة.

وكان التوحيدي يطرز نصه بكلمات قال لي وقلت له ثم سألني فأجبته قبل أن يخوض في متن نصه الذي جعله متضمنا لحكايات وأقاصيص أحيانا وأفكار ورؤى فلسفية وصوفية أحيانا أخرى.

وكانت المواضيع المطروقة من اختيار وتوجيه الوزير الذي يبدأ جليسه بالسؤال لتوجيه دفة الحديث وينزل التوحيدي عند رغبته.

ومن ميزات هذه المحاورة أنها جعلت تبويب الكتاب طريفا لا يخضع بالضرورة لاتساق المواضيع وترتيبها بشكل نمطي بل جعل خاضعة لعفوية الحديث الذي يدور بين الرجلين والذي يطوف بها في أفاق رحبة فيها مراوحة بين الخيالي والواقعي وبين العقلاني والروحاني وغير ذلك.

 

كان التوحيدي يطرز نصه بكلمات قال لي وقلت له ثم سألني فأجبته قبل أن يخوض في متن نصه الذي جعله متضمنا لحكايات وأقاصيص أحيانا وأفكار ورؤى فلسفية وصوفية أحيانا أخرى

 

وعلى هذا الأساس ضج الكتاب بكل مشارب الفكر والفن والعلم وجاء متنوعا وخصبا وشاملا ففيه مزاوجة بين الأخلاق والمجون وبين الغناء وحديث السياسة وبين الطبيعة والثقافة.

كما تطرق الحديث إلى بعض الشخصيات من المعاصرين لأبي حيان التوحيدي  من فلاسفة وعلماء وأدباء.

وقدم لنا الكتاب أيضا إضاءة عن تقاليد المجالس في ذلك العصر وما يدور فيها من أحاديث التي تحيل على طبيعة العادات والأعراف والثقافة السائدة في زمن أبي حيان التوحيدي.

ويعد كتاب الإمتاع والمؤانسة الذي صاغه التوحيدي بأسلوب أدبي ممتع وراق وثيقة تحيلنا على الأفكار والتمثلات التي كانت سائدة لدى النخبة في زمن التوحيدي.

هذا عن الكتاب أما صاحبه فهو أديب وفيلسوف متصوف من رموز القرن الرابع للهجرة ينتسب إلى بغداد التي ولد بها وعاش فيها جل مراحل حياته وتوفي بشيراز.  وولد التوحيدي عام  922م وتوفي عام 1023 م.

وقد امتاز بامتلاكه لثقافة موسوعية شاملة وواسعة وعميقة إلى جانب توقد الذهن وحدة الذكاء، ولذلك لقب بفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة وتميز إنتاجه بالغزارة والتنوع. وقد ساهم اشتغاله وراق في اطلاعه على الإنتاج الأدبي والعلمي بشكل كبير وذلك ما أسهم في تكوينه.

ومن أهم ما وصلنا من كتاباته نذكر الصداقة والصديق والإشارات الإلهية ثم البصائر والذخائر وأخلاق الوزيرين والهوامل والشوامل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق