اختيار المحررينثقافةغير مصنف

“العيطة” المغربية : فنّ مقاومة المحتل

تراث مغاربي

 

تتميّز المملكة المغربية عن بقيّة الدول العربية بتراثها ومكونات ثقافتها المتعددة، ثقافة جمعت بين مكونات إسلامية عربية، وأمازيغية صحراوية، إفريقية وأندلسيةانعكس هذا التعدد على التراث الموسيقي المغربي الذي تنوّع بين  إيقاعات مختلفة افريقية وأندلسية وأمازيغية وغيرها، وتعكس هذه الإيقاعات والأنغام الثراء العرقي والثقافي وهو ميزة الهويّة المغربية التي لم تقتل أو تلغي إحدى أجزائها بل انفتحت على الجميع ووظفت هذا الاختلاف من أجل بناء الشخصية الجماعية.

 

تعتبر “العيطة” من أهمّ التعبيرات الفنيّة الشعبية بالمغرب وهي إحدى أقدم الأشكال الفنيّة والتي يعود تاريخها إلى وفود القبائل العربية بعد الفتح الإسلامي وقد امتزجت بمكونات الثقافة الأمازيغية مما جعلها مختلفة عن بقيّة الأنماط الموسيقية.

شهدت العيطة رواجا كبيرا في فترة الاستعمار بعد أن تمّ توظيفها كشكل من أشكال المقاومة ضدّ المحتل، إثر  التضييق على حركات المقاومة والثوّار وملاحقتهم من طرف المحتلّ الفرنسي عمد السكانّ المحليون إلى اختراع آليات مقاومة ذاتية تمكنهم من الاستمرار في المقاومة والتشبث بالأرض، فكانت “العيطة” وسيلتهم  التي تضمنت رسائل  مشفرة لا يفهمها سوى المغاربة أبناء الأرض.

 

تعني العيطة في اللهجات المحلية بشمال إفريقيا الصراخ، العياط وقد اشتق منه لفظة العيطة.ويتطلب هذا الفنّ قوّة الصوت ليس من السهل على أيّ مطرب أن يؤدي هذا النوع من الغناء ويغني العيطة الرجال والنساء على حدّ السواء بشرط توفر الصوت القويّ. ينتشر هذا الفنّ بعدّة مناطق من المغرب،وهو ما أنتج بعض الفروقات الطفيفة والناتجة عن اختلاف المناطق المغربية.

توجد أنواع مختلفة من العيطة أهمها “العيطة المرساوية”  بالدار البيضاء و”العيطة الجبلية” وتنتشر  بمدن الشمال و” العيطة الحوزية” بمراكش، وبالرغم من التمييز في أنواع العيطة حسب الأقاليم التي تنتمي إليها إلا أنّها تعتمد على نفس الآلات الموسيقية مثل الكمان ويطلق عليه الكنبري والتعريجة والدفّ والدربوكة.

 

 

يطلق على مغني العيطة “الشيخ” وعلى المغنية “الشيخة” ومن أشهر الفنانين الذين أدوا هذا النوع الشيخ عبد الله البيضاوي وسعيد الصنهاجي والشيخة  “فاطمة خربوشة” والتي كتب حولها عشرات المقالات والبحوث التي تناقلت وطنيتها وعداءها الكبير للمحتل  الفرنسي وللخونة معلنة العصيان في فنّها.

ل”العيطة” طقوس وآداب تنظم هذا النوع الموسيقي، من الضروي أن يكون العزف جماعيا والغناء فرديا إضافة إلى وجود الرقص. يبدأ المغني بالنداء أو ب”العيطة ” ويستوجب النداء الأوّل انتباه واستماع الجميع ويطلق على هذا الطقس  ب” الفراش ”  في العيطة الجبلية ، ثم ينخرط فيما بعد الحاضرون مع المغني في أداء الأغنية عزفا وغناء ورقصا.

 

 

أشار الباحث المغربي عبد العزيز بن عبد الجليل  في مداخلة له حول “العيطة ” إلى أنّ هذا النوع الموسيقي يبدأ بنداء ويتخلله فيما بعد نداءات، ويعود هذا إلى بنية العيطة التي تعتبر قصة مفتوحة قابلة للتحوير والإضافة.

تناولت العيطة مواضيع مختلفة تنوعت بين الوطن والحبّ والفرح والحزن ومن أشهر قصائد العيطة قصيدة ” العلوة ” والتي تناولت موضوع الأرض وتعني العلوة الهضبة المرتفعة وقد تغنت هذه القصيدة بالأرض والأولياء الصالحين وقد غناها الشيخ أحمد ولد قدور من أجمل ما جاء فيها : الغادي العلوة  اجي نوصيك بعدا، إلا  لحكتي “وصلتي” سلّم وفي العلوة لا تتكلم، العلوة ومواليها والصلاح إلي فيها. ويطلب فيها الشاعر من يزور العلوة أن يكف لسانه بالأذى فهو في أرض مقدسة وطاهرة تحتضن أضرحة الأجداد الصالحين.

 

 

وتغنى “العيطة” في مناسبات الأعراس والختان وأيضا في المواسم الفلاحية والمهرجانات وقد أصبح لها صدى كبير في بعض دول العالم، ويعود نجاح العيطة اليوم إلى محاولات بعض الفرق المعروفة ك “ناس الغيوان ” في التعريف بهذا النوع الموسيقي والانتصار للثقافة الشعبية التي لطالما كانت محتقرة من النخب أنصار الثقافة العالمة.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد