اختيار المحررينثقافةغير مصنف

الدراما الجزائرية رمضان 2018… موسم درامي أبيض

ربيعة خريس– الجزائر – مجلة ميم

 

ضربت الأزمة المالية التي تمر بها الجزائر عمق الدراما الجزائرية، فأزمة الإنتاج المحلي تعمقت بأزمة الإمكانيات المالية التي عصفت بأكبر عملين دراميين انتظرهما الجمهور الجزائري على أحر من الجمر.

ومن الملاحظ أن الإنتاج الدرامي شهد خلال هذا الموسم عددا محدودا جدا من الأعمال, في محاولة من القنوات الحكومية والخاصة للتغطية على حالة الفراغ الذي تعاني منها, وسجل المشاهد الجزائري لحد الساعة عرض مسلسلات من الأنواع المطولة والقصيرة, لكنها وحسب المؤشرات الحالية لم ترق في مجملها إلى مستوى تطلعاته من الإنتاج المحلي.

بالنظر إلى ما يتم عرضه في مختلف القنوات العربية, فهناك تشابه كبير في المضامين والمواضيع المطروحة, تجر معظمها إلى السقوط في الملل, في وقت يعرف المجتمع الجزائري تطورات متسارعة بالنظر إلى الأزمة التي تمر بها البلاد وتفشي العنف وتنامي التطرف الفكري والديني.

الأزمة المالية تضرب عمق الدراما الجزائرية

اصطدمت الأعمال الرمضانية الجزائرية لهذا العام, بأزمات مالية ” مفاجأة ” ضربت عقر دار بعض القنوات المحلية الخاصة, وصدم الجمهور الجزائري أيام قليلة قبيل حلول هذا الشهر الفضيل بإلغاء بعض الأعمال التي شهدت قفزة كبيرة لم يسبق وأن يشهدها المشهد الدرامي في الجزائر.

وتفاعل الجمهور الجزائري بشكل غير مسبوق على مواقع التواصل الاجتماعي مع العملين الدراميين, “الرايس قورصو” و”تلك الأيام”, وأبدى عدد كبير من النشطاء تشوقهم لمتابعة هذين المسلسلين الضخمين بإخراج وديكورات قوية, لكنهم اصطدموا بإعلان قناة “الشروق” المحلية وهي الشركة المنتجة لهما بإلغائهما, وبررت ذلك في بيان تحوز مجلة “ميم” على نسخة منه بأسباب مالية بحتة.

ويعتبر العمل الدرامي الضخم “الرايس قورصو” من أكبر الأعمال الدرامية الجزائرية المميزة الذي حظي بإعجاب كثير من الفنانين والنقاد في الجزائر, نظرا للتقنيات العالية والجديدة التي اعتمدت في تصوير المسلسلين, شارك في بطولته واحد من أكبر عمالقة التمثيل في الجزائر وهو الفنان “صالح أوقروت”, يعتبر أول عمل عربي صور بالكامل في تركيا وفي ديكورات المسلسل التركي “حريم السلطان” بمدينة إسطنبول, صورت عدد من مشاهده خارج الاستديوهات على مراكب تاريخية بخليج البوسفور.

 

مشهد من مسلسل “الرايس قورصو”

 

أما العمل الدرامي الثاني “تلك الأيام” شارك في بطولته واحد من ألمع نجوم الشاشة الجزائرية ونجم السينما والدراما, حسان كشاش ونجمة ستار أكاديمي كنزة مرسلي, التي اقتحمت عالم التمثيل لأول مرة من إخراج تركي, سلط الضوء على العشرية السوداء التي مرت بها الجزائر في سنوات التسعينات, ومعاناة الجزائريين من ويلات الإرهاب.

 

 

وأطلق نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي حملة واسعة, يعلنون فيها عن رفضهم لتوقيف المسلسل الدرامي الجزائري ” تلك الأيام”, وجاءت الحملة تحت شعار “الجمهور الجزائري ضد توقف تلك الأيام”.

 

بعد النكسات … هذه المسلسلات الدرامية المتبقية

وعاد في رمضان 2018, المسلسل الدرامي “الخاوة” في جزئه الثاني, لكن بطعم جديد بسبب غياب بطل جزئه الأول والذي لعب دور كبير في إنجاحه بحسب المتتبعين للمشهد الفني في الجزائر, ومن المفاجآت التي شهدها الجزء الثاني, مشاركة الفنانة اللبنانية كارمن لبس للمرة الأولى، والممثل الجزائري العالمي سليمان دازي الحائز على جائزة أفضل ممثل في المهرجان الدولي للفيلم بالمغرب, وشاركت أيضا  الممثلة الفتية, ياسمين عماري, التي سطعت في مسلسل ” عاشور العاشر ” بتقمصها دور زوجة “الملك عاشور العاشر”, الذي أدى دور البطولة نجم الكوميديا الجزائرية صالح أوقروت، إضافة إلى الفنانة سهيلة معلم, وشهد العمل في جزئه الثاني تطورات درامية جديدة حملة إسقاطات سياسية, وتحولات في بيئة الأحداث, انتقلت أطواره من مدن وحواضر جزائرية كبرى إلى قلب الصحراء والواحات, وتروي قصة المسلسل حياة رجل الأعمال الثري كريم مصطفاوي، وانفجار خلافات ومشاكل حادة بين أفراد عائلته بعد رحيله، خاصة إثر انكشاف السر الدفين بعد عقدين من الزمن، استُنفذا في صراع قوي حول الاستفراد بالميراث والتركة الكبيرة التي تركها في الداخل والخارج.

 

 

 

ويعتبر مسلسل “عنتر ولد شداد” واحد من أكبر الأعمال الكوميدية التي أنتجها التلفزيون الجزائري, من بطولة الممثل الجزائري مروان قراوبي وتدور أحداثه, في زمن بعيد، حيث يسافر “عنتر” عبر آلة الزمن إلى أزمنة متعددة، وفي قالب فكاهي.

 

مشهد من مسلسل “عنترة ولد شداد”

“بوقرون” أول مسلسل جزائري يشاهده العرب

“بوقرون” مسلسل كوميدي تدور وقائعه بين عامي 2018 وما قبل 30 ألف سنة، تحكي مشاهده الفنتازية قصة “مسعود” العبقري الذي يخترع آلة الزمن لأخذه إلى المستقبل، لكنها تأخذه بدل ذلك إلى الماضي، لتبدأ سلسلة من الأحداث والحروب في مملكة بوقرون.

العمل من انتاج الفنانة الجزائرية ريم غزالي وبطولتها، إلى جانب كل من حميد عاشوري، نوال زعتر، موني بوعلام، فريدة كريم، فوزي سايشي وآخرين, توصلت منذ يومين شبكة ” الشروق ” الجزائرية إلى اتفاق مع مجموعة “إم بي سي” يقضي بعرض المسلسل الكوميدي الجزائري “أسطورة المماليك – بوقرون” عبر شاشة “إم بي سي 4″، وهو ما يجعله الاتفاق الأول من نوعه بالنسبة لإنتاج جزائري منذ تأسيس المجموعة, يشاهد العرب المسلسل الجزائري عبر شاشة “إم بي سي 4″، خلال أوقات 03.00 فجراً، منتصف النهار، والتاسعة ليلاً بتوقيت الجزائر.

 

مشهد من في مسلسل “بو قرون”

 

عنف وألفاظ مبتذلة في ” الكاميرات الخفية ”

ولعل أهم ما ميز البرامج الرمضانية لهذا الموسم, هو غياب أعمال فنية يمكن أن يجمع المشاهدين الجزائريين عكس المواسم الماضية, فالمتتبع لمختلف القنوات المحلية خمسة دقائق بعد الإفطار يقف على أعمال متشابهة أغلبها مقالب “ الكاميرا الخفية “, وأثارت هذه البرامج موجة انتقادات واسعة, بسبب سيطرة العنف والكراهية وأحيانا ألفاظ مبتذلة تنفر العائلات الجزائرية, ففي البرامج التي بثت عبر قناة ” النهار ” المحلية نجد الكاميرا الخفية “رانا حكمناك سبور” والتي تستهدف الرياضيين بإيقاعهم في فخ تناولهم المنشطات، ليتحول بعدها المقلب  إلى حلبة صراع بين الرياضيين ومقدمي البرنامج.

 

 

الوضع ذاته ينطبق على كاميرا خفية ” رانا صورناك ” والتي تظهر زوجان يقومان بنزهة ويطلبان من شخص ان يقوم بتصويرهما قبل أن يتفاجآ باتصال أحد بزوجته، وعادة ما تتخللها ألفاظ مبتذلة تكون خادشة للحياء.

أما الكاميرا الخفية “ردوا بالكم” التي تبث على قناة البلاد المحلية, فقد فجر ردود فعل متباينة, لا سيما وأنها تحاكي خيانة زوجية في انتظار رد فعل عنيف من الزوج ينتهي في غالب الأحيان بالعنف والضرب وتكسير للاستدويو.

 

الحنين إلى الماضي

محمد بن زخروفة

ويقول الروائي والكاتب الجزائري, بن زخروفة محمد, في تصريح لمجلة “ميم” “كنا لسنوات مضت, نجتمع حول مائدة الإفطار منتظرين أن تبث برامج انتظرناها بشوق كبير بعد مواعيد البرامج التي كانت تقدم قبل أيام من حلول شهر الصيام ،أتذكر جيدا الكميرا الخفية وخاتم سليمان ومسلسلات كنا ننتظر تتم لقطاتها في اليوم الموالي بحماسة كبيرة, كانت أحداث هذه البرامج حديث العام والخاص.

ويضيف بن زخروفة محمد, إن كل البرامج كانت في وقتها بما فيها الأخبار والبرامج الدينية والرسوم المتحرك والمسلسلات التاريخية والدراما الجزائرية, ويؤكد قائلا ” كنت أتحسر حينما تفوتني احدى البرامج, وأنتظر بفارغ الصبر وقت السحور كي أتابع ما فاتني, كونهم كانوا يضعون حسابا للأشخاص الذين تفوتهم برامج الظهيرة أو المساء.

ويرى الروائي والكاتب الجزائري بن زخروفة محمد, أن بعض البرامج التي تبث عبر مختلف القنوات الخاصة أصبحت تجسد الرداءة بكل معانيا, بعد ان اختفى ممثلون كانوا يصنعون مجد الفن, والغريب أنهم ابعدوا إهمالا ممن يرعون مجالات الفن وليس رغبة منهم, وفتح المجال أمام أشخاص يتصنعون الأدوار بمشقة وبذاءة لذلك رحم الله زمانا فنيا كما ننتظر برامجه.

 

ملء للفراغ بتكاليف أقل

ويقول في الموضوع, الإعلامي الجزائري احسن خلاص  في تصريح لمجلة “ميم” إن هناك تراجعا ملحوظا بالمقارنة مع السنوات الماضية, ويؤكد “عندنا في الجزائر ثقافة الإنتاج المناسباتي والموسمي وكأن الإنتاج الكوميدي والدرامي لا يستهلك إلا في رمضان”, ويضيف أن كل ما يبث عبر القنوات المحلية الجزائرية سواء التلفزيون العمومي أو القنوات الخاصة يؤكد عدم وجود ابداع والدوران في حلقة مفرغة, بسبب عدم وجود الأعمال التاريخية والدينية الجادة, إضافة إلى عدم احترام أذوق المشاهد الجزائري, لأنه لا وجود لاستطلاع مسبق لرغبات المشاهدين, ويضيف “هناك ارتجالية وملء الفراغ بتكاليف أقل مع توظيف منشطين وممثلين في طور التربص وأحيانا لا ثقافة لهم ولا دراية بالعمل التلفزيوني.

 

ممثلون يهجرون نحو القنوات العربية

ومن جانبه يقول الفنان والممثل الجزائري , حسان كشاش, أن عجز الدراما الجزائرية عن صناعة نجوم للشاشة المحلية مقارنة بالقنوات العربية يرجع إلى الأزمة التي تمر بها الدراما المحلية خلال السنوات الأخيرة, واضطر بعض الممثلين والفنانين إلى البحث عن مكانه لهم في العواصم العربية لإظهار ابداعهم وقدرتهم ومخزوناتهم الذاتية, ويشير المتحدث إلى أن الصناعة الدرامية في الجزائر لا تزال تفتقد إلى عائدات تكفل لها الاعتماد على نفسها, فلازالت الدولة الجزائرية هي الممول الوحيد للدراما والسينما, وهو ما يجعلها رهينة الانغلاق والتقهقر.

وكان مختصون قد توقعوا موسما دراميا أبيض في الجزائر خلال الموسم الجاري بسبب الأزمة المالية وسياسية التقشف التي طالبت التلفزيون الجزائري، وحسب التصريحات التي أدلى بها المدير العام للتلفزيون العمومي، توفيق خلادي، فإنه تم تخصيص لشبكة رمضان لهذا العام 2018, ميزانية أقل من ميزانية العام الماضي بـ 15 بالمائة, وفقا للتعليمات الحكومية الرامية إلى عقلنة وترشيد النفقات.

مقالات ذات صلة

اترك رد