مجتمعالرئيسي

القَدَر

بقلم: محمد تولتش

 

ولد جدّي محمد تولتش عام ١٩٠٨، وعاصر حقبة  حكم امبراطوريّة النّمسا للبوسنة والهرسك، الذي جاء بعد أربعة قرون من حكم العثمانيّين، تلك الفترة كانت حافلة بالمتغيّرات الإجتماعية والفكريّة، عمل مديراً للمدرسة الدّينية بسراييفو، وكذلك  مديراً لتحرير صحيفة “جلاسنيك”. وكتب سلسلة قصصيّة نشرها تروي قصص النّاس في ذلك الزّمن، اخترت واحدة منها وترجمتها للقارئ العربي لتصوّر لمحة من حياة البشناق المسلمين آنذاك.

 

القَدَر

كان هذا قبل أربعين سنة. حينما كانت الدّنيا لا تزال في وضعٍ جيّد، مع أنّ الإحتلال النّمساويّ قد استقرّ في البوسنة منذ عشرين عاماً. في الحقيقة لم يكن يعتبر نفسه كسيّد متوّج على أرضها  ولكن لم يكن حكماًعادياً كذلك. كثير من الذين عاشوا الزّمن السّابق كانوا على قيد الحياة، الزّمن الذي شعروا فيه أنّهم الكلّ بالكلّ في البوسنة والأهمّ انّها كانت ملكهم. لم يتدخّل الإحتلال النّمساويّ في شؤونهم، فقد بقيت البيوت والمحلّات والمساجد كما هي، النّمساويّون سخّروا كل طاقاتهم ليفرضوا النّظام والقانون، وليشقّوا الطّرق والسّكك الحديديّة، ليثبتوا للعالم أنّهم جديرون بحكم البوسنة ، وبأنّهم استحقّوا أن  يتخلّى الأتراك عنها لصالحهم.

مهما قلّبت في الأمر، فقد كانت الحياة ما زالت سائرة في نسق طيّب ذلك الوقت.

فالنّاس كانوا يعملون ويكسبون بل ويغتنون و يتنزّهون، ويخبرك عنهم الخان العثماني في كيسيلاك، والمجالس الموجودة لدى منبع النّهر المسمّى “Vrelu Bosne‪”‬ ، وكذلك الصّخور عند “ vrelu Miljacke“ . صيفاً كانوا يتنزّهون في الخارج، وشتاءً كانوا يقومون بالصّيد، يلتقون في السّهرات، ويتزلّجون في الطّرقات العامّة. تعلّم أهل سراييفو التّزلّج أسفل “بوداكوفيتشا”ومنها إلى “ساغرجيا” ومنها إلى السوق الموجود في وسط المدينة ، ولكن الحكم النّمساوي منع عادة التزلّج في الميادين والشّوارع العامّة في الشّتاء، فكيف يعقل أن تتحوّل الطّرقات في اروبا لمكان للتّزلّج ؟ هذا غير حضاريّ ، والذين لم يستطيعوا التّوقّف عن هذا النّوع من اللّهو اقتيدوا للحبس.

 

 

مصطفى  تشيليغيا أو “مويو” كما يلقّبه من هم حوله، كان شابّاً وسيماً، وربما كان من أوسم أفراد أسرته المنتمين لجماعة العاملين في صناعة الجلد، كان لهم زقاقهم الخاصّ في سوق وسط المدينة.

‪مصطفى كان قد تبادل النّظرات مع ألماسا افداغيتش، و اذا لم تخدعه عيناه خيّل إليه أنها لم تكن تجده بغيضاً، ويبدو أنّها استلطفته تماماً. فهي حين يظهر لها تستجيب ، وعندما يقف لها تحت النّافذة لا تهرب ، وأكثر من مرة تناولت منه الزلابية التي يشتريها لها، للأمانة في بعض الأحيان كانت تهرب فجأة في منتصف حديثهما ، تاركة مصطفى  في انزعاج شديد وعندما يسألها عن سبب فعلها ذلك تكون اجابتها غير مفهومة وفيها ارتباك، لم تذكر ولا مرّة السّبب الحقيقي لهروبها المفاجئ ، و شعر بأنّها تخفي شيئاً، ولم يطل به الوقت قبل أن يكتشف السّبب الحقيقيّ‬

يوماً ما جاء إلى بيت ألماسا في موعد محدّد مسبقاً ولم يجدها تنتظره، انتظرها لدقائق، ثمّ لنصف ساعة، ثمّ ساعة كاملة ولم تظهر، على إثر ذلك انصرف محزون الفؤاد.

في صباح اليوم التّالي صادف ابنة خالته عائشة في البيت قبل نزوله الى السّوق، كل أفراد الأسرة استغربوا تلك الزّيارة المبكّرة لعائشة، الوالدة قلقت من أنّ أحداً قد مرض في بيت أختها،،

  •  هيا بنا عائشة ،قبل قليل استيقظنا ، فلا تهتمّي لعدم ترتيب البيت، تعالي اجلسي واخبريني، هل أمك وأبوك بخير؟
  • نعم والله،هما بخير ويسلّمان عليك، أنا جئت فقط لأنّي منذ زمن لم أركما، وأحببت أن أطلّ عليكما، وخطر ببالي أن أسلّم على مصطفى أيضاً ، قبل أن ينزل إلي السّوق
  • جيّد انّك أتيت يا ابنتي، جيّد، اجلسي سأصبّ لنا القهوة

في الحقيقة مصطفى كان قد استعدّ للخروج، وعائشة لم تكن تتوق لخالتها ولا للقهوة، كان لديها مهمّة أكبر لتنهيها، كان عليها إيصال رسالة من ألماسة لمصطفى، لذا شربت بسرعة فنجان قهوتها، ثم قفزت.

  •  إلى أين يا عزيزتي، بالله عليك أنت الآن أتيت، اجلسي قليلاً بعد.
  • لا أستطيع خالتي، لا أستطيع أكثر، سيفتقدني والدي، ها أنا قد رأيتكم قليلاً، وسآتي مرة أخرى.

خرج مصطفى ولحقته عائشة، ومصطفى شعر بأنّ لدى عائشة ما تخبره به، وهذا ما حدسته روحه.

  • عائشة ، اخبريني بلا لفّ ولا دوران ،لم جئت في هذا الوقت؟
  • ‪- سأخبرك ، صدّقني ، يبدو أنّك حزرت فعلاً
  • ‪- يهيأ لي أنّك جئت لتخبريني بشيئ.
  • نعم لديّ ، ما الذي تفكّر به؟ حول من يمكن أن يكون الموضوع؟

صمت مصطفى، ابتسامة مرّت سريعاً، واحمرّ وجهه.

  •  ‬اسمع مويو، سأخبرك شيئاً، وعليك أن تعدني الّا تحزن، وبنفس الوقت الأمر ليس مزعجاً لهذه الدّرجة.
  • قولي عائشة ،ما الموضوع ؟
  • ‪- ألماسة تسلّم عليك..

تنفّس الشّاب الصّعداء،

  • تابعي، أرجوك
  • ‪- تنصحك ألّا تمرّ عليها ثانية، لا تستطيع بسبب أمّها، هدّدتها بأنّها ستغضب عليها إذا رأتها تحدّثك مرّة ثانية.

 

مصطفى لم يسمع الجملة الاخيرة، شعر بأنّ الزّقاق كلّه يدور من حوله بما فيه من بيوت وحقول، ورأسه اتّسعت حتى شعر كأنّ هناك أصوات ما في أعماقه، ولم يستطع التّفوّه بأيّة كلمة، بالكاد فهم عندما عائشة تمتمت:

  • لا تدع نفسك تتقطّع لهذه  الدّرجة عزيزي مويو، ألماسة تحبّك ، أنا رأيت هذا، واأسفاه أمّها لا تسمح لها بالحديث معك، لكنّك لا تعرف ما هو مقدّر، ستريان بعضكما بعد كلّ هذا .
  •  شكراً لك عائشة ،الله امانت
  •  الله امانت، مويو، تعال إلينا، فسنبحث في الموضوع مرة أخرى.

 

مرّ شهران منذ ذلك اليوم، و كانا أجمل شهرين في المدينة، الخريف، عندما الله يعطي للكلّ الرّزق الوفير، وحينها معظم الشّباب يتزوّجون.

مصطفى لم يعد يعرف الليل من النّهار ،عاش منطوياً على نفسه، سرعان ما بدأ أصدقاؤه ومعارفه يدعونه للخروج والإجتماع بهم ولكنّه فضّل أن يقضي معظم وقته في الرّيف.  بحث بكلّ وسيلة عن الإنشغال هناك، فهناك كان من الأسهل له أن يحتمل آلام حبّه بدلاً من سراييفو، ففيها يعدّ السّاعات أثناء عمله للعودة للبيت ، وحين يعود لبيته شيئ ما يدفع قدميه نحو زقاق بيت محبوبته، وهكذا استمرّ الحال الي أن جاء الزّمهرير.

نزل الثّلج إلى حدّ وصل فوق الرّكبتين، وخطر ببال بعض النّاس إحياء عادة التّزلّج على منحدرات المدينة بين بيوت سراييفو على الطّريقة القديمة، هم يعرفون انّهم لن يتمكّنوا من ذلك دون إذن الحكومة، فقرّروا الذّهاب للرّئيس وللمحافظ، أخذوا وجهاء القوم، واستطاعوا سحب الموافقة من السّلطات النّمساوية.

هذا الخبر بسرعة انتشر في انحاء المدينة. وبدأت التّحركات العجولة في كل الاتجاهات، عربات التّزلّج العتيقة، والحبال والحلقات المتّصلة بها، بحث عنها سكّان المدينة في سدّة البيت ، وأعادوا تصليحها وزخرفتها ووضعوا قطعة من الجلد المحشو بالفرو على مكان الجلوس، والذي لم تكن لديه عربة تزلّج قديمة، صنع واحدة جديدة. في اليوم السّابق للجمعة صدرت أوامر لأصحاب البيوت على طرفي شارع سباق التّزلّج بأن يسكبوا ماءً بارداً أمام البيت، ليتحوّل الثلج الى جليد، ففعلوا ذلك وأضافوا للماء أصبغة ملوّنة، فاكتست الشوارع والأزقّة بألوان زاهية.

اليوم التّالي يوم الجمعة ،كان هو اليوم المشهود، الجوّ صاف والأرض قطعة واحدة من الجليد ، استعدّ مصطفى للتّزلّج مع أنّ الأمر لم يكن سهلاً لكثيرين، كان لابدّ من أن تكون محترفاً لتستطيع الإنزلاق بيسر وسرعة خاطفة، ارتدى مصطفى ملابساً جديدة، وعدّل من وضعيّة الطربوش المنمّق، وشمّر عن ساعديه، متوجّهاً للجامع .

كان الجامع مليئاً بالمصلّين المتراصّين  كحبّة رمّان، صلّوا جميعاً ثم توجهوا للطّريق، كبار العمر جلسوا على مقاعد على حافّتي الطّريق لمراقبة سباق التّزلّج، أمّا الشّباب فوقفوا بجوارهم ، والأطفال شقّوا الصّف ليأخذوا مكانهم للمشاهدة، وغيّروا أماكنهم مئات المرّات.

وظهر من بعيد موكب ذو عربتين فخمتين، كان الرئيس والمحافظ قد جاءا أيضاً لمشاهدة السّباق برفقة حاشيتهما، واستقرّ الرئيس بجوار بيت شابيتش، حيث يتواجد أكبر حاجز للقفز فوق الجليد ، وبدأ السّباق..

كل لحظة يظهر متسابق يتزلّج بسرعة البرق، وعندما يصل الحاجز فإنّه يقفز لعشرة أمتار إلى الأمام، وبعدها يختفي إلى الأسفل، كان المحافظ يراقب ويكتفي بهزّ رأسه متعجّباً من ظهور كل عربات التّزلّج هذه .

واحد من المتزلّجين تدحرج بعد قفزه عن الحاجز الكبير وكسرت يده، أسرع بعض المسعفين لإنقاذه، السيّدات لم يكنّ في الطّرقات، طبعاً، هنّ راقبن السّباق من وراء المشربيّات وستائر النّوافذ.

ألماسة كانت تراقب السّباق مثل البقيّة، شاهدت مصطفى وهو يرتقي التّلّة للمشاركة في السّباق، فؤادها خفق بقوّة واحمرّ وجهها واستحت أن تراها أمها وهي على هذه الحال، كان بودّها أن تزور أحداً من الجيران حتى لا تراها، وهي واقفة في الديفهانا سمعت صوتاً:

  •  ألماسة ، تعالي هنا لنشاهد معاً
  • لا أعرف كيف سأعبر الزّقاق، المكان مليئ بالرجال .
  • تعالي بسرعة، لا تتردّدي، ألقي على نفسك الحجاب ولن يراك أحد.

لم تتأخّر ألماسة، لحسن الحظّ أمام باب بيتهم لم يكن إلّا بعض الصّبية، أمّا الرّجال والشّباب فكانوا على بعد عشرين خطوة إلى الأعلى، المتزلّجون كانوا ينزلون متتابعين كالسّهم ،تهمّ ألماسة بخطوة ، فتتراجع خوفا من الاصطدام بأحدهم، إنتظرت أن تخلو الطّريق تماماً، خطت خطوة واحدة ،ثانية، ثالثة، وإذ بصوت صرير حلقات وصوت رجوليّ يهبّ على مسامعها، ارتبكت ولم تدر أتستمرّ إلى الأمام أم تعود أدراجها..

وفجأة أحسّت بضربة قوية على قدمها، وفقدت توازنها، وشعرت أنّها تطير بسرعة على عربة تزلّج، سمعت صراخاً وطلباً للمساعدة، دام هذا عدّة ثوان، بعد هنيهة استوعبت الأمر، كانت على حضن رجل، على حافة الطريق، فوق كومة من الثّلج، وعندما أمعنت النّظر ، لم يكن هذا الشّاب إلا مصطفى تشليغيا..

تجمّع النّاس بسرعة، ولم تدر ألماسة ماذا ستفعل، جمعت بسرعة حجابها الذي تناثر بفعل السّرعة الشديدة، قفزت وركضت بسرعة لداخل أقرب بيت.

مصطفى ما زال جالساً على عربته، ذاهلا عن نفسه كليّاً، شاهد الكثير من النّاس حوله والأرض كأنّها تهتزّ تحت قدميه، ولحسن الحظّ لمح صديقه علي هالاتشيفيتش، الذي مدّ له يده قائلاً:

  •  هيّا مويو، انهض.

وبدون كلمة قام مصطفى ومشى مع علي، ودخلا بيت علي الذي كان على مقربة من المكان، ظهرت بسرعة الليموناضة، ليتماسك الشابّ ويعود الى رشده، فما حدث ليس مزحة أبداً.

كان الخبر قد انتشر بسرعة، والنّاس قد تحدّثوا وتهامسوا بما فيه الكفاية.

علية القوم الجالسين مع الرئيس والمحافظ، كانوا أيضاً مهتمّين لما يحدث، عملوا على تكريم الفائزين بسرعة ، والسّباق كان منتهياً.

بنفس الوقت، كان بقيّة القوم قد حلّوا المسألة، عشرات منهم توجّهوا لمقهى فهيم آغا، استدعوا بسرعة والدي مصطفى والماسة.

  • حسناً، أيّها الأحباب، كلّنا يعرف لم اجتمعنا . بدأ الكلام خير السليماني، وأردف : في كلّ بلاء تكمن ثمّة نعمة.
  • لا يوجد بلاء في الموضوع، كلّه خير ،الشّكر لله . أجابه العجوز بيلالوفيتش.
  •  ليس مهمّاً ، أكمل السّليماني، كان من الممكن أن تحدث مصيبة، نحمد الله أنها لم تجر، هناك سعد كبير، أو صدقة بنيّة طيّبة دفعت البلاء، وما حدث حدث. لحسن الحظّ هو شابّ أعزب ،وهي صبيّة عزباء ولا شيئ يعاب فيهما الإثنين أبداً، وبحسب عاداتنا فلا مخرج من الأمر إلّا بزواج شرعيّ لابنينا ، أليس كذلك؟
  • هذا هو الصّحيح ولا شيئ غيره، ليمنح الله الخير للجميع. صاح بيلالوفيتش وقد تهدّج صوته من التّأثّر والسّرور.
  • هنا الوالدان موجودان، ولا شيئ يمنع من تقديم التبريكات لهما، والدّعاء بأن يمنح الله العروسين التّفاهم والصّداقة، ويهبهما الذّرّيّة والمحبّة في القلوب، والعمر الطّويل وكلّ السّرور.
  •  آمين، ارتفعت الأصوات في المقهى.

واتّجهت كلّ العيون للوالدين، حسين تشيليغيا تقدّم نحو فهمي افداغيتش، ومدّ له يده، ثمّ عانقه، وأمر بعدها فهمي بالقهوة للجميع.

في نفس الليله زفّت ألماسة لمصطفى، كلّ المدينة تحدّثت عن الأمر ، وأقيم حفل زفاف لم يبخل مصطفى فيه بشيئ، ألماسة كانت سعيدة كما لم يسعد أحد من قبل، وارتاحت الأمهات، واجتمع قلبان لأنّ هذا كان قدرهما منذ الأزل.

الوسوم

مريم تولتش

صحفية متابعة للشؤون الأوروبية ومتخصصة في البوسنة والهرسك

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.