مجتمعغير مصنف

خطر شح المياه في تونس: لماذا تجف المنابع؟

سوسن الزغواني-مجلة ميم

  

 المادتان الأكثر أهمية في حياة الكائنات هما الماء والهواء إلا أننا قد نجد كائنات تحيا دون هواء ولكننا لن نجد كائنا على وجه الأرض يمكن أن يحيا دون ماء إذ يشكل الماء مكونا أساسيا لكافة الخلايا الحيوانية والنباتية ويمثل من 60 إلى 70 % من وزن جسم الانسان. ولكن الحياة على سطح الأرض باتت مهددة نتيجة سوء استغلال الموارد المائية.

 

وتعاني 33  دولة حول العالم من مشكل ندرة المياه خاصة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي من بينها تونس وذلك لأسباب عديدة منها تغير المناخ بارتفاع درجات الحرارة وشح الأمطار وتسارع نسق النمو الديمغرافي للسكان وارتفاع نسب التحضر الذي أدى إلى إتساع المدن وبالتالي زيادة الطلب على المياه بنسب تفوق العرض.

قدرت المستويات العالمية  لنصيب الفرد من المياه بـ 1000  متر مكعب للفرد الواحد في السنة  حسب تصنيف الأمم المتحدة، وسمي هذا المؤشر بخط الفقر المائي.

ولكن في تونس تجاوزنا خط الفقر المائي بأشواط، فالموارد المائية المتاحة بصفة عامة تقدر بحوالي 4.873 مليار متر مكعب وإذا وزعنا هذه الموارد على عدد السكان، 11.4 مليون نسمة  يكون نصيب الفرد ما يقارب 427 متر مكعب في السنة، وهو مؤشر أقل بكثير من خط ندرة المياه المتعارف عليه عالميا والمقدر بـ 500 متر مكعب للفرد. وكنتيجة حتمية يمكن القول إن تونس تعاني من ظاهرة شح المياه،  وفق ما أكده عيسى حلايمي دكتور مختص في هندسة البيئة والمحيط والخبير في مجال المياه.

وبالحديث عن مشكل ندرة المياه في تونس يتبادر إلى الذهن سيل من الأسئلة:

ما الذي أدى إلى تفاقم مشكل شح المياه؟  وما تأثير ذلك على الاقتصاد؟ وهل تسعى تونس لتدعيم الأمن المائي، بدلاً من انتظار وقوع الكارثة والاستجابة للاختلالات الحتمية؟

استنزاف المياه الباطنية مشكلة حقيقية

ينص الفصل 44 من الدستور التونسي على أن الحق في الماء مضمون والمحافظة على الماء وترشيد استغلاله واجب على الدولة والمجتمع. لكن ترصد تجاوزات عديدة في هذا الاتجاه، فيتم استنزاف الثروات المائية الباطنية غير المتجددة.

ففي 2016  قدر حجم استغلال المياه الجوفية بقرابة 1705 مليون متر مكعب وهو يمثل 119  % من الموارد أي بنسبة تفوق المعدل العادي ب19 % وبالتالي تشكو الموارد الجوفية في تونس من ظاهرة الاستغلال المجحف.

في محافظات الجنوب التونسي يتم الاعتماد فقط على المياه الجوفية. وهي عموما مياه أحفورية قديمة لا تتم تغذيتها بمياه الأمطار الجديدة بسبب ندرة تساقط الأمطار التي تكون في حدود 200 ملم في السنة وتصل إلى  أقل من 100 ملم في بعض المحافظات على غرار قبلي وقفصة. ويعتبر ذلك استنزافا للثروة المائية الباطنية.

تفاقم الاستغلال المفرط للموارد المائية الجوفية بانتشار الآبار غير المرخصة، فمنذ  سنة 2011  أصبح استغلال الآبار غير المرخصة مستفحلا، وهي ظاهرة خطيرة تهدد الموارد المائية الجوفية في تونس. وتشير الاحصائيات إلى أن 21700 بئر تتركز في الجمهورية التونسية ونصفها آبار غير مرخصة.

وفي حين توجد قوانين تنظم استغلال المياه الجوفية مثل مجلة المياه الصادرة سنة 1975 إلا أن ثغرات في القانون مع عدم تفعيله أدت إلى تفاقم المشكل،  لذلك يعمل المشرع على تحوير مجلة المياه وسيتم اصدار مجلة جديدة تستجيب لمتطلبات المرحلة. وسيتم عرض مجلة المياه على مجلس النواب قريبا بعد ماتم عرضها على مجلس وزاري.

 

النتيجة= ماء شحيح اقتصاد فقير

جاء في تقرير للبنك الدولي نشر في مايو/أيار 2016 أن مشكلة ندرة المياه قد تؤدي إلى فقدان بعض المناطق حوالي  6% من إجمالي ناتجها المحلي، وتحفز على الهجرة، إذ يقال إن بلاد لا ماء فيها تهجر، ولأن الماء هو عصب الحياة، تؤثر ندرة المياه على التوازن الغذائي في البلاد وتؤدي إلى غلاء الأسعار.

ويتوقع  تقرير آخر أعدته منظمة الأغذية والزراعة، أن يزداد الطلب على الطعام بين سنتي 2025 و2030، بنسبة 50% على ما هو الآن،  بسبب زيادة تعداد سكان الأرض، والنمو الاقتصادي الذي يتبعه إقبال على مزيد من الاستهلاك، فهذا يعني أن الكرة الأرضية بحاجة إلى كمية ماء إضافية تبلغ 1000 كيلومتر مكعّب. وستضطر بذلك الدول التي تعاني من  ندرة المياه، إلى الاعتماد كليا على الخارج في توفير الغذاء.

وقال رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم “تمثل ندرة المياه تهديداً خطيرا للنمو الاقتصادي والاستقرار في جميع بقاع العالم. وإذا وقفت البلدان مكتوفة الأيدي في اتخاذ إجراءات لتحسين إدارة الموارد المائية، فإن تحليلنا يشير إلى أن بعض المناطق التي تضم أعداداً كبيرة من السكان قد تعاني فترات طويلة من نمو اقتصادي سلبي”.

فماهي السياسات التي وضعتها تونس لإدارة المياه إدارة مستدامة خلال السنوات المقبلة؟ وما مدى نجاعتها؟

 

استراتيجية الدولة لمجابهة خطر شح المياه

تتجه تونس إلى تعبئة المياه غير التقليدية ضمن استراتيجيتها لمجابهة خطر شح المياه، على غرار تعبئة المياه المستعملة المعالجة والتي يجب أن تستجيب لمواصفات فنية معينة  ويمكن استعمالها في المنتزهات وري الأشجار المثمرة  أو استعمالها في القطاع الصناعي.

 

محطة تحلية مياه البحر بجربة

كما تتم تعبئة المياه غير التقليدية عن طريق إرساء محطات تحلية مياه البحر. ومع بداية الشهر الجاري، أعطى رئيس الحكومة يوسف الشاهد إشارة استغلال محطة تحلية مياه البحر بجزيرة جربة، وهي الأولى من نوعها في تونس، وستعمل هذه المحطة على تحقيق الاكتفاء الذاتي للجزيرة من المياه وتخفيف وطأة نقص المياه بكامل محافظات الجنوب.

 

محطة تحلية المياه البحرية بجربة

وفي هذا السياق، قال الشاهد إن “التوجه نحو تحلية مياه البحر انتهجته الحكومة لمجابهة شح المياه” وأشار إلى أن الدولة تعمل على إنجاز مشاريع مماثلة بولايات سوسة وصفاقس وقابس، مؤكدا أن الدولة تسعى إلى وضع الاعتمادات اللازمة لمثل هذه المشاريع الكبرى، وفق تعبيره.
وأشار المدير العام للشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه مصباح الهلال الى ان نقص المياه بالجنوب ونقص مياه الأمطار فرض البحث عن تعبئة الموارد غير تقليدية.

 

عيسى حلايمي دكتور مختص في هندسة البيئة والمحيط والخبير في مجال المياه

 

وحول هذا المشروع، قال الخبير في مجال المياه عيسى حلايمي إن “تحلية مياه البحر عملية مكلفة لا من ناحية التجهيزات ولكن من ناحية كلفة انتاج المتر مكعب لذلك سيقتصر المشروع على تزويد المنطقة بمياه الشرب”.

وأشار إلى أن “الفصل 44 من الدستور التونسي أحدث ثورة على مستوى الحقوق في الماء لأنه يكفل الحق في الماء. وبالتالي من الضروري تمتيع المواطن من الماء مهما كانت كلفته خاصة فيما يتعلق بمياه الشرب لا يتم احتساب الكلفة لأنها ضرورة لا جدال فيها تمليها الحاجة الانسانية ولا بد من التضحية بالغالي والنفيس في سبيل تزويد الناس بمياه الشرب.

وتسعى الدولة إلى تعبئة أكثر ما يمكن من المياه السطحية في السدود التلية والبحيرات الجبلية وتعبئة المياه الجوفية من خلال حفر الآبار العميقة واستكشاف الموارد المائية الجوفية غير معروفة.

وكان كاتب الدولة للموارد المائية عبد الله الرابحي قد لاحظ مؤخرا تراجع معدلات مخزون بعض السدود على غرار سد سيدي سالم من 209 إلى 182 مليون متر مكعب،  كما تدحرج مخزون كل من سد ملاق ونبهانة . وأعلن الشهر الماضي عن الانطلاق في حملات توعوية بأهمية المياه وإطلاق حملة ترشيد استهلاكها.

الحملة الوطنية لترشيد ولإستهلاك الماء 2017:
وثائقي حول تاريخ الماء في تونس

 

ترشيد الاستهلاك لتجنب الهلاك

يستأثر الاستعمال الفلاحي في تونس بالنصيب الأكبر من الاستهلاك، و 80 % من الموارد المائية المعبأة  يقع استعمالها للأغراض الفلاحية، وفي هذا الصدد، قال الدكتور عيسى حلايمي : “يجب التقليل من الاستغلال الفلاحي وترشيده للحد من التبذير”.

واتبعت تونس في ذلك استراتيجية للاقتصاد في مياه الري عبر تقديم تسهيلات على مستوى تجهيز الضيعات الفلاحية بتقنيات الاقتصاد في الري كتقنيات الري قطرة قطرة بأن يدفع الفلاح فقط 40 % من كلفة التجهيزات المعدة للري.

واعتبر حلايمي أن حملات ترشيد الاستهلاك بدأت تأتي أكلها خاصة فيما يتعلق بمياه الشرب لأن كلفة المياه تأثر على المواطن الذي كلما استهلك أكثر دفع أكثر، حيث وضعت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه سياسة صارمة، وإذا يتجاوز الاستهلاك 20 متر مكعب تتضاعف كلفة المياه وكانت استراتيجية ناجعة جعلت المواطن يتحكم في الاستهلاك.

توصيات

يجب على رجال السياسة والسلطة التشريعية وصانعو القرار إيجاد رؤية استشرافية للمستقبل تأخذ بعين الاعتبار ثلاثة متغيرات وهي عدد السكان ومستوى المعيشة والتغيرات المناخية والتي تؤثر مباشرة على الموارد المائية.  كما ينبغي تكريس مبادئ التنمية المستدامة والحفاظ على الموارد المائية للأجيال المستقبلية. بالإضافة  إلى ضرورة التعاون بين دول الجوار في وضع استراتيجيات موحدة للمحافظة على الموارد المائية الجوفية المشتركة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد