مجتمعالرئيسي

صيدلية الكمال، الأقدم في يافا الفلسطينية

فلسطين التاريخية

صيدلية الكمال، التي تمتلكها عائلة جداي العريقة، ظلت تمثل علامة مميزة لحي العجمي في يافا منذ حوالي 100 سنة.

بألوان خضراء داكنة، تناسب بقية ألوان واجهة المحل، كتبت بثلاث لغات، العربية، الفرنسية والإنجليزية، كلمة صيدلية، ليقوم هذا التنوع اللغوي كشاهد على تاريخ يافا، التي كانت في يوم ما أكبر مدن فلسطين، قبل سنة 1948.

وتقع صيدلية الكمال في واحد من أهم الشوارع التجارية في يافا، وهي ظلت محافظة على طابعها وخصائصها منذ افتتاحها للمرة الأولى في سنة 1924.

هذه الصيدلية التي تعاقبت عليها ثلاثة أجيال، افتتحها الأب المؤسس كمال جداي، وهو ابن واحدة من العائلات القديمة المنتمية للطبقة الوسطى في يافا، وذلك بعد أن أنهى دراسة الصيدلة في إسطنبول.

ومن الداخل، تمنح الصيدلية شعورا بأن الزمن قد توقف. إذ أن القباب في السقف والأقواس ربما تكون قد حصلت على طبقة جديدة من الدهن بعد كل فترة من الزمن، إلا أن الخزانات الخضراء الداكنة والطاولات بقيت على حالها منذ الأيام الأولى للمرحوم جداي.

وفي إحدى الخزانات البلورية، يظهر دفتر سجلت عليه كل الوصفات الطبية، التي قام كمال جداي ببيعها وتسجيلها يدويا إلى حدود سنة 1964.

الصيدلية المعجزة

واليوم، يقف الحفيد يوسف في هذا المحل، ويتبع خطى والده فخري، الذي استلم المشعل هو بدوره من الجد كمال.

هذا الشاب البالغ من العمر 34 عاما، والذي درس الصيدلة في جامعة ليفربول الإنجليزية، ابتسم إلينا عندما سألناه حول ما إذا كان قد سلك هذا الاختصاص باختياره أم أجبر على ذلك.

سجل الصيدلية يوثق كل مبيعاتها منذ 1964

وأجاب: “لا لم أجبر على ذلك، لقد نشأت في هذا المحيط، وتنفست الصيدلة”، وأشار يوسف إلى الجدران حوله، حيث تم تعليق إطارين فيهما صورتان لجده الذي يرتدي الطربوش، ووالده الذي توفي في سنة 2013.

ويقول يوسف: “لقد أردت القيام بهذا العمل، إنها لمعجزة أن تظل هذه الصيدلية موجودة”.

ومن بين كل العقبات والمشاكل التي واجهتها هذه الصيدلية، كانت التعقيدات السياسية هي الأكثر خطورة، على غرار الثورة العربية الكبرى في 1936، والتي أدت لشن إضراب بستة أشهر، أدى لشلل تام في الأنشطة التجارية والقطاع الاقتصادي بشكل عام.

تلك الثورة التي كانت نابعة من الغضب الفلسطيني من سياسات الانتداب البريطاني، والفوضى الاقتصادية، والتدفق الكبير للمهاجرين اليهود الشرعيين وغير الشرعيين، أدت لفرض الشرطة البريطانية لإجراءات عقابية ضد الفلسطينيين، مثل شن غارات ليلية عليهم، وحملة اعتقالات وممارسة التعذيب والضرب والسجن في حقهم.

وقد تم لهذا الغرض، استدعاء تعزيزات عسكرية من بريطانيا، وتدمير أجزاء كبيرة من المدينة القديمة في يافا.

إثر ذلك، حلت سنة 1948 المشؤومة، التي شهد فيها الفلسطينيون كارثة حقيقية، حيث تعرض ثلثا سكان فلسطين، البالغ عددهم حينها 800 ألف، للتهجير القسري من ديارهم على يد المليشيات الصهيونية، في حدث أصبح يسمى النكبة.

ويقول يوسف: “لقد كانت هذه الصيدلية في الماضي تتمتع بقاعدة شعبية خاصة بها، وزبائن يتمثلون بشكل خاص في السكان الفلسطينيين للمدينة. ولكن بعد ذلك، غادر جيل كامل بعد النكبة”.

وتقع يافا على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وكانت في ما مضى مدينة تتمتع بالازدهار والحيوية، ويبلغ عدد سكانها الجملي 120 ألف، منهم 80 ألف داخل المدينة و40 ألف موزعين على البلدان المجاورة. ولكن في 13 أيار/مايو 1948، تعرضت إلى حصار لمدة ثلاثة أسابيع، نفذته المليشيات الصهيونية، تلاه تطهير عرقي تعرض له الجزء الأكبر من سكان المدينة.

ويقول سامي أبو شحادة، وهو ناشط من سكان المدينة: “لقد كانت يافا أكبر المدن من الناحية الديمغرافية، وكانت أيضا الأكثر أهمية اقتصادية وتضم أكبر عدد من المراكز الثقافية العربية الفلسطينية خلال فترة الانتداب البريطاني. ولكن في 1948، تعرض 97 في المائة من سكانها الفلسطينيين للتطهير العرقي، ولم يبق منهم سوى 3900 ساكن.

تدمير عروس البحر

وحتى النسبة القليلة من السكان الذين تمسكوا بالبقاء، تمت محاصرتهم وإجبارهم على التقوقع داخل حي العجمي، الذي تحول بين ليلة وضحاها إلى سجن عسكري، محاط بالأسلاك الشائكة وكلاب الحراسة، وفرض عليه حظر جولان عسكري دام لسنتين، رغم أن الحكم العسكري لم ينته إلا في 1966.

هذا الحي، الذي كان رمزا للازدهار في وقت من الأوقات، والمبني على مقربة من البحر الأبيض المتوسط، تحول إلى ما يشبه الغيتو مع مرور الوقت، وبات يعاني من تفشي المخدرات والجريمة، بسبب إهمال السلطات المحلية وأزمة السكن.

وقد تعرضت يافا نفسها للتدمير، حيث تم طمس جزء كبير من نمطها العربي، وباتت اليوم تعرف باسم الجزء الجنوبي لتل أبيب، في إطار مخطط تم وضعه قبل إعلان دولة الاحتلال الإسرائيلي، بحسب رأي أبو شحادة الذي يقول: “لقد كانت تل أبيب مجرد حي يهودي في يافا، وفي الجنوب والشرق كانت هنالك مستعمرات يهودية مثل حولون، بيت داغان وريشون ليتسيون”.

ورغم أن يافا تم اعتبارها في قرار التقسيم الأممي في 1947 جزء من الدولة العربية، فإن المستوطنات التي زرعت في الشمال والشرق والجنوب اعتبرت جزء من الدولة اليهودية.

ولذلك يقول أبو شحادة: “لهذا السبب، فإن مدينة يافا الفلسطينية المزدهرة قرب الدولة اليهودية، كان ينظر إليها من قبل الزعماء الصهاينة على أنها تمثل تهديدا استراتيجيا لمخططاتهم ومستقبلهم، وبالتالي تم اتخاذ قرار بإفراغ المدينة من سكانها والاستيلاء عليها بالقوة”.

إلا أن كل هذه الممارسات لم تكن كافية بالنسبة للصهاينة، الذين انخرطوا بعد ذلك في عملية مسح ممنهجة للتاريخ العربي الفلسطيني في المدينة. حيث أن أسماء الشوارع والساحات تم تغييرها بأسماء أخرى لجنود وشخصيات صهيونية. كما أن المباني الفاخرة التي تعود ملكيتها لعائلات فلسطينية معروفة، تم نهبها والاستيلاء عليها من قبل مؤسسات الدولة الإسرائيلية، وتم أيضا منح منازل الفلسطينيين مجانا للمهاجرين اليهود الذين جاؤوا للتو لفلسطين.

تغريب يافا

هذه التغييرات القسرية التي تعرضت لها المدينة، مثلت جرحا مفتوحا بالنسبة لفخري جداي، وقد واجه تحديا حقيقيا للإبقاء على الصيدلية مفتوحة، وسط تلك الأوضاع المأساوية التي وجدها بعد أن عاد من الدراسة في الخارج.

حيث يقول ابنه يوسف: “بالنسبة لأبي، فإن البقاء في يافا كان مصدرا يستمد منه قوة كبيرة. فهو عاد لاستلام العمل في الصيدلية بعد رجوعه من بيروت في 1950، أين كان يدرس الصيدلة، وقد كان متحمسا للإبقاء على المتجر في نفس الحالة والطابع الذي أسسه جدي كمال، وذلك من باب الوفاء له. كما أن هذا القرار ساعده على تجاوز الشعور بالتغريب الذي تعرضت له يافا بعد النكبة”.

يوسف يقول إن جل زبائنه من الفلسطينيين القاطنين في ضاحية العجمي

ويشار إلى أن يوسف تخرج من الجامعة وعاد إلى يافا في سنة 2003، أين بدأ بالعمل إلى جانب والده، وهو يقول: “إلى حين وفاته في سنة 2013، لم يفوت والدي أي يوم عمل على مدى ستة عقود”.

وقد كان الوالد فخري يحظى بالتقدير والاحترام باعتباره رجلا متعلما وكاتبا موهوبا. إذ أنه بعد عودته من بيروت، وشهادته على ما تعرضت له مدينته العزيزة من سرقة لهويتها وطابعها، كان يصف يافا بأنها أضحت جسدا بدون روح. وقد ألف فخري كتاب “يافا عروس البحر”، كمحاولة للحفاظ على الذاكرة الجماعية للفلسطينيين، حيث عرض في هذا الكتاب التاريخ الحي لمدينة يافا إبان سنوات ازدهارها قبيل النكبة.

ويتضمن هذا الكتاب اﻷسماء العربية للمؤسسات، المباني، الشوارع، المسارح، المقاهي، النوادي الرياضية والاجتماعية، وقاعات السينما مثل قاعة أبولو التي غنت فيها كوكب الشرق أم كلثوم.

وقد ظل حب فخري لهذه المدينة بلا حدود، حيث كان قد ذكر في لقاء مع وسيلة إعلامية محلية قبل وقت قصير من وفاته: “اليوم وغدا وإلى الأبد، ستظل يافا هي جنتي، إنها أجمل مدينة في العالم، المدينة التي يحبها الغرباء ويحظون فيها بالحب أيضا”.

رمز لحقبة ماضية

ولا يزال تأثير فخري واضحا حتى بعد وفاته. إذ أنه ابنه يوسف يصفه بأنه رجل وطني وقومي، وقد رفض أن يتم ربط صيدليته بالمؤسسات الصحية الأربعة الرئيسية في إسرائيل، رغم أن هذا الأمر كان أكثر منفعة من الناحية المادية، وقد تمسك فخري بهذا القرار لأنه لم يكن يريد أي شيء يربطه بمؤسسات الدولة اليهودية.

ويشار إلى أنه تحت قانون الرعاية الصحية العامة في إسرائيل، فإن المؤسسات الأربعة وهي كلاليت، مكابي، موهيديت ولوميت، كلها تقدم الخدمات الصحية مثل إعادة التأهيل، التنويم في المستشفى والتدخل الطارئ، وصرف الوصفات الدوائية في الصيدليات، بالمجان أو بأسعار رمزية، بناء على تعاقد بينها وبين الصيدليات والمستشفيات.

ورغم هذا الامتناع، فإن صيدلية الكمال لا تزال تحقق الأرباح، إذ أن الزبائن يدخلون ويخرجون من الباب الأخضر، وأغلبهم فلسطينيون يعيشون في حي العجم، ويتجاذبون أطراف الحديث بالعربية مع بعض الكلمات العبرية، ويتبادلون الدعابات مع يوسف، الذين يبدون متعودين عليه.

ويقول يوسف: “إن يافا تتميز بالتنوع فيما يتعلق بالسكان الفلسطينيين، ولكن هذه المنطقة هنا التي نتواجد فيها، وامتدادا إلى البحر، كلها قدم إليها اليهود للاستيطان”.

الصيدلية هي الوحيدة المتبقية في الشارع التجاري بيافا القديمية

واليوم هنالك فقط حوالي 20 ألف فلسطيني في يافا، أغلبهم يأتون من البلدات الفلسطينية داخل إسرائيل، مثل أم الفحمة، الطيبة والطيرة وبير السبع.

ويشتغل يوسف بكل همة، حيث يتحرك جيئة وذهابا وراء المنضدة، ويفتح الخزانات البلورية ويسأل الزبائن أسئلة معتادة لاستيضاح الأمور، مثل “هل هذه للولد؟” “هل يعاني من الحمى؟” “هل تريد الحبوب المسكنة لشخص كبير أم لطفل صغير؟”

وقد تعرض المظهر الخارجي للصيدلية لتغييرات طفيفة، مثل ترقيمها الذي أصبح 65 بعد أن كان في أيام الانتداب البريطاني 140، وهو تغيير يعكس الغزو السكاني والسياسي الذي تعرضت له هذه المنطقة.

ولكن التغيير الأكبر يتمثل في اسم الشارع، الذي تطلق عليه تسميتان مختلفتان من قبل نوعين من السكان الذين يعيشون هنا، حيث لا يزال الفلسطينيون يتمسكون بتسمية ما قبل 1948، وهي شارع الحلوة، فيما يستخدم الإسرائيليون الاسم العبري الذي فرضته البلدية في مكان الاسم العربي، وهو شارع ييفت.

واليوم، تعتبر صيدلية الكمال هي الوحيدة الموجودة في شارع الحلوة. وبالنسبة للسكان هنا، فإنها تمثل مظهرا مريحا ومألوفا بالنسبة لهم، على الرغم من المحاولات الممنهجة لمسح هذا الموروث، فإنها تمكنت من الحفاظ على هويتها العربية الفلسطينية.

كما أنها تمثل رمزا لعودة الزمن للخلف، نحو حقبة ماضية، كانت فيها هذه المدينة الساحلية الفلسطينية توصف بأنها القلب النابض للمدينة، وكانت مزدهرة على كل الأصعدة.

وفي النهاية يقول أبو شحادة: “إن مواصلة نفس العائلة إدارة صيدلية الكمال كل هذا الوقت، هو أمر فريد في مدينة يافا”.

 

الكاتبة: لينا السعافين

مترجم لمجلة ميم- المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق