اختيار المحررينثقافة

الحدائق في الحضارة الاسلامية.. شيء من الجنة على الأرض

فنون الحضارة الإسلامية- البستنة

 

القصور الإسلامية والأبواب والعمارات والمساجد والزخارف والنقوش والخطوط، أغلب ما تبقى من الحضارة الإسلامية ومن آثارها التي بحث فيها العلماء والباحثون، وقدم إليها السياح من كل بقاع العالم، لكن قليلا ما نجد من اهتم لأمر الحدائق في العالم الإسلامي خصوصا وأنه لم يتبقى منها شيء تقريبا.

 

فلا يمكن تصور المدن الإسلامية من دون الحدائق إذ انتشرت في كل مكان، فالحديقة بنيت في المساجد والمدارس والقصور والمستشفيات، حتى أن بعض الباحثين ذهبوا إلى أن الحديقة هي الاصل والعمران تابع لها.

وقليل جدا أن تجد في بلاد الإسلام مدينة معروفة ولا يحكي مؤرخها عما كان فيها من رياض وجنان وحدائق، وكم من بلاد نزلها المسلمون فحوّلوها من خرائب إلى حدائق غنّاء، ويكفي أن كل نخيل الأندلس إنما هو من نخلة حملها عبدالرحمن الداخل من الشام، وهنا نعرف أن الحدائق التي عرفت بها الأندلس نقلت عن العرب.

الحدائق في القرآن

ليس من المستغرب، نظرا لظروف المعيشة الشديدة في المناطق الجافة في الشرق الإسلامي، أن تكون للواحات والحدائق المروية مكانة خاصة في الإسلام كما يرد في الأحاديث النبوية والآيات القرآنية.

وخير مثال على هذا سورة الرعد الآية 35 التي تلعب دورا كبيرا ويستشهد بها كثيرا: “مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكُلُها دائم وظلُّها وتلك عقبى الذين اتقوا”.

كما يرد في آيات أخرى تصوير بديع للجنة والنعمى التي بُشِّر بها المؤمنون. فسورة الإنسان مثلا لا تكتفي بذكر ينابيع تتفجر من الأرض (الآيات 5 و 6)، بل تعد أيضا بكروم وأعناب وأشجار “دانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا” (الآية 14).

العمق الروحاني

وقد اكتسبت الحديقة في العالم الإسلامي عمقها الروحاني، وجمعت بين الدين والروح والثقافة، بعد تشبعها بصورة عن فردوس السماء، في تعليق موسع على معرض في برلين حول موضوع “حدائق الإسلام” كتبت الصحفية كاميلا بليشين عن دور الجنان الأرضية على النحو التالي: “نحو مئة وثلاثين مرة يذكر النبي محمد، ناطقا باسم الله هذه الجنة حيث تجري الأنهار والخمور والحليب والعسل، وظلال الأشجار الباسقة تمنح الهناءة والبرودة والروائح الزكية تنبعث من بحار الزهور والرياحين، سكنا للأتقياء، جنات عدن فيها ورود ونرجس، نخيل ورمان ومتع وملذات سامية للصالحين في الآخرة”.

إذ كان لامتلاء القرآن والسُّنَّة بالصور الباهرة انعكاس ملموس على الحضارة الإسلامية، إذ لم تَخلُ حاضرة أو مدينة من مدن الإسلام في المشرق ولا المغرب من الحدائق الرائعة، التي تميَّز بها الحسُّ المعماري الإسلامي، منها ما كان في الأندلس وتركيا والشام، والمغرب وتونس والهند، وغيرها.

حدائق الاندلس

 

حدائق قصر الحمراء

أنشأ عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الاموية في الاندلس الرصافة، والتي تُعَدُّ من كبرى الحدائق في الإسلام، وكان قد أنشأها على غرار الرصافة التي كانت بالشام، وأسَّسها جدُّه هشام بن عبد الملك رحمه الله، وقد أتى لها بالنباتات العجيبة من كل بلاد العالم، نقل إليها غرائب الغروس وأكارم الشجر من كل ناحية.

 

حدائق قصر الحمراء

 

حدائق الهند

 

ساحات خصراء شاسعة تحيط بقصر تاج محل بأغرا بالهند

 

بلغت الحدائق الهندية أكبر إنجازاتها في ضريح تاج محل الذي شيدة الإمبراطور شاه جيهان لزوجته تاج محل، فحديقة الضريح الفخمة الواسعة مصمَّمة بأسلوب المحاور الرئيسية والفرعية المعروف باسم “تشار باغ”، ومثلها أيضًا حديقة ضريح “اعتماد” في آجرا، فالضريح يقع في أعلى شرفة في مركز الحديقة المربعة، وفي كل جهة من الجهات الأربع يوجد حوض ماء، أمام واجهات الضريح.

 

حدائق تاج محل

حدائق المغرب

في عهد الموحدين كانت العاصمة مَرَّاكش أكثر بلاد المغرب جنات وبساتين وأعنابًا وفواكه وجميع الثمرات، وكان من بساتينها: بستان المسرة والصالحية وأنشأهما عبد المؤمن بن علي، والبحائر ومنها البحيرة التي أنشأها يعقوب المنصور والتي طولها 380 ذراعًا، على جانبها الواحد أربعمائة شجرة من النارنج، وبين كل شجرتين شجرة من الليمون أو الريحان.

 

 

ولم تكن بساتين مَرَّاكش هي الوحيدة بالمغرب، فقد كانت بساتين أخرى بمكناس وفاس والمقرمدة وتازا وسلا وسبتة.

 

حدائق المجورال بمراكش المغربية

الحدائق العثمانية

بمجرد دخول الإسلام إليها أخذت الحدائق في الانتشار في ربوع  حاضرة الخلافة العثمانية، وتميزت الحدائق الأناضولية بأنها كانت تُخطَّط أولا ثم يُبنى عليها بعد ذلك، ولذلك فقد كانت قصور اسطنبول تُسَمَّى بـ(الحدائق) رغم وجود القصور داخلها.

 

حديقة يلدز الملكية

 

وقد أُدخلت المسطحات الخضراء على التكوين المعماري للمساجد في عصر الخلافة العثمانية بهدف وقايتها من أخطار الحرائق، مثل مسجد السليمانية اسطنبول.

 

حديقة يلدز الملكية

 

وللحدائق الإسلامية تقليد يمتد لقرون يجسد تعايشا بين الروح والدين والفن والثقافة، بل ويكسبها في عالم اليوم ميزة إضافية، فهي بمثابة “رئة خضراء” للحواضر كثيفة السكان، في مدن باتت حاضنات حرارية خانقة بالدخان تفتقر إلى الهواء النقي في عالم التصنيع والحداثة ومحركات السيارات.

 

الوسوم

هالة سويدي

عضو في فريق تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد