ثقافة

عرض “المرقوم”: معالجة فنية للتراث القفصي بين بنيوية الشكل وميثيولوجيا الأثر

رمضان ميم

 

ينسج “المرقوم” خيوطه من رحم التراث، بألوان وأشكال مختلفة، حيث لكل مرحلة خصائصها المستمدة من امتداد أجيال سعت إلى إحياء هذه الحرفة اليدوية التي كادت تضمحل لولا حرص أبنائها.

تطورت الحرفة وأضحت عرضا فنيا موسيقيا تقوم عليه وجوه شابة طموحة وأخرى اكتسبت خبرة في المجال الفني فكانت بصمتها فارقة.

عرض تم تقديمه ليلة البارحة للمرة الأولى في قاعة “الريو” بالعاصمة التونسية، بروح حماسية جمعت ثنائيات متعددة من بينها المزج بين الأغاني التراثية والموسيقي الغربية.

 

موسيقيون وفنانون وراقصات أثثوا العرض بلباسهم التقليدي الخالص من أصالة العمل وقيمة التراث. استقرت خلفهم شاشة جمعت صورا تمثيلية لسيدة تونسية أصيلة “الخالة جميلة”، استقر الوشم على وجهها، وزينت الابتسامة مبسمها في تفاعل مع “الملية” التي تلبسها في صحراء تونس لتشكل وجها آخر للمرقوم.

هو عمل موسيقي فرجوي يضم 40 فنانا محترفا بين الموسيقى الفلكلورية والغربية وراقصين. ويجمع العرض بين الجانب التشكيلي البنيوي والميثيولوجي للأثر التراثي، وفق القائمين عليه. إذ بدى “إخراج “المرقوم” من طوره التراثي الحرفي كقطعة نسيج إلى طور إبداعي فني يستعان به في التصور السينوغرافي للعرض في تشكيل الفضاء وتصميم الإضاءة”.

إلى جانب ما ترويه الصور والمشاهد المنسوجة من حكايات فيها تسجيل للأحداث والممارسات اليومية.

 

 

وقد أكد، نزار السعيدي مخرج العمل لـ”ميم” أن قطعة المرقوم خاصة في سند الجبل وبالخير والقطار، من محافظة قفصة جنوب البلاد، إرث أصيل حتى أنّ والدته تنسجه.

وبحكم انتمائه الجغرافي للمنطقة وانتمائه للمسرح كهواية وحرفة، قام السعيدي بتمثل الحكايات التي وردت خلال مراحل صناعة المرقوم باعتبارها صورا قصدية ولا توضع لغاية جمالية بقدر ارتباطها بحكايات مروية شفوية.

 

 

وبذلك يكون المخرج قد حقق من خلال العرض صورة مرتبطة بالمقول التراثي الشفوي عن طريق الأغاني المقدمة.

ويعدّ نسج المرقوم ظاهرة اجتماعية تجمع بينها جملة من المراحل بداية بالجز ثم للصبغ فالالوان ومن هناك إلى القرداش ثم إلى الخيط وصولا إلى “السداية وهي مراحل تجسد كل منها احتفالية كاملة لكل من يقوم بنسجه سواء من النساء أو الرجال، لأنهم يتقاسمون الأدوار”.

 

 

“ظاهرة شجعتني للبحث مع المشرف الموسيقي عن كيفية استخراج هذه الحرفة اليدوية التقليدية إلى موسيقى وتجاوز كونها قطعة من الزربية معروفة في مكان ما في تونس”،وفق قول السعيدي.

 

 

وفي تعليقه حول الحضور الشبابي الهام خلال العرض، الذي بدا متعطشا للحن التونسي، قال إن الشباب الحاضر على الركح أو الجمهور الذي واكب العرض انتشى ليجعلنا نؤمن بالكلمة التونسية، التي لو تم استثمارها بالشكل الصحيح وبطريقة معاصرة ستصل إلى الشباب وتقنعهم وسيبجلونها على أنماط موسيقية أخرى.

 

ثنائيات العرض: متعة المشاهدة

الرهان، وفق المخرج التونسي، يتمثل في تقديم عرض مختلف بعيدا عن الأشكال التقليدية وإضفاء صبغة شبابية معاصرة مع المحافظة على الأصالة من خلال لوحات من التراث الشفوي للمنطقة للخالة “جميلة” والعمّ “السبتي”، يغوصون من خلالها في أصالة المرقوم في مراوحة بين العمق التراثي والتجديد المعاصر.

 

 

وعن طبيعة الأجيال التي أدت الأغاني خلال العرض يقول إنها كانت صورة لامتداد هذا النسيج الموروث من الأم إلى البنت ومن الأب إلى الإبن.

عاين نزار ذلك خلال جولته الفنية والموسيقية، بهدف اكتشاف مميزات كل منطقة وعملية التوريث فيها، في منطقة التوجان في محافظتي “قابس” و”قفصة”. وهو ما توج خلال العرض، بداية بالخالة “جميلة” وصولا إلى عفاف وأفراح”.

وأشار السعيدى إلى ثنائية الذكر والأنثى باعتبار أن المرقوم ليس صناعة أنثوية فقط لأن الرجل يساهم في نسجه وبذلك تم استبعاد النظرة الذكورية.

 

عرض ناجح يأمل في بلوغ العالمية

من جهته، قال نبيل بن علي، المشرف الموسيقي، عن العمل إنّ العرض ناجح بامتياز، حيث لاقى تفاعلا جماهيريا كبيرا، آملا أن يتوج العمل ويلقى المكانة التي يستحق في المهرجانات.

وأضاف أن مرقوم هو ثمرة مجهودات كبيرة لطاقم فني تدرب لمدة 4 أشهر، التف حوله مجموعة من العازفين والفنانين لبلوغ النتيجة المرجوة بعد بحث موسيقي وميداني في قطعة المرقوم في محاولة إخراجها في شكل عمل فني فرجوي،

وعن الطابع الموسيقي المميز للعرض، قال “المرقوم مليء بالألوان والأشكال فمزجنا الموسيقى التراثية مع الغربية، برؤية فرجوية على المسرح”.

 

 

آمن نبيل بهذا العمل الذي يعد أحد الاستثناءات التونسية الخالصة التي برزت من خلال تصميم المرقوم من صوف إلى قطعة كاملة.

وأكد بن علي أن العمل لم يقتصر على قفصة فقط بل شمل محافظات أخرى، لأن المرقوم تراث لامادي يمثل هوية ثقافية تونسية، لذلك اعتمد على فنانين من محافظات مختلفة سواء قفصة أو القيروان وتوزر..

 

 

رغم أهميته، عرف العرض العديد من النقائص والهنات التي وجب مراجعتها خاصة أن يطمح القائمون على العمل إلى الوصول للعالمية بتوظيف موسيقات وألحان أجنبية دون التخلي عن الهوية الأصلية. وقد اعتبرها السعيدي رحلة موسيقية للتراث التونسي الذي يمثل الحوض التي تمزج فيه مختلف الموسيقات الأخرى باعتبار أن التعبيرة الموسيقية هي تعبيرة إنسانية بالأساس، وفق قوله.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد