مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

لم لا يهدم الفلسطينيون مخيماتهم وينتقلون للعيش في أحياء سكنية حديثة؟

بعد 70 عاماً على النكبة الفلسطينية

 

رشا أبو جلال- قطاع غزة- مجلة ميم

 

منذ هجرة الفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، الحدث التاريخي المعروف باسم “النكبة الفلسطينية“، تشكل في مناطق اللجوء الخمس (قطاع غزة، الضفة الغربية، سوريا، لبنان والأردن) 61 مخيماً، لاحتواء 957 ألف فلسطيني هجرتهم العصابات الصهيونية من فلسطين التاريخية أي ما نسبته 66% من الشعب الفلسطيني.

 

 

اليوم وبعد مرور 70 عاماً على النكبة الفلسطينية، بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين نحو 5.9 مليون لاجئ، منهم 1.5 مليون لاجئ لا زالوا يعيشون في هذه المخيمات الضيقة والمزدحمة بالسكان، يصرون على البقاء فيها وعدم الخروج منها إلى أماكن الحضر والتوسع، ويطالبون بعودتهم إلى أراضيهم المهجرة في فلسطين التاريخية عام 1948.

وتتوزع هذه المخيمات التي انشأتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا التابعة للأمم المتحدة، كالتالي: قطاع غزة (8 مخيمات)، الضفة الغربية (19 مخيماً)، لبنان (12 مخيماً)، الأردن (10 مخيمات)، وسوريا (12 مخيماً).

 

مخيم بلاطة بنابلس

 

يقول المسن نضال المعصوابي (87 عاماً) الذي يسكن مخيم جباليا شمال قطاع غزة، لمجلة “ميم”: “إن حق عودة اللاجئين إلى أراضيهم المحتلة عام 1948، مرهون ببقاء اللاجئ في مخيمه، فهذه المخيمات تعتبر الشاهد الأبرز على نكبتنا”.

وأضاف: “إذا هدمنا مخيماتنا التي تحتفظ بذكرياتنا ومعاناتنا مع التشرد واللجوء، فلن يتبقى لدى أجيالنا إيمان بحق عودتنا، فنحن نؤمن أننا هنا بشكل مؤقت، وسنعود لمدننا وبلداتنا المحتلة مهما طال الزمن”.

 

إذا هدمنا مخيماتنا التي تحتفظ بذكرياتنا ومعاناتنا مع التشرد واللجوء، فلن يتبقى لدى أجيالنا إيمان بحق عودتنا، فنحن نؤمن أننا هنا بشكل مؤقت، وسنعود لمدننا وبلداتنا المحتلة مهما طال الزمن, المسن المعصوابي

 

وتحدث المعصوابي عن بدايات سكنه في هذا المخيم، وقال: “في بدايات النكبة الفلسطينية وعقب هجرة الفلسطينيين، احتوت الأونروا اللاجئين في مساكن من الخيام، ولكن كانت هذه الخيام تقتلع مع حلول كل فصل شتاء، حتى قررت الأونروا عام 1950 تحويل هذه الخيام إلى منازل من الطوب الأحمر”.

وأضاف: “لم تكن المساكن بمعنى بيوتاً بل كان يطلق عليها اسم مأوى، إذ كانت الاونروا تبني غرفةً لكل أربعة أفراد في الأسرة، وكانت الطرق بينهم ضيقة للغاية لا تتسع لسير شخصين متجاورين”.

وأوضح المعصوابي أن الأونروا لم تعد تتدخل بعد هذه المرحلة في طريقة بناء مسكن اللاجئ الفلسطيني، إذ سمحت للاجئين تطوير هذه المساكن بحسب ما يرغبون، إذ حول لاجئون مساكنهم إلى بيوتاً مسقوفة بالاسبست، ومع مرور الزمن بنى معظم اللاجئون مساكنهم بالإسمنت.

 

علي هويدي

 

علي هويدي، مدير عام الهيئة (302) للدفاع عن حقوق اللاجئين ومقرها في لبنان، قال إن تمسك اللاجئ الفلسطيني بمخيمه، ينبع من إيمانه بحق العودة إلى أراضيهم وبلداتهم التي احتلتها إسرائيل عام 1948، وهو الحق الذي أقرته الأمم المتحدة.

ويقضي القرار الشهير رقم 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1948، بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض (وليس: أو التعويض) وأصر المجتمع الدولي على تأكيد قرار 194 منذ عام 1948 أكثر من 135 مرة ولم تعارضه إلا إسرائيل، وبعد توقيع منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاقية أوسلو عام 1993 عارضت أمريكا هذا القرار الأممي.

وأضاف هويدي: “هناك تمسك فلسطيني بالمخيمات التي تعتبر رمزاً للنكبة وللهجرة، وشاهداً من شواهدها، وهذا ما يبقي قضيتهم حية، أما إذا خرجوا اللاجئين من هذه المخيمات للاستقرار خارجها فإن قضيتهم ستصبح أكثر ضعفاً”.

 

طفل يطل من باب بيته في مخيم الشاطئ

 

العودة إلى فلسطين التاريخية، بات مطلباً ملحاً اليوم وخاصة في قطاع غزة، الذي شهد في 30 مارس الماضي، انطلاق مسيرات العودة الكبرى المستمرة حتى يومنا هذا على الحدود الشرقية لقطاع غزة، وتطالب بتنفيذ قرار عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين التاريخية عام 1948، وسط تأييد الفصائل الفلسطينية وخاصة حركة حماس التي تسيطر على غزة.

 

حالة الصراع داخل الدول العربية التي تستهدف المخيمات الفلسطينية، تهدف بشكل واضح لتفتيت كتلة اللاجئين الفلسطينيين وزعزعة إمكانية عودتهم إلى أراضيهم التي هجروا منها عام 1948, ياسر علي

 

المسن أبو رامي اللبابيدي (81 عاماً) يصطحب كافة أبنائه وأحفاده للمشاركة في مسيرات العودة كل يوم جمعة على الحدود الشرقية لقطاع غزة مع دولة الاحتلال.

يقول اللبابيدي الذي يعيش في مخيم البريج وسط قطاع غزة لمجلة “ميم”: “أنا كغيري من اللاجئين، سأبقى في المخيم حتى يحين موعد عودتي، وإلى أن يحين ذلك سأبقى أطالب وأنادي بعودتي إلى مدينتي يافا التي هاجرنا منها هرباً من مذابح العصابات الصهيونية عام 1948″.

تشجع حركة حماس وإلى جانبها بقية الفصائل الفلسطينية الأخرى، اللاجئين على البقاء في مخيماتهم وعدم مغادرتها إلى أن يحين وقت عودتهم إلى أراضيهم المحتلة، فرئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، بقي مقيماً في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة الذي ولد فيه عام 1963، حتى عندما تولى منصب رئيس الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة بين عامي (2006-2014)، ولم ينتقل للعيش في أي مكان آخر حتى يومنا هذا، في رسالة مهمة إلى اللاجئين بأهمية التمسك بمخيماتهم.

 

اسماعيل هنية أثناء جلوسه على عتبة منزله بين أزقة مخيم الشاطئ

 

ولتعزيز مكانة المخيم في نفوس الفلسطينيين، احتضن مخيم الشاطئ في إبريل 2014 اجتماعاً تاريخاً بين حركتي فتح وحماس وفصائل أخرى، تخلله التوقيع على اتفاق المصالحة الفلسطينية الذي حمل اسم المخيم (اتفاق الشاطئ) والإعلان عن تشكيل حكومة فلسطينية توافقية.

مخيم الشاطئ يعتبر ثالث أكبر مخيمات اللاجئين الثمانية في قطاع غزة، وواحد من أكثر المخيمات اكتظاظا بالسكان،  ويقع على شاطئ البحر المتوسط، ويبلغ عدد سكانه أكثر من 84 ألف لاجئ، يسكنون جميعهم في بقعة لا تزيد مساحتها عن 0.52 كيلو متر مربع فقط.

بالعودة إلى علي هويدي يقول إنه على الرغم من صمود اللاجئ الفلسطيني في مخيمه، إلا أن حالة هذه المخيمات متردية للغاية، إذ تشهد تراجعاً مستمراً في مستوى الخدمات الإغاثية والصحية والتربوية والاقتصادية، وهو ما انعكس بشكل سلبي جدًا على حياة اللاجئين بصورة مباشرة.

 

الأوضاع تزداد سوءا في مخيمات اللاجئين.
الصورة من مخيم الشاطئ للاجئين

 

بحسب دراسة أعدتها الجامعة الأمريكية في بيروت بالتعاون مع وكالة “الاونروا” حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، ونشرت في حزيران 2016، فإن معدلات الفقر بين فلسطينيي لبنان البالغ عددهم 495 ألفاً بلغت 65%.

ولفت هويدي النظر إلى أن الظروف السياسية في الدول العربية أجبرت الآلاف من اللاجئين على ترك مخيماتهم بعد عقود من العيش داخلها، على غرار ما جرى مع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وخاصة في مخيم اليرموك.

يعتبر مخيم اليرموك في ضواحي دمشق أحد أهم وأكبر مخيمات اللاجئين في سوريا، وكان يقيم فيه نحو 144 ألفاً، وفق تقديرات الأونروا، لكن لم يعد يقيم فيه سوى ثلاثة آلاف فقط بسبب الصراع الدائر هناك.

يرى مسؤول ملف اللاجئين في حركة حماس بلبنان ياسر علي، أن حالة الصراع داخل الدول العربية التي تستهدف المخيمات الفلسطينية، تهدف بشكل واضح لتفتيت كتلة اللاجئين الفلسطينيين وزعزعة إمكانية عودتهم إلى أراضيهم التي هجروا منها عام 1948.

 

ياسر علي

 

وقال علي لمجلة “ميم”: “ما يجري في الدول العربية هي مؤامرة، وجزء من هذه المؤامرة يستهدف اللاجئين الفلسطينيين، وتهدف لتذويبهم في دول لجوء أخرى في العمق الأوروبي، وتوزيع وجودهم على دول العالم بدلاً من دول الطوق (دول الجوار)”.

وأضاف: “هذه المخيمات التي لطالما بقيت شواهد على النكبة الفلسطينية، تتعرض لنكبات سياسية واجتماعية واقتصادية متلاحقة بهدف هدمها وإنهاء وجودها، لكن تمسك الفلسطيني بحق عودته يقوده للتمسك ببيته داخل المخيم”.

تابع علي: “اللاجئ في مخيمات اللجوء، كان يملك أملاكاً ومساحة كبيرة من الأرض في بلدته الأصلية التي هاجر منها عام 1948، ولكنه اليوم يعيش في منزل ربما لا يتجاوز مساحته 100-120 متر مربع، فهذا الواقع يجعله متمسكاً أكثر بحق عودته لأرضه وبلدته التي نشأ عليها”.

العودة بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين كانت ولا تزال حلماً يمكن تحقيقه، فالكثير من الأعمال الفنية الفلسطينية تحدثت عن هذا الحلم، وجاء بعض من ذلك في أغنية للمنشد الفلسطيني عبد الفتاح عوينات، قال فيها:

 

عالخيمة كتبنا الوعد راح نستنى رجعتنا

خبينا كوشان الأرض بين سنين غربتنا

وخلينا مفتاح الدار بالصدر وبين الأسرار

والله وإن طال المشوار إلنا حق بعودتنا

فارقنا البلد صغار وكبرنا وشيبنا

ما نسينا طريق الدار ولا بين الخلق ذبنا

بدمع الشوق والتذكار راسلنا حبايبنا

وأسامينا بتظل هناك محفورة بزيتونتنا

وبليل المخيم كان عشق بلاده أغانينا

وغزلنا للوطن ألحان تصبرنا وتواسينا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد