اختيار المحررينثقافة

أغاني الراب التونسية عن “الحرقة” .. كونشرتو الموت الأزرق البارد

الهجرة اللاشرعية

 

الأم تودع وليدها في عتمة الليل، تنظره وهو يحمل حقيبة خفيفة،  وحقدا و يأسا يلوح في عينيه على البلد واهلها

في قلبها حرقة لم تستطع ان تعلنها، بل وأدتها وهي تجمع له ثمن “الحرقة” من مصوغها، بينما قبّل هو رأسها ووعدها بالعودة، ثريا محترما كما حلمت به ان يكون، وأن يعوّضها الفقر والحرمان وذهاب الأمل وبؤس المصير.

 

هكذا تصور أغنيات الراب التونسية “الحرقة” (الهجرة غير النظامية)، تحضر الأم دائما كرمز للأمل الوحيد الباقي في بلاد قحطت أرضها وجفت ينابيع الخير فيها، فتتردت كلمات تصور البؤس وجور الحكام وظلم البوليس، مقابل زخرفة الحلم الأوروبي، فتيات جميلات ونقود كثيرة سهلة وسيارات فاخرة. ومن ثمة حلم العودة الى ارض الوطن، لاستعادة الكرامة المهدورة، فيحقق الشاب امل أهله فيه و”يفرّح الأميمة”.

 

نخمم في الحرقة في بالي..زعمة نحرق والا لالا

عايش في الدنيا زوالي .. نبكي والدمعة سيالة

 

 

هذه اغنية لفنان الراب  التونسي بلطي، منذ طرحها في شهر آبريل  السنة الفارطة، حققت 54 مليون مشاهدة على يوتيوب، تصور الواقع المرير للشباب التونسي، من بطالة وفقر وغياب للكرامة الانسانية، مقابل جنة الاحلام الموعودة في اوروبا.

يقدم بلطي في هذه الاغنية، “الحرقة” على انها الحلم، ولا يقف في وجه تحقيقه له شيء حتى دموع والدته، ويخاف الموت كبلا يتحقق حلمه، وحتى لو مات أصدقائه و رفاقه، فلن يتوانى عن مواصلة “المشوار” لتحقيق “حلمه”.

 

 

كلاي بي بي جي، فنان راب أيضا ، يحظى بعديد المتابعين والمعجبين من الشباب، يقدم “الحرقة” على انها البديل الصعي لواقع أصعب، فيقول “شقيت البحر يا خواتي ..القدر في بلادي ما لقيت..نمشي لبلاد الرومي هايم ..وحدي في الغربة نعيش..خليت الاميمة حيرانة تفكرت ولاد حومتي.. اهلي وحبابي وجيراني ..وحشة ما تفارق نومتي…وتتوالى الكلمات، تتحدث عن القوة والرجولة  والتجلّد و ضرورة العودة باموال كثيرة من العملة الصعبة لتعويض ايام الفقرو الشقاء.

يصور الحراقة أنهم أبطال، ينتظرهم الجيمع بفارغ الصبر كي يصلوا، فيلتحق بهم الفوج الآخر من العائلة او الأصحاب، لكن لا يتحدث أحد عن المجهول الذي يلقون إليه أنفسهم.

الجانب الآخر للراب

رغم أنهم يتغنون كثيرا بالحرقة، إلا ان قلة من “الفنانين” الذين خاضوا التجربة، و خبروا معنى ان السفر بين قطعتي خشب معرضة للانشطار بين الموج في أي لحظة، فهي فقط “أغنية”، كغيرها من الأغنيات التي تمليها القريحة الفنية ويتم انتاجها وتسويقها، دون النظر الى تأثيرها الفعلي على اوساط الشباب وحتى الاطفال.

ويزيد الإعلام من انتشارها وتسويقها دون اهتمام بأن هذه الاغنيات أصبحت هي الموسيقى التصويرية لأفلام الموت في البحر التي نراها كل حين.

للكلمة سلطان و حضور طاغ، وهي تسهم في تكوين الوعي المجتمعي والشبابي.  وكما يمكن للموسيقى أن تنشر الأمل  يمكنها أن تخلق حالة من الإحباط جماعية، تزيد الوضع قتامة. فالظرف صعب ودقيق والعوائق الاجتماعية تعيشها أغلب شعوب العالم، لكن الشاب لا يرى الا الحلم بالجنة الموعودة في أوروبا والقنوط من واقع لا يرى فيه الا للسواد، يعيش معلقا بين الاثنين وتغذي فيه هذين التناقضين أغاني الراب التي توغل في ترديا الواقع وتعميق الشعور بالغبن و”الحقرة” من جهة، والتوق الى اوروبا النظيفة الجميلة المتحضرة التي تتوفر فيها فرص العمل والارتقاء الاجتماعي.

لكنه لا يرى الثقوب الكثيرة التي تشوب هذه الصورة الطوباوية، وتشوهها حتى لا تكاد تبقي منها شيئا: فالعنصرية والتشرد وشبكات التهريب والدعارة التي تشكل الواقع الحقيقي للمهاجرين اللا شرعيين في أوروبا تتجه نحو مزيد من الإنغلاق على نفسها، مأزومة إقتصاديا وكارهة للآخر .. هذا إذا قدر له الوصول إلى الضفة الأخرى ولم يعد إلى أهله في تابوت خشبي، أو ينته به الأمر طعاما لأسماط البحر المتلاطم.

كل هذا لا يحضر في هذه الأغاني ورسائلها السامة.. لا شيء غير النقمة على المجتمع وحلم الجنة الأوروبية حيث الرفاه والثراء والشقروات.

هذا الإصرار الغريب على المضي في طريق نهايته معروفة سلفا، تجسده أغاني الراب التي يقبل الشباب على سماعها بكثرة، فهم يرون انها تحكي بلسانهم، وتصور واقعهم، النغمة الثورية والقدرة والعزيمة التي تحكيها كلمات هذه الأغاني تقرّب الوهم من الواقع، فتجعل الصعب مستساغا لدى الشاب، تركبه الحمية فيستسيغ اليأس حتى يدمنه ويتلذذ بالحلم بركوب البحر للوصول هناك والفرار من هنا.. ويجدّ في طلب المغامرة في عرض البحر.

لا السواد والبرد ولا شبح الغرق تفلح في أن خلع غلالة الوهم عن “الحرقة”، الامل الكاذب الذي يشد قلوب وعقول آلاف الشباب التونسي والاجنبي نحو المجهول في القارة العجوز، ويغريه بركوب البحر والتعلق بخشب مركب مهترئ يئن تحت وطأة البشر الحالمين الماضين نحو الموت او الضياع.. وقلما يفلحون في وصول الضفة المقابلة، ناهيك عن النجاح وتحقيق الذات فيها وهي تتخبط في ازماتها..

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد