منوعات

تونس: مقاهي المدينة العتيقة تتحول إلى “كافيشانطة” في شهر رمضان

رمضان ميم

 

المرابط، الشواشين، مقهى السوق،.. مقاهي المدينة العتيقة التي تفتح أبوابها لتستقبل زوارها الوافدين عليها بكثافة خلال شهر رمضان حيث تزدهر الحركة التجارية.

وفي العشر الأواخر من هذا الشهر يزداد الإقبال فتمتلئ هذه الفضاءات وإذا تجاوزت الساعة العاشرة ليلا فقرار التوجه إليها يحتاج صبرا وعزيمة للانتظار حتى تجد مكانا وقد لا تجده.

 

البداية من باب بحر، إثر موعد الإفطار مباشرة، حتى نضمن مكانا بين الحشود الوافدة وأمامك خيارات متعددة بعضها قد يخيب آمالك بسبب الأسعار التي تضاعفت خلال الشهر الكريم أو خوفا من عدم السماح لك بالبقاء بسبب الحجوزات المسبقة.

 

 

 

“آسف هذا المكان محجوز مسبقا” يستقبل “القهواجي” زبائنه الذين يرغبون في الجلوس في مكان اختاروه بهذه العبارات، دون أن يترك المجال للنقاش.

وإذا لم يعجبك الموقف وعبرت عن ذلك، يدعوك صاحب المقهى إلى مكان آخر بابتسامة مزيفة ليهدئك حتى لا تنتقل العدوى إلى من لحقت بهم دوامة الصمت فسكتوا.

ويعدك أن يجد لك مكانا أفضل وعادة ما يكون في ركن منزوي، الإنارة فيه ضعيفة، تحيط به كوكبة من المدخنين وأحيانا لا توجد فيه طاولة فتحمل كأسك في يدك، لأن قرار الخروج ليس من مصلحتك فقد لا تجد مكانا لتقف فيه خارجا.

شد انتباهي في إحدى المقاهي ردة فعل فتاة تجاه الحجوزات التي لن يتنازل عنها إلا إذا كنت مرفقا بـ5 أصدقاء على الأقل في حين أنها لم تصطحب معها سوى صديقتها الوحيدة.

جلستا في النهاية في مكان لم يعجبهما حتى جاء النادل بابتسامة عريضة “ماذا تطلبن”، التفتت الأولى وقالت “تاي باللوز” بعد أن استفسرت عن طبيعة المشروبات الموجودة. أما الثانية فطلبت شاي النعناع ولكنه أخبرها أنه يباع اجباريا باللوز الذي لا يوجد غيره. فالتفتت إليه بمكر وسألته “هل يوجد شاي بالبندق” أخبرها متحمسا “نعم” فنظرت إليه مبتسمة وقالت ” أحضر لي كأسا باللوز”، امتعض النادل وذهب دون أن يرد بكلمة.

 

 

بعد أخذ ورد كان اللجوء إلى خيمة المقهى الحل الأفضل والأسلم واخترت البقاء فيها على المكان الذي أجبرت على الجلوس فيه دون انتباه مني إلى أنها ستحتضن حفلا صاخبا.

شاب يجلس أمام آلة الأورج ينطلق في العزف ويقوم بآداء الأغاني الشرقية والتونسية بصوت لم يطرب سواه. في الجهة المقابلة للمقهى تجد فضاء آخر بنفس المواصفات تحضر فيه فرقة سلامية، وبين الوتري الراقص والصوفي يجد الحريف نفسه في تناقض بين طبيعة المكان العتيق والكلاسيكي والجانب النمطي الاستهلاكي الذي يحيط به.

فمنذ سنوات تحولت المدينة إلى فضاء للمتعة الاستهلاكية لا غير، حتى أن البعض يقصدها من أجل الرقص على أنغام الدربوكة.

وأضحى “المقهى” الذي نقصده “كافيشانطه” جديدة، فرق وآلات موسيقية، مكبرات صوت، رقص، أصوات عالية وضجيج يصم الآذان أو هو كما يسميه التونسيون أشبه “بالعرس فوق السطح”.

 

 

يقول لنا لسعد، أحد الحرفاء الذين لا يتخلفون عن مقاهي المدينة في رمضان إن المكان فقدت طابعه وقيمته بسبب غلائه المشط وقلة احترام الحريف الذي يقصده للسكينة.

ولكنه وغيره من التونسيين لا يغيبون عنها باعتبارها أضحت عادتهم طيلة هذا الشهر، خاصة أنها وفق رأي “لسعد” تبقى أفضل من الفضاءات المرتكزة خارج أسوار المدينة.

مع منتصف الليل، تعد محاولات الخروج من بين الحشود الراقصة مهمة صعبة، وكل ما تقدمت أكثر في طريقك إلا والتقيت الجموع الراقصة على صوت الطبلة.

يبدو أن المدينة العتيقة، قد فقدت طابعها القيمي حيث رقص زوارها على ذاكرتها واستورد لها أصحاب المحلات التجارية النمط الاستهلاكي وأينما تولي وجهك ثمة بناء قديم فقد روحه.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد