مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

محمد المنصف باي..آخر البايات الوطنيين في تونس

 

” بابورين وسرى عالنسمة… شرّق موج الحي

هازز فوقو سيد الأمة .. سيدي المنصف باي

قولوا معايا ان شاء الله يدوم .. عالعرش الي حماه

نصرة وبشرى للمظلوم .. .ديما شعبو معاه.”

 

كلمات أغنية تغنت بمحمد المنصف باي، آخر البايات الحسينيين في تونس،  الذي توفي سنة 1948، وبوفاته فقدت البلاد ملكا استطاع ان يعيد للعرش الحسيني بعضا من هيبته التي فقدها طوال عقود من الخضوع للمستعمر الفرنسي.

ورغم فترة حكمه القصيرة التي لم تتجاوز سنة واحدة، من 1942 الى 1943، إلا ان المنصف باي استطاع ان يبقى في قلوب التونسيين و يكسب ولاءهم، لا بصفته الملكية فقط، بل بوطنيته وحبه لتونس، حتى لقّب “بحبيب الشعب”.

ماقبل المنصف باي.. الخضوع للمستعمر

حكمت الدولة الحسينية تونس قرابة 250 عام، شهدت خلالها البلاد في النصف الأول ازدهارا و تطورا وإصلاحات حثيثة لإلحاق تونس بركب الدول المتقدمة، التي توجها إعلان “عهد الامان”، أول دستور مكتوب في العالم العربي، في عهد أحمد باي. واستقلت تونس بالتدريج عن سلطة الباب العالي في اسطنبول، وكونت جيشا خاصا بها.

إلا ان السنوات القليلة التي سبقت إعلان الحماية الفرنسية كانت بداية انهيار الدولة الحسينية، فقد اتسعت الهوة بين البايات والشعب، واصبح هم الحكام الوحيد هو اعتلاء العرش، والتمتع بحياة باذخة، متناسين الازمات الطاحنة التي تعتصر البلاد، وفي خصمها وتحديدا عام 1881 أعلنت فرنسا الحماية على تونس.

قدمت فرنسا بجيوشها وعتادها، فلم يكن امام البايات حينها سوى الاستسلام للأمر الواقع.  وفرضت فرنسا على تونس تقاسم السلطة بين الباي والمقيم العام، و تقاسم الثروات والاراضي و غيرها،  الشيء الذي تحول بالتدريج الى استعمار كامل لأركان  و بقى دور الباي شرفيا لا غير.

خضع البايات الحسينيون لحكم المستعمر، ومع نهاية الثلاثينات أصبحت تونس جزءا لا يتجزأ من الدولة الفرنسية واصبح التونسيون مواطنين من الدرجة الثانية، وانقسمت الحركة الوطنية في حد ذاتها  بسبب النزاعات بين قادتها، خاصة بعد حوادث 9 أفريل و ماطر.

هاجر كثير من التونسيين الى طرابلس الليبية، وقامت فرنسا بالاستيلاء على أراضيهم، كما نفذت عمليات قمع وحشية للثورات المقاومة كثورة الفراشيش وأحداث الجلاز 1911، واعدمت عديد  القيادات المقاومة الوطنية ، كل هذا دون ان يحرك البايات ساكنا.

المنصف باي.. ملك وطني يمقت فرنسا

 

 

اتسمت علاقة المنصف باي مع المستعمر الفرنسي بالتوتر منذ عهد والده الناصر باي، الذي كان هو أيضا على خلاف دائم مع فرنسا.

مباشرة بعد توليه السلطة  سنة 1942، قدم المنصف باي مذكرة ب16 نقطة لفرنسا، أحيا فيها مطالب والده السابقة وطالب فيها المستعمر بحريات أوسع للسلطة التونسية وحاول تخفيف قبضة الاحتلال على البلد.

كما حاول ان يزيل الفرق بين الموظف التونسي والموظف الفرنسي او ما يعرف بالثلث الاستعماري وهو ما لم يكن مقبولا حينها.

الحرب العالمية الثانية

 

المنصف باي محاطًا بالأمراء والوزراء

 

عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولأول مرة، ارسل الرئيس الامريكي روزفلت رسالة الى المنصف باي، خاطبه فيها بالاحترام اللازم بحاكم تونس، و طلب منه ان يسمح للقوات الامريكية وحلفائها بالتمركز داخل الاراضي التونسية وتقديم يد المساعدة لها.

إلا ان موقف المنصف باي كان قاطعا “السيد الرئيس.. انطلاقا من المسؤولية الملقاة على عاتقنا وحرصا منا على الحفاظ على نفس المسافة من مختلف الفرقاء، نرجو أن تبقى بلادنا خارج هذا الصراع”.

في ديسمبر 1942 استغلّ المنصف باي لقاء السفير الألماني بتونس وطلب منه التدخل ليتم العفو عن زعماء الحزب الدستوري الجديد القابعين بالسجن وعلى رأسهم الزعيم الحبيب بورقيبة، ثمّ قام باستقبالهم رسميّا بعد الإفراج عنهم.

تميز المنصف باي بقربه من الشعب التونسي، ويروي مؤرخون انه سافر الى عديد المناطق داخل الجمهورية، كما كان يمتاز بتواضع نسبي، قرّبه من الشعب فأحبه، وحاول الارتقاء بالوضع المعيشي للتونسيين، رغم ان الظرف حينها كان صعبا بوجود الحرب الدائرة في الأنحاء.

وعرف عنه أيضا رفضه للتمييز العرقي والديني بين اليهود وبقية التونسيين، فقد  أرادت الإقامة العامة الفرنسية ان تفرض على اليهود التونسيين وضع نجمة صفراء لتمييزهم عن بقية السكان، فما كان منه إلا أن أجاب بأن اليهود مواطنون مثلهم مثل التونسيين المسلمين.

عزله

المنصف باي من مقر إقامته في مدينة بو الفرنسية سنة 1947.

لم تمر كراهية المنصف باي للفرنسيين ورفضه خدمة مع قوات الحلفاء في حرب لا ناقة لتونس فيها ولا جمل، مرور الكرام.   فبعد انتصار الحلفاء و دحر الألمان والإيطاليين، تم تفتيش قصر المنصف باي بحمام الانف وإهانته امام حرسه، ومن ثم عزله يوم 13 مايو 1943 وترحيله إلى الجزائر نحو منطقة الأغواط، ليقيم هناك تحت الإقامة الجبرية.

ولإتمام المسرحية، تم توجيه تهم التخابر مع الألمان له، بعدما وسّم مجموعة منهم تحت ضغط  منممثل فرنسا بتونس الاميرال استيفا، لكن يجمع غالبية المؤرخين بأن المنصف باي نفسه تبنى موقفا محايدا من الحرب وكان يفضّل عدم التورط مع اي من اطرافها.

وفي 6 جويلية 1943 أجبر تحت الضغط على إمضاء وثيقة التنازل عن العرش ونقل إلى مدينة تنّس الواقعة على الساحل الجزائري. وإثر تحرير البلاد الفرنسية من القوّات الألمانية في سنة 1945، نقل إلى مدينة “بو” بالجنوب الفرنسي.

سنة 1948، توفي المنصف باي و أعيد جثمانه إلى تونس وأعلن الحداد في كامل البلاد، ونظّمت له جنازة وطنية حاشدة ومهيبة، شاركت فيها جموع غفيرة من التونسيين الذين أبوا إلاّ أن يشيّعوه إلى مثواه الأخير بمقبرة الجلاّز، مقبرة عامة الشعب، وليس تلك الخاصة بالبايات من العائلة الحسينية.

 

 

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد