منوعات

عباس بن فرناس.. بين الجنون والإبداع

د. عمر الشريف- مجلة ميم

 

عباس بن فرناس، الرجل الذي ارتبط اسمه بمحاولة الطيران الأولى للإنسان بعد أن صنع لنفسه جناحين من الريش على هيئة أجنحة الطيور، وصعد إلى تلة في منطقة الرصافة، من ضواحي قرطبة بالأندلس (غرب أسبانيا)، قرب جبل العروس، واندفع منها في الهواء طائراً، على مشهد من أهالي قرطبة الذين احتشدوا لمشاهدة المغامرة الخطرة، واستطاع الطيران لمسافة بسيطة عن المكان الذي انطلق منه.

لكنه لم يحسب حساب الهبوط، فسقط على الأرض وأصيب في ظهره وكان فى أواخر الستينيات من عمره، عاش بعد محاولته الطيران 11 عاماً حتى توفي عام 873م بقرطبة.

 

 

لم يقم ابن فرناس بتجربته الخطرة بوحي من الخيال، بل أنجز ابحاثا وتجارب عدة درس خلالها ثقل الأجسام ومقاومة الهواء لها، كما راقب الطيور لفترة، وكانت ضريبة حلمه كسور في ظهره واتهامات له بالجنون..

لكنه دخل سجلات التاريخ كأول من حاول الطيران في الجو، وفتحت محاولاته الباب واسعاً أمام كل من جاء بعده في عالم الطيران، فبعد عدة قرون تم اختراع البالون ثم الطائرة بواسطة الأخوان رايت.

 

من هو؟

ما لا يعرفه الكثيرون هو أن ابن فرناس أحد عباقرة العالم الذين أثروا البشرية باختراعاتهم. هو أبو القاسم عباس بن فرناس بن ورداس، ولد عام 805، يعود أصله إلى أسرة أمازيغية، نشأ بقرطبة التي كانت منارة العلم والأدب، ومركزاً للحضارة الإسلامية في أوروبا لقرابة خمسة قرون، فتعلم في كتاتيبها القرآن والشعر وعلوم اللغة، وبرع في علوم الكيمياء والطبيعة والفلك، إلى جانب الشعر والأدب والموسيقى، وعاصر أيام الحكم بن هشام أمير الأندلس (المتوفى سنة 832م) ووولده عبدالرحمن ثم حفيده محمد.

 

قرطبة

 

اخترع صناعة الزجاج من الرمال والحجارة، فانتشرت بعده صناعة الزجاج بالأندلس. كما قدم للبشرية عددا من الآلات الفلكية الدقيقة بعد أن عكف على الدراسات الرياضية والفلكية، فراقب النجوم والكواكب في أفلاكها ومداراتها، واستحدث لنفسه الآلآت التي تساعده على رصد حركاتها ومما صنعه آلة اسمها “ذات الحلق” وقد رفعها إلى عبد الرحمن بن الحكم بن هشام أمير الأندلس في ذلك الوقت، وآلة أخرى لمعرفة الأوقات، وهي عبارة عن ساعة مائية سماها “الميقاته” ورفعها إلى الأمير محمد بن عبد الرحمن، وهي التي تقوم مقام الساعة في عصرنا.

 

 

بنى ابن فرناس غرفة نموذج يحاكي السماء، يرى فيها الزائر النجوم والسحاب والصواعق والبرق، التي كان يصنعها من خلال تقنيات يديرها من معمله أسفل منزله، لكنه عُرف في بداية حياته بالشعر والأدب قبل أن يظهر في ميدان العلوم، فكان يحتل بين شعراء عصره مكانة متميزة، كما كان طبيباً بارعاً حيث درس الطب والصيدلة، مما جعل أمراء بني أمية يتخذونه طبيباً خاصاً لمعالجة أبناء الأسر الحاكمة والإشراف على صحتهم لشهرته وحكمته فى إرشاداته الطبية الخاصة بالوقاية من الأمراض.

 

 

وُصف ابن فرناس بحكيم الأندلس لكنه تعرض لمحنة شديدة عندما تعرض للإضهاد والطعن في عقيدته ورميه بالزندقة، إذ أثار بأبحاثه واكتشفاته حسد الفقهاء والمنافسات الشخصية، فتم إعتقاله وقُدم للمحاكمة بالمسجد الجامع أمام قاضي قرطبة سليمان بن أسود الغافقي، واجتمع حشد من العامة للشهادة عليه. وكان الناس في القرون الوسطى ينفرون من المشتغلين بالكيمياء ويتهمونهم بالسحر، فمنهم من قال سمعت ابن فرناس يقول: “مفاعيل مفاعيل”، ومنهم من قال: “رأيت الدم تفور من قناة داره ليلة ينير”، لكن القاضي الغافقي كان صاحب فكر مستنير فلم ترقه تلك الترهات، ولم يجد ما يؤخذ على ابن فرناس وبرأه من التهمة وأطلق سراحه.

 

 

تكريماً له أطلقت “ناسا” وكالة الأبحاث الفضائية الأميركية اسمه على فوهة قمرية عتيقة تُعرف بفوهة “بن فرناس القمرية” ويبلغ عرضها حوالي 89 كيلومتر، كما أطلقت ليبيا اسمه على طابع بريدي وأُطلق اسمه على فندق مطار طرابلس، وفي العراق وضع له تمثال على طريق مطار بغداد الدولي، وسمي مطار آخر شمال بغداد باسمه، أما في إسبانيا فافتُتح جسر عباس بن فرناس عام 2011م بمدينة قرطبة على نهر الوادي الكبير، وفي منتصفه تمثال له.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد