مدوناتالرئيسي

الشباب المغاربي والحلم القاتل

يقف خلف موجات الهجرة المتدفقة من دول المغرب العربي ما يمكن تسميته بالحلم القاتل، أي توهم أن مجرد العبور الى الضفة الأخرى من المتوسط يعني بلوغ الرفاه والرخاء والثروة

 

قبل أيام قليلة غرقت مركبة في سواحل جزيرة قرقنة بالجنوب التونسي تضم مهاجرين تونسيين وأفارقة، وأودت بحياة عشرات الشباب في عرض البحر.

 

لا شك أن الهجرة التي باتت تجتذب عددا واسعا من شباب المغرب العربي ظاهرة مركبة ومتعددة الأسباب والأوجه، بيد أنه من التبسيط المخل إرجاعها الى دواع اقتصادية واجتماعية بحتة.

 

فالجيل الجديد من الشباب المهاجر ليس أشد فقرا واحتياجا من الآباء الذين لم تستهوهم الهجرة ومغادرة الوطن. كما أن الكثير من الذين يمتطون زوارق الموت ليسوا في وضع العوز والحاجة الملحة، فمنهم من ينحدر من عائلات متوسطة وبعضهم يحمل تكوينا جامعيا أصلا.

 

بينما كان مفهوم الحاجة الضرورية عند جيل الآباء والأجداد يقتصر على توفير مواد الغذاء الاساسية والكساء والمسكن البسيط، أي توفير ضروريات العيش ولو في حدها الأدنى، فإن ضرورات الحياة عند الجيل الجديد تعني البيت المريح والسيارة والوظيفة القارة، مما يعني تغيرا كاملا في سلم المقاييس ومعنى الحياة بين الأجيال.  

 

واذا لم يكن من المسلّم به أن الشباب المهاجر عبر البحر ليس بالضرورة ممن يقاسي مرارة الفقر المدقع، فما الذي يدفع هؤلاء الى ركوب مخاطر البحر والإقدام على هذه المغامرة التي تنتهي بالكثير منهم غرقى في عرض البحر؟

 

يقف خلف موجات الهجرة المتدفقة من دول المغرب العربي ما يمكن تسميته بالحلم القاتل، أي توهم أن مجرد العبور الى الضفة الأخرى من المتوسط يعني بلوغ الرفاه والرخاء والثروة.

 

هذا الحلم السام بات يشل الطاقة وروح العمل والمثابرة لدى كثير من شباب دول المغرب العربي ويدفع الى العطالة الكاملة وملازمة المقاهي وتبديد الأوقات في انتظار فرصة “الحرقة” الى الحدود الإيطالية او الإسبانية، ومنها التسلل الى بلدان أوروبية أخرى.

 

الواقع عربي وأفريقي.. والحلم أوروبي وأمريكي.. والمسافة بين الخيال والواقع المعيش لا تملك دولنا المنهكة تذليلها

 

وعوض ان تكون الحاجة حافزا لبذل الجهد والعمل ومغالبة ظروف العيش، باتت مبررا للكسل والانصراف عن الجد والكد والسعي لفتح دروب المغامرة والبحث عن الرزق.

 

لا شيء يقنع الشباب بعدم التفكير في الهجرة سوى الحصول على وظيفة قارة في الدولة وراتب ثابت. وبما أن هذه الدولة المثقلة المترهلة بات لديها من الخريجين ما يفيض عن حاجتها أضعاف المرات، ولم تعد قادرة على استيعابهم في الوظيفة العمومية، لم يبق ما يطمح اإيه هؤلاء غير الهجرة الى أوروبا.

 

وإذا تعذر ذلك بالطرق القانونية فلا مناص للشاب من امتطاء قوارب الموت وركوب الامواج المتلاطمة، أملا في بلوغ جنة الرفاه، من دون تفكير جدي في ما ينتظره من قسوة الحياة والعنصرية في مجتمعات مأزومة تشهد صعودا للتيارات اليمينية المعادية للمهاجرين، ناهيك عن احتمالات الإنحراف والتيه في شبكات الجريمة.

 

وقد ساهمت تقنيات التواصل الحديثة في تغذية حلم الهجرة إى العواصم الأوروبية، ومن ثم تعميق الشعور بالغبن والإحتقان لدى قطاعات واسعة من شباب المغرب العربي.

 

وهنا يمكن القول ان هذه الدول تدفع ما يمكن تسميته بضريبة الجغرافيا بإيجابياتها وسلبياتها، أي أن قربها الجغرافي من اوروبا قد جعل حلم الانتقال إلى الضفة الاخرى من البحر يبدو في المتناول، يكاد يراه حالمو الهجرة رأي العين.

 

هذا القرب الجغرافي عمق الهوة بين الواقع وسقف طموحات وتطلعات شباب المغرب العربي، الذي يشاهد الفضائيات والأفلام الغربية ويبحر في عالم الإنترنت ولا يرى مبررا ألا يعيش هو أيضا مثل أقرانه في باريس وروما وبروكسل وغيرها من العواصم الأوروبية، دون تقدير للمسافة الإقتصادية والمالية التي تفصل بين دول الشمال والجنوب.

 

هذه الدول تدفع ما يمكن تسميته بضريبة الجغرافيا بإيجابياتها وسلبياتها، أي أن قربها الجغرافي من اوروبا قد جعل حلم الانتقال إلى الضفة الاخرى من البحر يبدو في المتناول، يكاد يراه حالمو الهجرة رأي العين

 

فالواقع عربي وأفريقي.. والحلم أوروبي وأمريكي.. والمسافة بين الخيال والواقع المعيش لا تملك دولنا المنهكة تذليلها..

 

نحن هنا إزاء شباب ممتلئ بالشعور بالغبن والفقر (وهناك فرق بين الفقر الفعلي والشعور بالفقر) ويمتزج ذلك بمشاعر الإحتقان والغضب التي تغذيها أغاني الراب والموسيقى الشبابية الصاخبة.

 

وقد زادت التقلبات السياسية التي مرت وتمر بها دول المغرب العربي في الترفيع من منسوب التوتر والغضب، بل التمرد على الأوضاع العامة والمؤسسات والمحيط الاجتماعي وكل شيء.

 

نحن إزاء شباب يستنكف من العمل في قطاع الزراعة والبناء والأشغال العامة والخدمات، شباب ممتلئ بالمرارة والغضب، مثل الديناميت المتفجر، لا يرى من خلاص الا في مغامرة الهجرة يحقق بها حلمه في التحرر والثروة.  

 

طبعا، لا يمكن تحميل الشباب مسؤولية أوضاعهم السيئة او إقدامهم على الإنتحار في عرض البحر، فخلف هذه الظاهرة تقف خيارات تنموية خاطئة تراكمت أخلالها لعقود طويلة، ونظام تعليمي مشوه أمسى آلة ضخمة لتخريج العاطلين والغاضبين.

 

كان تركيز التنمية في المركز والشريط الساحلي في بلد مثل تونس، مع نسيان مناطق الظل في الداخل والجنوب، مما غذى عوامل الثورة والتمرد على الحكم، واليوم ها هو يدفع بالشباب المحتقن بإتجاه موجات الهجرة غير الشرعية وشبكات الجريمة وغيرها من المتاهات.

 

ورغم أن انتشار التعليم من المكاسب المهمة لدولة الإستقلال، التي لا يمكن التهوين من شأنها، إلا ان المبالغة في نشر التعليم الجامعي، على حساب التكوين المهني وتوفير التاطير والتاهيل الذي يناسب حاجيات سوق الشعل الداخلية والدولية قد جعل من الجامعات فضاءات لتخريج أنصاف المتعلمين والعاطلين الحانقين.

 

نحن إزاء شباب يستنكف من العمل في قطاع الزراعة والبناء والأشغال العامة والخدمات، شباب ممتلئ بالمرارة والغضب، مثل الديناميت المتفجر، لا يرى من خلاص الا في مغامرة الهجرة يحقق بها حلمه في التحرر والثروة

 

فما الذي يبرر تكديس اعداد هائلة من الطلاب في الجامعات بدل توجيههم الى ما ينفع، ليكونوا تقنيين وحرفيين ومهنيين وصناعا مدرّبين يشتغلون بايديهم؟!

 

وإذا كانت الدول الأوروبية نفسها، وخصوصا في جنوب المتوسط، مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان وحتى فرنسا، تشكو من إرتفاع نسب البطالة، وحتى الهجرة بإتجاه الشمال الأوروبي، فما بالك ببلاد مثل تونس أو المغرب اللتين تشكوان قلة الموارد والإمكانيات؟!

 

رغم أنه لا توجد حلول جذرية للتغلب على ظاهرة الهجرة وقوارب الموت، إلا ان مراجعة الخيارات الاقتصادية والتنموية والتعليمية تظل أهم المداخل للتخفيف من وطأة الأزمات وحالة الاحباط التي تخيم على الشباب.

 

كما ان الدول المغاربية بما في ذلك النفطية منها، كالجزائر، تبدو عاجزة عن معالجة إخفاقاتها المتراكمة لسنوات طويلة. لذا فإن قدرا من التكامل الاقتصادي والتنموي بين دول المغرب العربي يظل أمرا ملحا للتخفيف من حجم الأزمات التي تعصف بالمنطقة ومنح الشباب والأجيال الجديدة شيئا من الأمل المفقود والحد من منسوب اليأس والإحباط، وما يحمله من مخاطر مجتمعية وسياسية هائلة.

الوسوم

سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الشباب المغاربي والحلم القاتل”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.