اختيار المحررينثقافة

الشخصية التاريخية في الرواية التونسية بين الواقع والمتخيّل

أدب

 

يفضل بعض الأدباء الولوج إلى عالم الرواية عبر التاريخ من خلال شخصيات كان لها أثر كبير على المجتمع الذي عاشت فيه، أو يعملون على خلق شخصية متخيلة ويضفون عليها تاريخا مفصلا مكسوا بروح الطرافة والتجديد.

وقد احتضن بيت الرواية التونسي في إطار برمجته الرمضانية لقاء حول “الشخصية التاريخية في الرواية التونسية”، باعتبار أن هذه الشخصية تشير إلى إنجازات وبطولات أو إخفاقات لا يمكن تجاوزها، ولأن الرواية بما تمثله من جنس أدبي يعد الأكثر تعبيرا في تجربة الإنسانية. وتربطها بالتاريخ علاقة جدلية فللتاريخ “أفضال كثيرة على الرواية” و”للرواية أفضال على التاريخ” على اختلاف أبعادها.

 

في علاقة الرواية بالتاريخ

أكد الناقد رضا بن صالح خلال تقديمه لمدخل حول الرواية التاريخية، أنّ هذا الفن ظهر في أوروبا في القرن الـ19 ثم انتشر في العالم العربي في النصف الثاني من نفس القرن. حيث اعتمد الروائي على المادة التاريخية سواء كانت شخصيات أو أحداث بهدف تربوي واجتماعي وليس لغاية فنية في ذلك الوقت.

 

 

وبين أن ما يجمع بين التاريخ والرواية أكثر مما يفرق بينها، لأن الطابع النصّي يؤرخ بالضرورة من خلال كتابات ونصوص موجودة، مستشهدا برواية ” الزيني بركات” لجمال الغيطاني الذي عاد الى أعمال “ابن اياس”، أو واسيني الأعرج عندما كتب “نوار اللوز” معتمدا على السيرة الهلالية.

كما بين أن المادة اللغوية والسمة السردية والطابع المرجعي والقراءات المختلفة، من أبرز نقاط التماس بينهما.

وفي حديثه عن الرواية التاريخية التونسية، عرج بن صالح على رواية “تغريبة أحمد الحجري” لعيد الواحد ابراهم، التي استلهمت من كتاب سابق لهذا المترجم الأندلسي، حيث ضم الكتاب الأصلي 13 بابا، أما الرواية فاكتفت بـ4 أبواب أغلب عناوينها الفرعية كانت متطابقة بين النص التاريخي والروائي، حتى أن الشخصيات ذاتها أضاف عليها الروائي بعض التغييرات.

كما قال خلال اللقاء إن الرواية التاريخية في العالم العربي تقوم على 3 تصورات تتمثل في التأثر بالوافد الغربي وهو حسب الناقد الأقرب إلى الموضوعية، وتصور آخر يرى أنها مستلهمة من القصص التاريخية القديمة كـ”سيرة عنترة” و “الظاهر بيبرص”…وهو موقف مقنع وفق بن صالح.

أما التصور الثالث فحاول أن يجمع بينهما ليعتبر أن هذه الثقافة لها مصادرها ومراجعها القديمة، حرّكها التأثير الغربي.

وقسّم بن صالح، رواد الرواية التاريخية العربية إلى ثلاث أجيال وهي جيل التأسيس مع سليم البستاني، ويعقوب صروف الذين اعتمدوا التاريخ للوعظ والإرشاد، المنطق الذي تجاوزه جورجي زيدان.

ويعدّ التاريخ بالنسبة للجيل الثاني بمثابة تعزيز للانتماء في لحظة معينة على غرار نجيب محفوظ، حسنين بن عمو، محمد فريد أبو حديد.

أما الجيل الثالث فقد كتب الرواية التاريخية تحت ضغط الرواية الجديدة حسب تعبير الناقد، مما دفعها للتحوّل والتغيير، على غرار عبد الرحمان منيف، رضوى عاشور، عبد الواحد براهم، واسيني الأعرج…

 

الشخصية التاريخية بين الموجود والمختلق

قال الروائي التونسي عبد الواحد براهم، إن الشخصية التاريخية لها أثر في التاريخ، وهناك أعلام تركت بصمات هامة واستلهم منها الكتاب العديد من الأعمال على غرار ما كتبه فريد أبو حديد في “أبو الفوارس: عنترة بن شداد”، و “قهقة الجزار” لكرم ملحم كرم، التي تناول فيها شخصية المستبد، إضافة إلى ما كتبه واسيني الأعرج عن الثورة حول الأمير عبد القادر.

وتحدث أيضا عن الكتابات حول القيادة، مستذكرا عمل بالزاك عن نابليون بونابارت، و”الغروب الخالد” لحسنين بن عمو، التي تمحورت حول شخصية العلامة بن خلدون…

 

 

ويرى براهم، أنّ كاتب الرواية لا ينفكّ من استلهام هذه الشخصيات الموجودة فعليا، وإلى جانبها يوجد شخصيات تاريخية أبدعها وأعطاها حياة وأوصافا وأعمالا وأفعالا.

وأوضح براهم أن الروائي اذا تعامل مع شخصية موجودة يكون مقيدا وإذا أراد أن يتصرف عليه الاطلاع على عشرات الكتب ليبحث في كل تفاصيلها. في حين أن صاحب الشخصية المختلقة له حرية أكثر، مستذكرا شخصية دون كيشوت للإسباني سرفانتس.

وفي حديثه عن تجربته الخاصة بين أنه تعامل مع النوعين معا ففي رواية “تغريبة أحمد الحجري” كانت الشخصية نافذة بترجمتها خلال العهد الموريسكي، فأضاف عليها زخرفات وإضافات لم يسجلها الحجري في كتابه الأصلي حول علاقاته العاطفية ومكان نشأته وعائلته وطفولته.

يقول براهم أضفت عليه حتى خرج الرجل وكأنه مكتمل النمو تعرفونه منذ الصبا وهو يقرأ ثم لما تزوج وكيف هرب وهاجر الى المغرب مع إضافة شخصيات أخرى.

 

الجرأة على الشخصيات التاريخية

أكد الروائي التونسي حسنين بن عمو أن علاقته بالشخصية التاريخية ممتدة خلال مسيرته بحكم كتاباته التي ساهمت في تعرفه على شخصيات تاريخية أبدعت شخصيات جانبية.

وأوضح أنه في رواية “باب العلوج”، التي تناولت شخصية “أبو فارس بن عبد العزيز” سلطان تونس في أوج قوة الدولة الحفصية مع بداية القرن الـ15.

 

 

وكانت حسب الروائي الكبير تجربة فريدة دفعته للبحث في الوضع الذي كانت تعيشه البلاد وحال سلطانها في ذلك الوقت من خلال التفكير في انتاج ثلاثية عن دخول الـعلوج (الغرب) إلى البلاد.

ويحيل الروائي إلى شخصية عبد الله ترجمان مدير الديوان الذي جاء الى تونس وأسلم بعد أن كان قسا نصرانيا، فكتب “تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب” الذي فند فيه أقوال المسيحين وما جاء في كتبهم.

أما رواية “رحمانة” فهي شخصية متخيلة خلال فترة ضغف وانهيار الدولة الحفصية، تظهر فيها شخصية السلطان حسن الحفصي الذي استنجد بالإمبراطور الاسباني ليعينه على قومه مع الغزو التركي لتونس بقيادة خير الدين بربروس واستيلائه على الحكم والغزو الاسباني بقيادة شارلوكان.

أما رواية “حجام سوق البلاط” فدارت حول شخصية “مصطفى بن إسماعيل”، الغلام الذي أغرم به الصادق باي وكان السبب في دخول فرنسا الى تونس وفق الروائي. وقد تطلبت كتابتها 5 سنوات في شكل نص أسبوعي ينشر في صحيفة تونسية.

يقول بن عمو، إنه تجرأ على بعض الشخصيات بفضل تجربته المهنية في الوزارة الأولى التي سمحت له بقراءات متعددة. ومن بينها شخصية بن خلدون التي لا يحبها لتعاليها، ولكنه حاول الدخول لخصوصياته المجهولة خاصة في علاقته بالمرأة وبحث دون جدوى، فتوسع بخياله من خلال وصفه حين سرّ بجارية أهداها له صديقه بن الخطيب.

يقول الروائي إن التاريخ يجعل للشخصية هالة كبيرة وفي اخر المطاف لا يعدو أن يكون بشرا يتغير عنه الزمن فيأخذه للكرسي أو يزيحه عنه.

لا يختار بن عمو الشخصيات بشكل اعتباطيّ إذ يقول “أذهب الى الشخصية التي تستهويني” وينطلق في البحث الذي يتطلب منه الكثير من الجهد في التمحيص والتفحيص، وبعد الانتهاء يضيف شخصيات موازية تجيب عن أسئلة القارئ، نظرا لأن كلّ حالة تحيل الى أخرى لتكون رصيدا يجمع بين فترات من العهد الحفصي الى العثماني وفترة الاستعمار وهي لحظات فارقة، وفق تعبيره، في التاريخ التونسي.

صدر له مؤخرا “عام الفزوع 1864″، التي تمحورت حول ثورة علي بن غذاهم “باي الشعب”.

ويعتبر بن عمو أنّه دخل دهاليز التاريخ بهذه الطريقة أي من خلال الجمع بين الطابع الروائي والتاريخي فكتب وأفاد وأمتع.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد