مجتمع

في خضم الرعب الذي تعيشه سوريا، تنشأ قوة جديدة: نساء إدلب

ترجمة مجلة ميم لتقرير صحيفة الغاردين البريطانية

 

أكد مسؤولون في الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة والجمعيات التي تعنى بالدفاع عن المدنيين أن محنة ما يقرب من ثلاثة ملايين مدني محاصر من قبل قوات معادية في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا، تزداد سوءا يوما بعد يوم، وهم يخشون وقوع كارثة إنسانية التي تلوح بوادرها في الأفق.

 

بالنسبة للعديد من العائلات السورية، تعد إدلب آخر ملاذ يمكن اللجوء إليه، بعد نزوحهم القسري من منازلهم إلى مناطق أخرى من البلاد. ولكن هذه المدينة أيضا يمكن أن تصبح ملاذا بلا مخرج، حيث أطلق عليها الناشطون اسم “صندوق القتل” الذي لا مفر منه، خاصة وأن الجيش السوري المدعوم من قبل القوات الروسية والإيرانية يطوق جنوب وشمال المنطقة.

 

باعتبارها آخر مقاطعة متبقية لا تخضع لسيطرة قوات بشار الأسد، تعد إدلب نقطة تجمّع لكل من معارضي نظام الرئيس السوري وأولئك الذين لا يملكون مكانا آخر يلجؤون إليه. لكن وضعهم مأساوي، حيث يحتاج حوالي 1.7 مليون شخص هناك إلى المساعدة الإنسانية.

 

في وقت سابق من هذه السنة، نُقل سكان الغوطة الشرقية، خارج دمشق، إلى مدينة إدلب، بعد أن سقطت المنطقة المحاصرة أمام قوات النظام. وقد جرت عملية مشابهة خلال الأسبوع الماضي، شملت أشخاصا من مخيم اليرموك للاجئين ومنطقة الحجر الأسود بالقرب من العاصمة.

 

أصبحت إدلب نقطة محورية لجماعات المعارضة المسلحة، التي تضم نحو 10 آلاف من الجهاديين، الكثير منهم لديه صلات بتنظيم القاعدة، وهم من يسيطر على جزء كبير من المحافظة. ويتزايد القلق حول فرضية شن الأسد هجوما أخيرا، الذي من شأنه أن يدفع المعارضة إلى المقاومة، مما يزيد من احتمال تعرض المدنيين للخطر.

 

العديد من هذه المبادرات المدنية غير الرسمية تقودها النساء، اللواتي وجدن أنفسهم بشكل غير متوقع في أدوار قيادية بسبب الحرب. ويرجع ذلك جزئيا إلى غياب الآباء والأزواج والأبناء الذين إما في ساحات القتال أو في عداد المفقودين أو قتلى

 

من جهتها، تضغط إيران على الأسد بشأن التحرك ورد الفعل، ذلك أنها تعتبر مدينة إدلب الخاضعة بمثابة عائق أمام خطة إيران لإجراء ممر بري إلى البحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسوريا. وبعد سقوط الغوطة، قال مستشار المرشد الأعلى الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، إن إدلب ستكون المحطة التالية التي سيقع تحريرها.

 

أما روسيا، فهي تمارس بدورها ضغطا على النظام السوري لوضع حد لهذا الصراع المستمر منذ سبع سنوات. وقد قام الرئيس فلاديمير بوتين بإيصال هذه الرسالة شخصيا إلى الأسد هذا الشهر. وفي الأثناء، يخطط الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب لسحب القوات الأمريكية من سوريا، وإيقاف المساعدات الأمريكية المخصصة لإدلب. وكل ذلك ربما سيكون بمثابة الضوء الأخضر بالنسبة للرئيس الأسد لبدء الهجوم. لقد تعزز موقف الأسد بعد سيطرته على جميع المناطق المحيطة بدمشق في نهاية الأسبوع الماضي، ومن المتوقع أن يتم تصعيد القصف الجوي اليومي على إدلب.

 

الناشطات يعلمن الأطفال كيف يحمون أنقسهم خلال الغارات الجوية

 

رغم استخدام النظام الأسلحة الكيميائية في عدة مناسبات، وويلات الحرب التي ما انفكت تروع المواطنين السوريين، يقدم تقرير بعنوان “الحياة في إدلب: قصة أبطال مسكوت عنها”، المنبثق عن مجموعة تعنى بالدفاع عن ضحايا الحرب “حملة سوريا”، والمنظمة العالمية المناهضة للحرب “السلام المباشر”، صورة استثنائية عن الصمود والابتكار وسط هذه المحنة، في وقتٍ أكدت الأمم المتحدة أن الإعانات والمساعدات الدولية قد انخفضت إلى مستويات متدنية للغاية.

 

تجدر الإشارة إلى أن العديد من هذه المبادرات المدنية غير الرسمية تقودها النساء، اللواتي وجدن أنفسهم بشكل غير متوقع في أدوار قيادية بسبب الحرب. ويرجع ذلك جزئيا إلى غياب الآباء والأزواج والأبناء الذين إما في ساحات القتال أو في عداد المفقودين أو قتلى، وإلى انهيار الأعراف الاجتماعية التقليدية والمحظورات التي تكبل المرأة.

 

عموما، أثر النزاع السوري على النساء والفتيات بشكل خاص، فقد أدت السيطرة الممتدة من قبل الجماعات المتطرفة إلى تفاقم ظاهرة استبعاد المرأة، واقصائها من الأدوار القيادية. وفي الوقت الحالي، تحاول النساء في إدلب التصدي لهذه الممارسات، حيث ورد في التقرير أنه “في مواجهة الهجمات من جميع الجهات، يواصل المجتمع المدني في إدلب العمل بعزيمة وفعالية واضحة؛ ففي المناطق التي عرفت أبشع المجازر وأكثرها وحشية على مستوى العالم، هناك قصص عن مئات الجماعات التي توفر خدمات ضرورية يحتاج إليها المدنيون للبقاء على قيد الحياة”.

 

شأنها شأن أي تسوية سلمية مستقبلية مفروضة من الخارج، تمهد هذه المبادرات الذاتية لتقديم المساعدات الطريق نحو إعادة إعمار سوريا بعد الحرب. كما جاء في التقرير أن “المجتمع المدني في إدلب يمثل أفضل فرصة لإنشاء مؤسسات حرة وديمقراطية. وتقف إدلب عند نقطة حرجة، ولكن إذا استثمر كل من السياسيين الدوليين والمانحين والمنظمات غير الحكومية الدولية وصانعي القرار في المجتمع المدني، فسنرى أن العديد من الأفكار والحلول ستزدهر”.

 

كل ما مررنا به جعلنا أقوى

 مريم شيروت، مديرة ومُدرسة في معهد لدعم الأطفال المنقطعين عن الدراسة، ومن أحد المؤسسين المشاركين للمنظمة السورية لشؤون المرأة، ومديرة مكتب المرأة في جماعة الناشط المدني “زووم إن”.

 

حيال هذا الشأن، قالت مريم “نحن نمارس الكثير من الأنشطة مع الطلاب، فقد أعددنا في إحدى المرات الطعام سويًا ثم وزعناه على العائلات الفقيرة. وعندما أرى الأطفال يأتون إلى المركز خلال عمليات القصف، فقط لأنهم يريدون قضاء بعض الوقت معي ومع أصدقائهم، لا يمكنني حتى التفكير في التوقف عن تقديم الخدمة الإنسانية”. وتجدر الإشارة إلى أن مريم تقدم المساعدة للنساء في العثور على عمل وبدء أعمالهن الخاصة.

 

مركز القبعات البيض للنساء

 

في سياق متصل، أضافت مريم “تملك العديد من النساء مهارات في الخياطة؛ لذلك نحن نعمل على إنشاء ورشة خياطة، حيث يمكن للنساء مشاركة الأفكار الإبداعية. فعلى سبيل الذكر، تقوم إحدى النساء النازحات من دمشق، بإعادة تدوير الملابس بطريقة مبتكرة. وفي بداية الأمر، وجد المجتمع أنه من غير الطبيعي أن تقوم امرأة بعدة أعمال أو أن تذهب إلى أي مكان تريده. أما الآن، فهم ينظرون إلي كنموذج يحتذى به للفتيات الأخريات”. وأكدت مريم “إن كل ما مررنا به جعلنا أقوى، فإذا بقي الناس في منازلهم ليحزنوا، لكانت الحياة قد توقفت منذ وقت طويل. لكن الحياة لن تتوقف: نحن بحاجة إلى مواصلة العمل، فأنا أؤمن بالعمل حتى آخر رمق”.

 

نورا حلبي (وهو اسم مستعار)، هي منسقة مشاريع لمراكز نساء القبعات البيضاء (المعروفة أيضا باسم الدفاع المدني السوري).

 

 

 أفادت نورا حلبي بأن “هذه المراكز توفر الإسعافات الأولية والقابلات، كما أنها تتخصص في إصابات النساء. ويقوم المتطوعون في هذه المراكز بحملات توعوية لتهيئة الأشخاص نفسيًا للهجمات الجوية والهجمات الكيميائية، بالإضافة إلى تقديم تدريبات حول الإسعافات الأولية الأساسية والتمريض. وبعض المراكز موجودة في الكهوف، إلا أن بعضها فقط محصن. ونحن نتابع الأشخاص المصابين في الغارات الجوية ونقوم بإجراء عمليات قيصرية للنساء في منازلهن”.

 

كما أوردت نورا “عندما بدأت المتطوعات في الانضمام إلى منظمة القبعات البيضاء، لم يكن المجتمع يقبل هذه الفكرة. وباعتبار أنه باستطاعتنا تقديم خدمات ضرورية قد لا يستطيع المتطوعون الذكور في مجتمعنا المحافظ القيام بها، مثل رعاية النساء الجرحى والذهاب إلى المنازل والمدارس، بدأ الناس يدركون الأثر الإيجابي لعملنا. كما صاروا يشجعون بناتهم على الانضمام للمنظمة”. وأشارت نورا إلى أن “السلامة هي التحدي الرئيسي الذي نواجهه، فليست كل المراكز محصنة، كما أن بعضها لا يوجد به سراديب، لذا فهي معرضة للهدم جراء الهجمات الجوية، ما يجعل مراكزنا مهددة فعليًا”.

 

 

 رائد فارس مؤسس ورئيس مجموعة الحملات الإعلامية “اتحاد المكاتب الثورية”، حيث تشكل النساء الأغلبية داخل طاقم العمل الخاص بها. وهم يديرون ستة مراكز للعناية بالفتيات المراهقات، و12 مركزا للأطفال، فضلا عن المحطة الإذاعية الأكثر شهرة في إدلب.

 

في هذا الإطار، صرح فارس بأنه “تم تدريب 28 امرأة في الإذاعة لمدة سنتين، بما في ذلك المحررات والمذيعات. وفي العام الماضي، حظرت هيئة تحرير الشام الموسيقى وصوت المرأة، لكننا توصلنا إلى فكرة تقوم على تغيير أصواتهن رقميا لجعلها تبدو وكأنها أصوات ذكور. ويدفعني العمل مع الفتيات المراهقات إلى الشعور بفخر شديد، وراودتني هذه الفكرة عندما شاهدت العديد من الطلاب خارج سوريا يمتلكون وظائف ذات دوام جزئي توفر لهم بعض الاستقلال المادي”.

 

كما استطرد مؤسس اتحاد المكاتب الثورية قائلا إن “المجتمع لم يتقبل الأمر عندما افتتحنا أول مركز نسائي. والآن، هناك العشرات من المراكز المماثلة، وأمسى عمل النساء أمرا طبيعيا. وأضاف فارس أن “الناس يريدون أن تعمل بناتهم في مراكزنا، مشيرا إلى أنهم يواجهون في اليوم الواحد مائة مشكلة، حيث تعمل النساء في ظل ظروف لا يمكن إلا للمجانين التعامل معها”. في المقابل، أبدى فارس سعادته إزاء المنوال الذي تسير عليه الأمور، وأورد أنه كلما زادت التحديات التي في طريقه، أصبح أكثر تصميما.

 

تدير آنون مدرسة ابتدائية خاصة بالفتيات تضم حوالي مائة تلميذة من أطفال الجهة والنازحين، وذلك بعد إجبارها على الخروج من مدينة داريا التي تقع في إحدى ضواحي دمشق، حيث كانت تدير مدرستها الخاصة. علاوة على ذلك، افتتحت آنون مدرسة أخرى في قرية أطمه السورية على الحدود المتاخمة لتركيا.

 

 

قالت آنون “لم يكن لدينا خيار آخر بالنسبة للأطفال الذين نزحوا معنا من داريا، ولم تقبلهم أي مدرسة من المدارس الموجودة هنا. كما وعدونا بافتتاح مدرسة في المخيم، لكن ذلك لم يحدث”. وبينت مديرة مدرسة الفتيات أنها تعمل رفقة فريقها على تقديم الكتب والدفاتر، مشيرة إلى أن طلابها يحبون الرسم، مما يدفعها لإعداد مشاريع الفنون والحرف حول المواضيع التي يدرسونها في الفصول الأخرى. ونوهت المربية بأن الأطفال قاموا برسم دليل الهرم الغذائي فور دراستهم له في صف العلوم.

 

بالإضافة إلى ذلك، أشارت آنون إلى عدم وجود مكتبات مخصصة لبيع الكتب في المدينة، مما يستوجب الاكتفاء بالحصول على ما هو متاح على الإنترنت. وأردفت قائلة “من الصعب العثور على معلمين ماهرين، لذلك كنا ندير ورشات تعليمية للمعلمين بإشراف المدربين الجديرين بالثقة. ونحن نسمع تعليقات الآباء الذين يقولون إن أطفالهم يحبون المدرسة ولا يريدون أن يفوتوا يوما واحدا، حتى عندما يكونون مرضى. وبعض الأطفال ينادونني، رفقة المعلمات الأخريات، بأمي أو عمتي”.

 

تشغل مزنة منصب المديرة الادارية لمركز “وومان ناو” في مدينة معرة النعمان، وسبق لها دراسة الهندسة الطبية الحيوية في جامعة حلب، قبل إنشائها لمركز تعليم مجاني للنساء سنة 2014. في هذا الصدد، صرحت مزنة بأنه “لدينا مركزان في إدلب، مركز للتمكين ومقهى إنترنت للنساء، فضلا عن حضانة أطفال تضم جليسات أطفال مدربات”.

 

تابعت مزنة حديثها قائلة “بدأنا مع برنامج قيادة يتضمن مجموعة من المهارات التي تعد النساء لتقلد مناصب صنع القرار، وقد ساعدت هذه المهارات العديد من النساء على العمل مع المجالس المحلية والمنظمات المدنية. وبمجرد أن تحضر المرأة عدة دورات، تكتسب المعرفة والصداقات الجديدة، ويؤدي ذلك إلى دعمها والنهوض بوضعها. وفي الواقع، تستمر والدتي في إخباري بأنها ترى أحلامها تتحقق من خلال من أنجزه”.

 

علاوة على ذلك، قالت مزنة إن “المرأة التي فقدت زوجها يجب أن تضطلع بدور معيل أطفالها. فبالنسبة لهن، لا تزال الحياة مستمرة. ونحن نمتلك القدرة على تحقيق الإنجازات والاستقلال بأنفسنا. وعندما يشعر المجتمع هنا بالأثر الإيجابي للنساء العاملات، لن يعمد إلى إقصائهن”. وأضافت المديرة الإدارية “أنا أعرف العديد من النساء من برنامج القيادة اللوات تحصلن على عمل الآن بينما يلازم أزواجهن البيت مع الأطفال. وسواء كان هناك قصف أو لا، ستستمر الحياة. إننا نطمح إلى تحقيق الإنجازات وأن نكون مستقلات”.

 

ترجمة مجلة ميم

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد