مجتمع

تونس.. من الحرب على الإرهاب إلى مافيا تهريب البشر

كارثة قرقنة

 

لا تزال تونس تعيش على وقع الكارثة الإنسانية التي أودت بحياة 66 شخصا الى حد الآن، بعد غرق مركبهم في مياه البحر الابيض المتوسط يوم الاحد 3 يونيو/جوان 2018، عندما كانوا بصدد اجتياز الحدود البحرية بطريقة غير نظامية من تونس نحو إيطاليا.

رغم ذلك وفيما تستمر عمليات البحث للعثور على المفقودين واستخراج جثث الضحايا، قامت قوات الحرس البحري بإحباط عملية هجرة غير نظامية اخرى من نفس الجزيرة يوم الثلاثاء 5 يونيو/جوان وإيقاف 12 شخصا منهم منظم العملية (الحراق)!

هنا تطرح تساؤلات عدة عن مدى تمكن الامن التونسي من مكافحة شبكات العصابات المختصة في تهريب البشر، والتي أصبح لها نفوذ وتغلغلت أذرعها داخل المناطق الحيوية للتهريب و “الحرقة” بطريقة تفوق خطوات الامن في إيقافها بمراحل، وليست كارثة قرقنة الأخيرة إلا دليلا قويا على أن مافيا تهريب المهاجرين هي الكابوس القادم لتونس بعد ان بدأت تتعافى تدريجيا من آثار الإرهاب.

جرائم بالجملة

سلطت كارثة جزيرة قرقنة الضوء على روايات الناجين من الموت غرقا، وكشفت، للمرة الألف تغلغل عصابات للجريمة المنظمة داخل تونس وخارجها، تنشط بصورة مستمرة،  أحد الناجين من حادثة غرق مركب المهاجرين بعرض سواحل قرقنة ، روى في تصريح لقناة  نسمة يوم الثلاثاء 5 جوان 2018 تفاصيل عن رحلة الموت،

قال  وائل، من محافظة قابس، أن صاحب المركب هو من تعمد إغراقه وقتل جميع من فيه بعد أن هدده البعض بالاتصال بالوحدات الامنية في حال لم يستجب لهم ويعود الى الشاطئ عقب تسرب الماء للمركب.

وقال لهم بالحرف الواحد”من يستطيع السباحة فليرجع للشاطئ، ومن لا يعرف السباحة لم اجبره على المجيء” ثم انقلب المركب.

 

 

وائل لا يزال تحت تأثير الصدمة، فمكافحة الغرق رفقة 100 شخص اخر تحت مركب منقلب ومحاولة السباحة بين الاجساد البشرية والخشب و العويل والصراخ، فوق ما يستطيع احتماله بشر.

تشبث وائل بالحياة هو وبعض من رفاقه الى آخر لحظة، وحالفه الحظ و نجا لكن كثيرين من رفاقه واصدقائه طواهم البحر وغرقوا.

كشف وائل أن منظم الرحلة “الحرّاق”، قام بتخزينهم في بيت مكون من غرفتين، مكثوا فيه عشرة ايام حتى تم إصلاح المركب و التحقق من الطقس، واكتشف ان المكان الذي اختبؤوا فيه هو بؤرة “للفساد والإجرام” عانوا فيه الويلات.

في الانتظار، قال وائل إنه شاهد ” وجود عصابات مختصة في نقل ”الحراقة” على متن سيارات رباعية الدفع يتنقلون في منطقة، وصفها بـ ”بؤرة فساد” ، تروج فيها الأقراص المخدرة وتشهد جميع أنواع الفساد.

و عن كيفية وصولهم الى قرقنة، أكد المتحدث أنه تجميعهم بساحل سيدي منصور بصفاقس و من ثم نقلهم على متن قوارب صغيرة في رحلات متتالية إلى ”مليتة” بقرقنة بمقابل مادي يقارب 500 دينار، أين تم تجميعهم ثانية في منزل يحتوي على غرفتين ضيقتين و كان بهما حوالي 180 نفرا من نساء ورجال يتم اطعامهم بمقابل مادي ايضا حيث يتجاوز ثمن علبة الياغورت الدينار الواحد.

 

الأمن مستتب في قرقنة..

وزير الداخلية لطفي براهم

 

طيلة اسابيع، لم يلحظ أعوان الأمن في جزيرة قرقنة (محافظة صفاقس جنوب شرق تونس)، أي نشاط مريب أو دخلاء توافدوا على القرية الصغيرة ، التي لا يتجاوز عدد سكانها 15 ألف نسمة، ولم يشتبه الإطارالأمني في وجود تحركات منظمة ل117 شخصا منهم أفارقة واجانب يقيمون معا في نفس  النزل و يلتزمون بالتواجد في نفس المكان.

لم يخطرعلى بال الامنيين، رغم ما يعرف عن الجزيرة من أنها منصة للهجرة غير النظامية، انهم أمام “ڨونة” لتخزين “الحراقة” (الڨونة هي مكان يجتمع فيه المهاجرون غير الشرعيين لانتظار الوقت المناسب للابحار الذي قد يطول أياما و اسابيع أحيانا).

باشرت  وزارة الداخلية التونسية تحقيقا  حول الكارثة الانسانية الا صباح الأربعاء 6 يونيو/ جوان 2018، إذ أعلن وزير الداخلية لطفي براهم عن إقالة عدد من القيادات الأمنية والأعوان بالجهة منهم  رئيس منطقة الأمن الوطني بقرقنة، رئيس المصلحة الجهوية المختصة بصفاقس، رئيس فرقة الإرشاد بمنطقة الأمن الوطني بقرقنة، رئيس فرقة الشرطة العدلية بمنطقة الأمن الوطني بقرقنة، رئيس فرقة الشرطة العدلية بمنطقة الأمن الوطني بصفاقس المدينة

كما أمر أيضا بإقالة عد من إطارات الحرس الوطني وهم: رئيس منطقة الحرس الوطني بصفاقس، رئيس فرقة الأبحاث والتفتيش بمنطقة الحرس الوطني بصفاقس، رئيس فرقة الحدود البحرية بقرقنة، رئيس فرقة أمن السفن والركاب بصفاقس، ورئيس مركز أمن السفن والركاب بصفاقس.

هذه  الإقالات تمت على أساس التقصير في تحمل المسؤوليات، في انتظار نتيجة التحقيق الذي أمر بفتحه وزير الداخلية بعدما تحول أمس الثلاثاء 4 يونيو/جوان على عين المكان.

رغم أن الجهود الامنية التي تقوم بها تونس على مستوى وطني ودولي بالتنسيق مع إيطاليا للحد من جرائم تهريب البشر وما يرتبط بها من أنشطة اجرامية اخرى، إلا أن ثمة حاجة ماسة لاتخاذ اجراءات داخلية أكثر حزما داخل سلك الامنيين وحرس الحدود  وتشديد الرقابة لا على المناطق الحيوية للعبور فقط ، بل على المراكز الامنية المحلية التي تقع في خطوط التماس مع المهربين، لضمان عدم وجود” تقصير وإهمال ” مرة اخرى يكلف حياة العشرات والمئات من الشباب.

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد