مدوناتغير مصنف

فن الكوميديا في تونس: بين التهريج والإبتذال

بقلم: نسرين اليوسفي

 

قد يأسرك الحنين إلى زمن غير بعيد تلاشت معه الأعمال الكوميدية الإبداعية الخالدة لنصحو اليوم على مضامين ربحية قائمة على التهريج والإبتذال بحجة مواكبة الواقع الحداثي. فلا يمكن لأحد أن ينكر أن الفن رسالة نبيلة تجمع بين الإمتاع والإقناع لتكوين قيمة فنية ومعالم تربوية هدفها توعية المجتمع والنهوض بالذات الفردية. لكن ما نلحظه اليوم في أغلب الأعمال الكوميدية الرمضانية هو استخفاف مبالغ فيه بعقل المتفرج البسيط وترويج لصورة نمطية منفرة، مستفزة و رديئة، حتى وإن ازدادت نسب المشاهدة تظل الجودة مغيبة.

 

لم يعد إرضاء الجمهور هو المبتغى بل أمسى تحقيق الأرباح الخيالية هو الهدف الأساسي لتحتل هذه الأعمال  المشهد الإعلامي بما تقدمه من سخرية وتهكم ومنتوج خاوي المحتوى لا يترك أي أثر قيمي أو إبداعي في نفوسنا ولا يشيد أي متعة في شعورنا.

ذلك أن المتتبع للأعمال الفنية الرمضانية هذه السنة يقف على أعمال قد تبدو في الغالب متشابهة، تعتمد على التقليد لا التجديد، خالية من أي لمسة إبداعية. كما نجد وجوها فنية متشابهة قد ألفنا حضورها في أغلب الأعمال بنفس الأسلوب دون إضافة فنية تذكر. مواضيع عديدة ورؤى إخراجية متنوعة مازلنا لم نقترب منها بعد لنسقط في فخ الإبتذال والرداءة. أعمال خالية من كل روح إبداعية وجمالية فنية ذوقية من شأنها أن تسمو بالمتفرج عن القوالب الفنية النمطية.

رداءة فنية  يمكن أن نرجعها إلى ضعف النص والسيناريو وغياب الوعي بضرورة توفر مشروع ثقافي قد يسمو بالذوات الثقافية لتكون حمالة أبعاد ودلالات قيمية تستنطق المخفي لتخرجه إلى العلن في قالب جمالي إبداعي. منتوج قد جعل القطاع الفني الكوميدي يحيد عن مساره في تهذيب الذوق وتنمية الرؤى الفكرية  لتكون الغاية الأساسية لمنتجي هذه الأعمال الترفيع في نسب المشاهدة، دون الأخذ بعين الإعتبار الدور التربوي والتأثيري لوسائل الإعلام باعتبارها وسيلة من وسائل التنشئة الإجتماعية.

 

يبدو أن الحل الأمثل للخروج من دائرة الرداءة الفنية هو ضرورة مراجعة السيناريوهات وفسح المجال للمواهب والكفاءات الشابة وتحفيزها على الإبداع والإنتاج والحد من احتكار بعض شركات الإنتاج وجشعها والمتطفلين على فن الإبداع

 

أعمال كوميدية وإن حققت نسب عالية من المشاهدة إلا أنها لم تحمل أي مضامين واضحة قد تحاكي الواقع في بعض جوانبه  بهدف الإصلاح  بل إنها تؤسس لثقافة مبتذلة لما تحتويه من مشاهد عنف وسلوكات مستفزة  قد تكتسح الأوساط المدرسية والعائلية في ظل غياب سلطة رقابية.

فرغم أن التراث الثقافي زاخر بالإبداع في شتى المجالات إلا أن المجال الفني الكوميدي اليوم يفتقر إلى عقول مبدعة من شأنها النهوض  بالقطاع الفني الإبداعي. فما أحوجنا اليوم إلى عقول إبداعية تواكب ماهو حداثي لتخرجه في قالب جمالي إبداعي يسمو بالذوق العام. لكن أغلب ما تبثه الفضائيات التونسية اليوم يعتمد فقط على التهريج والإبتذال البعيد كل البعد عن الكوميديا. لتراهن بذلك القنوات التجارية الخاصة على الإثارة و”البوز”.

يبدو أن الحل الأمثل للخروج من دائرة الرداءة الفنية هو ضرورة مراجعة السيناريوهات وفسح المجال للمواهب والكفاءات الشابة وتحفيزها على الإبداع والإنتاج والحد من احتكار بعض شركات الإنتاج وجشعها والمتطفلين على فن الإبداع. لتكتسب الفكاهة بعدا قيميا جماليا أعمق من أن يكتفي بالسطح، لأن الفن الراقي هو الذي يكسبها بعدا جماليا.. هو الذي ينظفها ويمدنها.

 

نسرين اليوسفي

مدونة من تونس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.