مجتمعغير مصنف

مَلكة جزماتي.. رمضانها “سَكبَة” حنينٍ وعَراقة

على مائدةٍ سَخية تحكي لـ "ميم"

 

 

حوار/ هديل عطا الله

“عند دقّ الكّبِة الصبايا بتتخبّى؛ وعند دقّ التوم الصبايا بتقوم”؛ مَثلٌ شعبي تقوله السوريات بدلال؛ و لا مفر من الاستشهاد به حين يكون الطبق اسمه “الباشا وعساكره” وهي الكبة والششبرك؛ حقاً لن تندم لو جربّت إعداد مقبلات “جِيبة التاجر”!؛ واطمئن هي لا تشبه اسمها؛ أي أنها ليست مكلفة؛ فقط دجاج وخضراوات وجبن.

تُرى هل تشتاق لنسمات البحر!؛ إذاً عليك بحلوى “المعمول بالجبن”؛ بلا مبالغة ستمنحك شاعرية الجلوس قبالة الشاطىء.

وستتحمس كثيراً لتذوق “الدولما العراقية” بعد أن تدوخّك الرائحة المنبعثة إلى درجة أنك ستقولها بلهجة أهل العراق: “الرِيحة هَواية هَواية تخبل” ثم تصفقّ لنفسك بحرارة؛ أما “فتة المكدوس” فهل يعقل ألا تكون “علامة مسجلة” لطقوس رمضان؛ ومن يدري ربما ستقع في حب “حرّاء بإصبعه” لأول مرة.

على غير العادة لا نخاطب هنا ربات البيوت؛ فــ سفيرة المطبخ السوري في ألمانيا “ملكة جزماتي” تستهدف في برنامجها هذا العام؛ الشباب المغتربين العزاب بالدرجة الأولى إلى جانب السيدات؛ مُحاولةً أن تشبه الأمهات عبر نكهة الحب التي تضفيها إلى طعامها؛ وبخطوات سهلة تجعل من دخولهم إلى المطبخ شغفا لا عبء.

مطبخها جميل كــفسيفساء؛ فيه أطباق ربما لم نسمع بها؛ مثل الــ “باطرش” وهو من المقبلات الشهية في الولائم ويا سلام على اللحم والمكسرات والسمن البلدي؛ أي أنه يليق به لقب “أحد أطباق الجنة”؛ أما طبق “يارق بارق” التركي فتمزجه “مّلكة” باللمسة السورية والأوربية.

هذه اللاجئة السورية “تحوّل ثمار الأرض إلى عمل ممتع وصحي”؛ كما تقول في كتابها؛ وقد سطع نجمها بعد أن أبهرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بالشاورما؛ فيما ترتكن إلى فلسفة خاصة مفادها أنها لا ترى الطعام مجرد ملح وفلفل فقط؛ بل تظهر التفاصيل التي يضفيها الملح والفلفل على حياتنا عبر المناسبات المتنوعة؛ إنها “الذكريات التي تُطعم القلب” وفق تعبيرها؛ مما يجعل للمائدة الرمضانية روحاً مختلفة؛ حسب وصفها.

 

 

بيوت صغيرة

ودّت مَلكة بكل ما لديها من دفء لو أن مراسلة “ميم” تشاركها طعام الإفطار لهذا اليوم؛ ولكن الحديث معها كان قريب وإن كانت تقطن في مكان بعيد؛ حيث العاصمة الألمانية برلين؛ تعود إلى أيام الطفولة: “لم أحب ابداً المشاركة في تحضير الطعام أو مساعدة أمي؛ ولم أجد ذلك باعثاً للمتعة؛ كان رمضان بالنسبة لي هو “الخرجية”- أي المصروف- الذي يعطيني إياه أبي قبل موعد الإفطار لأشتري به بسكويت وشيبس؛ بالنسبة لي هذا هو الطعام اللذيذ الذي سأفطر به”.

بعد أحداث الثورة السورية لجأت مَلكة وعائلتها إلى ألمانيا عام 2015 للإقامة فيها؛ وصار لها طريقة أخرى في التعامل مع شهر رمضان؛ توضح ذلك بالقول: “كل تفاصيله تعني لي الكثير الآن؛ كل ما عشته ورأيته عادياً أصبح له قدسية عندي اليوم؛ على سبيل المثال “لمة العائلة” على الإفطار؛ كان والدي – رحمه الله – يصر أن يجتمع أفراد الأسرة على المائدة حتى لو كان أحدهم مفطر لأي عذر؛ ولطالما تذمرت من هذه العادة؛ إلا أني الآن عرفت قيمتها وأصبحت أتمسّك بإحيائها قدر الإمكان؛ ففي الغربة نستطيع تأدية كل طقوسنا؛ وما من أحد يقف في وجهنا”.

 

 

وفي الوقت نفسه تبدي أسفها إزاء غياب ظاهرة “دعوة الأقارب” لمائدة الإفطار؛ والسبب في ذلك: “البيوت هنا صغيرة جداً؛ وقلة من تستطيع الحفاظ على هذه العادة؛ من المؤلم أن بعض اللاجئين لا يمتلكون بيتاً بل هي مجرد غرفة ضمن ملجأ؛ وذلك بطبيعة الحال يحدّ من أحد طقوس رمضان المهمة”.

وتحنّ المرأة المولعة بالتجديد في الطعام؛ إلى زينة رمضان؛ وفي كل مرة قبل أن يبدأ الشهر الفضيل تتمنى لو أنها تزور بلداً عربياً لجلب الزينة وتعليقها على باب بيتها ونوافذه لتعلن بذلك عن احتفالها بمناسبة دينية جميلة اسمها “رمضان” كما تقول.

 

أُطهو أطباقا اندثرت بدون فذلكة.. والطبخ كـالرسم “فن”

 

(هل تناولتِ في كتابك بعضاً من الأطباق الرمضانية؟)؛ تبتسم بــ “روقان” لتقول :”لم أتطرق إلى أطعمة من هذا النوع؛ باستثناء سلطة الفتوش و شوربة العدس ذكرت أنهما مهمتين في سفرة رمضان؛ إلا أني ركزّت على الأطباق التي نعدّها في جَمعاتنا العائلية مثل الأعراس وأعياد الميلاد؛ فالألمان لا رمضان عندهم؛ ولكن لديهم مثلنا أعياد؛ لذا قدمت لهم الأطباق التي يمكن أن تزين مناسباتهم مثل الكريسماس ونحوه”.

وتضيف بابتسامة تشبه الياسمين الدمشقي: “لقد آمنت أن الطعام طريقة نعبر بها عن جزء صغير من حضارتنا للبلد المُضيف؛ المرأة العادية قد لا تمتلك الشهادات؛ ولا البراعة في الكلام؛ لكن يكفي أن تُعد طبقاً بحب؛ أدركت أن الطعام كاسر الجليد بين المجتمعات؛ فحين يقدم اللاجئ العربي طبقاً من الطعام لجاره الأوروبي- كما في “عادة السِكبة” وهي من العادات الرمضانية قديماً- ؛ فإن الأخير قد يعطي فرصة للعربي بعد أن كان متوجساً منه؛ وحال لسان هذا الذي جاء من المشرق: “أنا كتير طيب وكريم متل هدا الطبق”.

وتؤكد حرصها على إعداد أطباق من كل بلاد الشام كالأردن ولبنان وفلسطين ناهيك عن سوريا؛ مثل المسخن والمنسف والخبز الفلسطيني والمقلوبة؛ معقبة: “لدي انتماء لأرض الشام كلها؛ لذا حمل مشروعي اسم “مذاقات شامية”.

 

 

حتى في علاقات الشعوب

في يوم رمضاني مزدحم بالمهام؛ وهي القادرة على فعل شيئين فما أكثر في اللحظة نفسها؛ ذلك أنها أثناء حديثها مع مراسلة “ميم” كانت تحمل في يدها أغراض التسوق بعد أن اصطحبت طفلها حسان للروضة؛ إذ كادت أن تصدمها سيارة مسرعة؛ تسارعت دقات قلبها حين أخبرتني: “الحمد لله ربنا حماني هلأ يا هديل” .

تواصل الكلام عقبها وكأن شيئاً لم يكن: “في رمضان الماضي نظمت إفطاراً جماعياً؛ يومي السبت والأحد؛ وبحمد الله استطعت النجاح ونظمت وقتي بكفاءة عالية؛ كان معظم الزبائن من العائلات و”العزّاب”؛ وهذا العام لم يتسنى لي تكراره بسبب انشغالي بالبرنامج الذي أصوره في مدينة تبعد عن منطقة سكناي نحو ثماني ساعات”.

ومن وجهة نظرها أن النساء الشرقيات تبدعن في الطعام لا سيما في رمضان؛ ولكن ثمة حقيقة تشير إليها بشفافية: “لا أستطيع القول أن مطبخ الشام هو الأكثر إبداعاً؛ مع الأسف لدينا جهل بالمطابخ الأخرى؛ بسبب اعتدادنا بأنفسنا إلى حد الغرور؛ ظناً منا أن المطبخ السوري أو اللبناني؛ أغنى من المطبخ الخليجي أو العراقي في اعتقاد منا أنهما لا يمتلكان سوى الأرز؛ وأنا شخصياً حين اطلعت على هذه المطابخ وجدتها “عظيمة” وفيها نكهات تمتزج يبعضها على نحو لطيف؛ حتى المطبخ الأوروبي والآسيوي أستعين بهما في رمضان حين أقدم “السناكات”؛ و “الفنجر فود”؛ و”السمبوسك الهندي”؛ و “دجاج التندر” وهي كلها أطعمة تحتوي على الزيت؛ لكني اكتفي بدهنها به وأدخلها في الفرن؛ ففي رمضان على وجه الخصوص لا يُحبذ الطهي بكمية كبيرة من الزيت”.

 

 

وتصف المطبخ الشامي بــ العريق؛ مؤكدة على ضرورة التطوير في أكلاتنا باستمرار؛ عبر دمج المكونات التي نألفها في مطبخنا مع مكونات غربية من أجل الحصول على نكهة جديدة؛ وتعبر بثقة عن رأيها: “لا يوجد “صك” مقدس للقدماء بخصوص ما علمونا إياه من أكلات؛ فإذا ما ارتأينا أن نقدم شيئاً جديد ما المشكلة؛ أنا حرة تماماً في آلية تشكيل مكونات الطبيعة؛ فلا توجد حقوق مِلكية لمبتكر تلك الأطباق”.

وتلفت لمسألة بالغة الاهتمام؛ تذكرها على النحو التالي: “ثمة مؤتمرات تعقد بهدف دراسة علاقات الشعوب من خلال الطعام؛ فيما يقول علم ” الأنثربولوجيا ” أنه يمكن أن معرفة العلاقة بينها من خلال مزج الطعام بين “السفرتين”؛ وبالرجوع للتاريخ فإن الاحتكاك بالثقافات الأخرى نتيجة الهجرة؛ دفع بالمرأة السورية إلى تعلم الكثير من موائد الدول الجوار وفي المقابل لم تبخل بخبرتها عليهم؛ علماً أن المطبخ العربي شهد ازدهاراً غير مسبوق في العصر الإسلامي بفضل الفتوحات التي أدت إلى تبادل الخبرات بين الشعوب”.

 

 

وتتعجب من الحرب التي تُشن على برنامجها؛ معبرة عن استيائها بالقول: “من المؤلم أن نهاجم بعضنا في “لغة المحبة والسلام”- وتقصد بها الطعام- ؛ لماذا لا يقبل كل منا الآخر؛ “ليش كل هالخناق” أنا لم انتهك حقاً عظيماً حين أردت التجديد وأضفت الكِريمة للفريكة، وعندما أضفت العصفر لورق العنب هذا لا يعني “أني لا أفقه شيئاً بالمطبخ” وفقا لرأي بعض الحلبيين”.

ومن وحي خبرتها تقدم نصيحة توزن بالذهب: “لا يوجد مطعم – مهما كان- يقدم طبقاً معيناً على أصوله كذلك الذي نتذوقه في مملكتنا الجميلة؛ لأن طعام البيت فيه الروح و”النَفس”؛ أما المطعم يحتكم للمصلحة التجارية؛ فيما الأم تمنحنا النكهة على أصولها؛ من غير أن تهتم لمقدار التكلفة؛ ومن هنا يتوجب ألا نأخذ انطباعا عن أي مطبخ بدون أن نتذوقه من “ست بيت”؛ علماً أن النكهة تختلف من سيدة لأخرى؛ لطفاً لنضع هذا في عين الاعتبار عند الحكم”.

 

 

عائلات تحتكر الأسرار

في كل المواسم تتناول “ضيفتنا” الطبخ بــ نَفس الحب؛ موضحة: “لكن في رمضان على وجه الخصوص يظهر أكثر التكافل الاجتماعي والإحساس بالفقراء وتعويد النفس على الصبر؛ رمضان هو من يساعدني لأنه يجلب معه طاقة إيجابية تعزز هذه القيم الخيرّة”.

وفي مهرجان “مأكولات رمضان” في برلين؛ نجح طعام مَلكة بجدارة في جذب الأنظار عبر إبراز صاحبته للجانب الثقافي في شهر الرحمة.

(تُرى هل من طبقٍ معين يحبه الألمان من يديك؟)؛ بروح فيها البساطة تقول مَلكة: “كلما تناولوا طبقاً معينا أحبوه كثيرا؛ ثم أحاول أن أنقل تركيزهم إلى طبقٍ آخر؛ يحبون كل ما له علاقة بالباذنجان؛ ونجحت في إيقاعهم بحب أكلات اللبن المطبوخ التي لم يقتنعوا بها من قبل؛ علماً أن نسبة لا بأس بها منهم نباتيين؛ لذا دائما أسعى لإيحاد حلٍ للأطباق التي تشتمل على اللحم مثل طبق “الشاكرية”؛ ليغدو نباتياً”.

 

أوصيكم بــ “أنسنة” الطعام.. والمطبخ العربي تألق في العصر الإسلامي

 

وعن التحديات التي تواجهها في رمضان خاصة؛ كونها امرأة عاملة ومغتربة؛ تختصر الجواب بشيء واحد؛ إنه “الوقت”؛ مضيفة: “لا يوجد بركة في الوقت؛ لم أدرك معنى هذه الجملة إلى أن جئت لهذه البلاد الباردة؛ لا أعلم كيف يطير اليوم دون أن أنهي التزاماتي؛ آذان المغرب يكون في الساعة التاسعة والنصف؛ مما يضطر أغلب الناس لأداء طقوس العبادة في المنزل؛ وإني أغبط كل من يستطيعون صلاة التراويح في المسجد؛ لأني افتقد هذا الأمر؛ إذ أعود من العمل متعبة دون أن يتسنى لي فعل ما أريده في الجانب الروحاني”.

“ماذا عن الحلوى هل تخرجين عن المألوف؟”.. تقول: “أتحيّن كل فرصة حين تخطر لي حلوى تناسب سفرة رمضان؛ على أن تكون خفيفة على معدة الصائم؛ فأعدّها بحجم صغير؛ مثلاً العَثمنلية أو المغشوشة أحضرّها بــ قوالب “الكب كيك”؛ لتقوم بدور حبة القطايف التي تعطي حاجة الفرد من السكرّيات؛ ويأكلها مباشرة”.

 

 

وتتبنى ملكة جزماتي رؤية خلاقة لمفهوم “المرأة الطباخة” إذ تميل إلى كسر الصورة النمطية الشائعة عنها؛ موضحة: “نسعى لترسيخ أنموذج طاهية تتمتع بثقافة واسعة؛ التي بوسعها أن تكون فنانة؛ بل هي لا تقل عن الفنان الذي يرسم”.

“الفنان الطباخ” ما هو التعريف الذي تجدينه لائقاً به؟”؛ تقول ملكة: “هو الفنان القادر على خلط مزيج من مكونات الأرض الحرة؛ أحاول من خلال الإعلام إظهار أن الطهي فن وليس مجرد روتين؛ ذلك أن أغلبنا يعرف أن يطهو؛ لكن المعظم لا يعرف أن يتقنه أو يجدده؛ أرى أن الإعلام بيت كبير؛ ومن خلال نوافذه أحاول أن أنبش عن أطباق اندثرت لأسباب كثيرة؛  وإذا عدنا إلى مخطوطات الطبخ القديمة؛ سنجد أن لدينا  70 نوع من الكبة؛ لكن لا نعرف منهم سوى عشرين؛ وقد ساهمت العادات والتقاليد في اختفاء بعض الأطباق؛ ذلك أن عائلاتٍ كانت تحتفظ بطبخات معينة في رصيدها وتحتكر أسرارها مما منع من توريثها؛ وهكذا باندثار العائلة اندثر طبقها”.

وتنوه إلى أطباق أخرى اختفت بسبب الغلاء المعيشي؛ وتوضح مقصدها: “منها ما كان يُطهى مع العطور مثل العنبر والمسك والكافور؛ ولذا استخدم أحياناً “ماء الزهر” كونه بديل أرخص وذو نكهة قريبة؛ ويعتقد البعض “إني بخبّص”.

وتلخص ما سبق بجملة واحدة: “ببساطة أحاول “طلّع المخبي” الذي كاد أن ينقرض؛ والإعلام هو منصتي الوحيدة”.

 

لطائف ورفقة

في برنامجها “مع ملكة” الذي تقدمه خلال رمضان في تلفزيون سوريا؛ تمد يد المساعدة للشباب المغتربين في أوروبا ممن يشدهم الحنين لدفء العائلة؛ فينبت الشوق لطعام أمهاتهم؛ اللاوتي يدلونهم على خطوات صعبة للطبخ؛ وبالتالي يستثقلون المهمة.

توضح رسالتها: “هناك أكلات اعتاد أهالينا إعدادها وفق خطوات تستغرق وقتاً أطول؛ في حين أنا اختصر الطريقة وبنتيجة أفضل؛ هناك من يظن أنه “إذا عقدّنا الأمر” سيكون الناتج “واو” وكتير ظريف”؛ لكن في برنامجي أخرج عن هذا القالب حتى وإن كان بعض يراه بطريقة سلبية؛ لكن بمرور الوقت سيتجرأ الشباب؛ بعيدا عن تعقيد برامج الطبخ”.

وتواصل الحديث: “لنطبخ بدون تعقيدات؛ حين أسأل والدتي التي تفوقني خبرة في هذا المجال؛ عن السبب الذي جعل شيف ما في برنامجه يقوم بخطوة معقدة؛ تجيبني ببساطة: “فذلكة” حتى يظهر أنه ينفذ فكرة صعبة لطبق مهم”؛ مشيرة أنها تتابع طهاة من مختلف الجنسيات مثل الشيف المصري أسامة السيد.

 

وحسب ملكة جزماتي؛ فإنها في اليوم الواحد تصوّر خمس حلقات دفعة واحدة؛ مما كان يعرضها للإرهاق والتعب أثناء وقوفها في وجه الإضاءة والنار؛ مثنية على الطاقة الإيجابية التي تمتع بها فريق العمل؛ والذي تقر بفضله في نجاح البرنامج.

وتوصي بأمر لطيف تطلق عليه “أنسنة” مكونات الطعام؛ قائلة: “حين استخدم تعبير “نقزّتو للعدس” أي تعمدت إخافته؛ بإضافة الماء إليه؛ أو “كبكبتها” للكبة فإني أكون عاملتهما كإنسان؛ مما يخلق طابع الرفقة مع المقادير؛ لذلك تختلف النكهة من شخص لآخر لأن علاقة الصداقة مع المكونات هي من تحدد عمق العلاقة؛ لذا أرجوكم حافظوا على هذه المفردات”.

سألتَها مراسلة “ميم” عن أطباق بعينها؛ فقدمت تصحيحا لبعض المعلومات: “مما لا نعرفه أن الكبة أصلها عراقية؛ وليست حلبية؛ ذلك أن الآشوريين أول من ابتكروها تحديداً في شمال بلاد الشام؛ ويحكى أن الملك الآشوري أعد ذات يوم وليمة تاريخية حضرها أكثرها من 20 ألف ضيف؛ وكانت الكبة وجبة رئيسية في المائدة؛ وهي عبارة عن خليط من اللحم والبرغل؛ وتحشى باللحم”.

وتشير إلى أن المطبخ التركي يتسم بغنى أطباقه؛ في حين أنه يُظلم عندما نحصره في الكباب والشاورما؛ وقد أخذ العرب منه الكثير من الوصفات ثم أجروا عليها التعديلات.

 

“أجددّ” لأن مكونات الطبيعة حرة.. والأمهات تمنحنّ النكهة على أصولها

 

وتتطرق إلى لطائف من هذا القبيل: “مثلا “قطايف عصافيري” سميت بذلك لأنها في لحظة واحدة تطير؛ كونها صغيرة وتؤكل بسرعة؛ لقد وجدت معاني أسماء الأكلات كلها عندما بحثت؛ ما عدا “الباطرش” وهي من أكلات الحمويين التي يعدّونها أحد إنجازاتهم التاريخية؛ وفي طبق “كوسا كشاتبين” لا أعرف حكايته؛ وقد تعلمته من مطبخ أمي؛ وأطلقت عليه هذا الإسم لأنه بعد تقطيع الكوسة من المنتصف و”تقويرها” يغدو شكلها أشبه بــ “الكشتبان” – قِمع يغطّي طرف إصبع الخيّاط ليقيه من الوخز؛

.أما “الكبيبات” فهي تتطلب صبراً ووقتاً ومن الظريف أن يساعدك الصغار “في كبكبتها”

وعامة؛ تتبع ملكة نظاماً غذائياً يحميها من البدانة؛ عبر تناولها اللحوم الحمراء مرة واحدة كل عشرة أيام؛ معقبة بخصوص من يزيد وزنهم في رمضان: “طريقة تناولنا للطعام غالباً ما تكون خاطئة في هذا الشهر؛ لكن الصيام ينظم هرمونات الجسم؛ حتى أن عيادات في برلين تستعين به كأسلوب علاج؛ حيث نكثر من احتساء الشوربات وأكل الخضراوات لأنها تزودنا بالفيتامينات والسوائل”.

وعن اللحظة التي تتذوق فيها طعم السعادة؛ تلتمع عيناها ثم يتدفق صوتها بالرضا: ” حين أوصل الصورة الصحيحة عن الفتاة العربية المسلمة بخلاف ما يروجه الإعلام؛ أننا مجرد ربات منازل مهمشات؛ لا نعبر عن آرائنا؛ عندما أؤكد أننا لسنا مجبرات على الحجاب؛ وأننا يمكننا النجاح ونحن نرتديه”.

 

 

وتجدر الإشارة أن كبار الشخصيات الذين شاركوا في افتتاح مهرجان برلين السينمائي الدولي “برلينالي” الأخير كانوا ممن تذوقوا طعام ملكة جزماتي؛ تبدو فخورة بهذا النجاح الجديد؛ “هي محطة أتاحت لي انتشاراً أكبر؛ ودفعتني مجدداً للتفكير في سؤال: “ماذا بعد”؛ في هذا المهرجان سنحت لي الفرصة لأن التقي بشخصيات مرموقة تساءلت باندهاش: “أحقاً هذا الطبق من سوريا؟” ثم يأخذ الحوار مجراه”.

حين تتذكر ملكة بداياتها تضحك؛ وتشعر بالامتنان لكل مغامرة أو ورطة أمدتها بالعزم وها هي اليوم تحقق جزءاً من أحلامها؛ “في أول فعالية نظمتها كان عدد المدعوين 350 شخص؛ احترق الطعام؛ وكانت كمية الأرز التي وضعتها في القدر كبيرة جداً؛ إنها المرة الأولى التي أطهو فيها لعدد كهذا؛ قررت أن أتخطى المأزق بأعلى جرأة؛ وزعت الأرز في قدور صغيرة لا سيما أن الذي على الوجه لم يكن قد نضج؛ ثم وضعت فحمة؛ كي يختلط طعم الحرق بالفحم؛ وبهذه الحيلة بدت نكهته مُدخنة وليست محترقة أي أشبه بــ الأرز البخاري؛ لم يكن أمراً مرضيا بالنسبة لي؛ والغريب أن المدعوين أخذوا يسألون بإطراء: (ماذا فعلتِ بالأرز ليصبح شهيا هكذا)؛ إنه توفيق وفضل من الله”.

“العيد” هو آخِر مقطع في حديثنا مع امرأة تعتز بزوجها إلى درجة أنها تعتبره يؤدي دوراً موازياً لدورها فيصنعان التألق جنباً إلى جنب؛ عبر توليه مهمة التسويق لشركتهما وتنظيم العلاقة مع الزبائن.

وإن رائحة الكعك ستفوح من مئزرها عما قريب؛ وهذا ما تختم به: “حين تحل هذه المناسبة؛ أوصل للألمان رسالة مفادها أن “العيد السعيد” هو هديتنا التي يكافئنا الله عليها بعد كل واجب ديني؛ إنه الهدية الجماعية لكل من صاموا؛ وبالتأكيد لكلٍ منا هديته الخاصة من ربه وفقا لعمله؛ لكن الحلويات هي هديتنا للحياة؛ ألا نتمنى دوماً أن تكون حياتنا حلوة مثل السكر؟؛ لذا نبدأ أول يوم في العيد مثل السكر”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد