مدوناتالرئيسي

“أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” لخير الدين التونسي: تأسيس لقواعد الفكر الإصلاحي التنويري

بقلم: خديجة بن صالح

This post has already been read 53 times!

 

عاد المصلح الكبير خير الدين التونسي إلى دائرة الضوء من جديد رغم مرور قرن وربع وبضع سنوات على وفاته وقد أسهم التلفزيون في إعادته أكثر وهجا وتألقا من خلال شريط وثائقي أعدته الجزيرة الوثائقية عن سيرة هذه الشخصية الملهمة وكذلك مسلسل تاج الحاضرة الدراما التونسية التي تتناول مرحلة مهمة من تاريخ تونس الحديث كان لخير الدين باشا دور مركزي فيها.

 

ولأن سيرة الرجل قد تم تناولها بشكل مستفيض فقد ارتأينا أن نتوقف عن أهم ميراث تركه لنا والمتمثل في خلاصة فكره وتجربته في مجال السلطة والإدارة وفي الجمع بين الممارسة والتنظير والمجموعة في كتابه الشهير أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك.

 

 

قسم خير الدين كتابه الى مقدمة كعادة معاصريه وجزئين. احتوى أولهما على عشرين بابا كل باب رصد فيه أحوال بلد أوروبي  فتعرض إلى موقع البلدان وجغرافيتها وحكامها وتنظيمها الإداري والسياسي والعسكري.

كان هذا الجزء بمثابة الموسوعة المستفيضة التي تقدم للقارئ أحوال العالم الغربي الذي اطلع عليه خير الدين عن كثب ودون ما لاحظه وما اطلع عليه بشكل دقيق وتفصيلي وهي إضافة معرفية كبرى بالنسبة لمن يتوق لمعرفة أحوال أوروبا في العصر الحديث.

 

يبدو صوت خير الدين المفكر عاليا وهو يدعو إلى النهضة العربية الإسلامية عبر التوحد والتمسك بروح الشريعة الإسلامية والتطلع إلى الأخر الأوروبي ومحاولة الاستلهام منه ما ينفع الأمة ويفيدها

 

وفي الجزء الثاني حاول خير الدين ان يبني من خلال الأبواب الخمسة أسسا لجغرافية القارات الخمس محاول المرور من الخاص المتمثل في أوروبا إلى العام المتمثل في مجمل القارات.

نظرا لأهمية الملاحة في عصرها ودورها الكبير في اكتشاف قارات جديد وأيضا في بسط النفوذ والهيمنة فقد افرد لها المصلح خير الدين باشا الباب السادس من الجزء الثاني من كتابه اقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك.

اما لب الكتاب فهو حقا مقدمته وهي التي وضع فيها المصلح الكبير عصارة فكره وما راكمه عبر سنوات عمره  من خبرة وتجربة تجمع بين الأصالة والإصلاح استئناسا بالنموذج الأوروبي الذي صنع نهضته بنفسه.

هنا يبدو صوت خير الدين المفكر عاليا وهو يدعو إلى النهضة العربية الإسلامية عبر التوحد والتمسك بروح الشريعة الإسلامية والتطلع إلى الأخر الأوروبي ومحاولة الاستلهام منه ما ينفع الأمة ويفيدها.

وهي ذات الروح التي اخلص لها خير الدين في حياته وبني عليها إصلاحاته الكبرى في مجال الإدارة خصوصا.

وهو في هذا الصدد يؤكد على ثوابت الشريعة الإسلامية ومرتكزاتها مع حتمية انتهاج سبيل الاجتهاد وإعمال العقل من اجل التجديد لأجل ما ينفع الأمة الإسلامية ولا يتعارض مع أسسها العقائدية والحضارية.

في مقدمة أقوم المسالك  في معرفة أحوال الممالك  يدعو خير الدين التونسي صراحة الى الأخذ بأسباب العلم والمعرفة والتقدم العمراني من الأوروبيين الذين ” سبقونا الى الحضارة بأحقاب ” كما قال معاصره احمد بن ابي الضياف.

 

“اقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك اهم ما الّف في الشرق في عصرنا هذا ”

المستشرق  والرحالة الالمالني هاينريش  فون  مالتزان

 

أكد المصلح الكبير على ان مفهوم الحرية والعدل اللذين هو نقطتان محوريتان في الفكر الأوروبي هما مفهومان أصيلان في الشريعة الإسلامية وبالتالي  يمكن توظيفهما من اجل تحقيق الرفاه والتقدم للمسلمين كما ان في هذا تأكيد على الإسلام لا يتعرض مع النهضة بمفهومها الأوروبي وهو لب الفكر الإصلاحي والنفس التحديثي الذي تدور في فلكه مقاربات خير الدين في الشأن السياسي والإداري والعسكري والفكري أيضا.

في هذا السياق يمضي خير الدين التونسي إلى القول بضرورة تمكين الرعية من حقوقها على أساس العدل والمساواة بين الجميع. وفي هذا المجال يدعو الى قيام سلطة ترتكز إلى مبدأ الشورى وتقطع دابر الانفراد  بالحكم  مع نشر الوعي في صفوف الشعب حتى يتمكن من إدراك مسؤولياته.

ومن أفضل ما قيل عن كتاب اقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ما جاء على لسان المستشرق  والرحالة الالمالني هاينريش  فون  مالتزان والذي وصف ما دونه خير الدين ب ” اهم ما الّف في الشرق في عصرنا هذا “. ورغم مرور ردها من الزمن على هذا الكتاب الى انه لازال إلى  اليوم صالحا للنهل من محتواه الإصلاحي التجديدي لاسيما في السياق التاريخي والحضاري الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم

خديجة بن صالح

كاتبة وباحثة في علم الإجتماع

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.