مدونات

معركة يوسف الشاهد: بين “الدلال العائلي” و “حسم الدولة”

مدونات

 

هل ثمة أزمة سياسية في تونس؟ أم هي أزمة اقتصادية؟ أم أزمة اجتماعية ثقافية أخلاقية؟ أم إنها كل تلك الأزمات متناسلة عن بعضها ومتراكمة؟

 

المواطن التونسي لا تعنيه طبيعة الأزمة ولا يعنيه من هم مسببوها إنما يعنيه أنه يجد صعوبة في تحقيق متطلبات عيشه وعيش أسرته وهو إذ يغضب يتهم الجميع ويصرخ في وجه “مجهول” وتلك أيضا إحدى ملامح الأزمة حين لا يجد المواطن لمن يتجه بالسؤال ولمن يحمل المسؤولية.

منذ قبل الانتخابات البلدية تتردد أخبار عن إعفاء رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد واحتمل آخرون أنه قد يستقيل بسبب ما يتعرض له من ضغط خاصة من طرف الاتحاد العام التونسي للشغل الذي اشترط تغيير رئيس الحكومة كي يستمر طرفا في وثيقة قرطاج.

بعد الانتخابات البلدية جدد رئيس الدولة الدعوة إلى اجتماع أطراف وثيقة قرطاج وكان ذلك يوم 28 ماي الجاري غير أن الاجتماع لم يستمر طويلا ليعلن صاحب الوثيقة تعليق العمل بها دون كشف عن تفاصيل الصعوبات وتناقضات وجهات النظر ولكن الذي تناهى للتونسيين هو تمسك رئيس أهم منظمة بشرط تغيير رئيس الحكومة ويبدو أيضا بأن رئيس حزب نداء تونس حافظ قائد السبسي هو أهم “خصم” للسيد يوسف الشاهد وقد يكون السبب استحقاقات 2019 وليس مدى فشل أداء الشاهد أو تقصيره.

الأستاذ راشد الغنوشي كان “حاسما” في موقفه الرافض لإرباك المشهد السياسي بتغيير جذري في الحكومة في ظرف اقتصادي صعب وفي أجواء من توجس الجهات المانحة والمقرضة والمستثمرة بسبب الهشاشة السياسية والأمنية في بلادنا.

موقف الأستاذ راشد لا يبدو موقفا شخصيا أو موقفَ حركة النهضة قُبالة موقف حافظ أو النداء بل الأرجح أن يكون موقفا في جوهر “التوافق” بين الشيخين، الباجي قائد السبسي لا يمكن أن يكون متبنيا لموقف ابنه حافظ وهنا نفهم أن “دَلالا” عائليا يتسرب في مسارات السياسة و”وِسَادة” الحكم وأن ما صرح به الأستاذ الغنوشي هو موقف الدولة الذي يجد الرئيس حرجا عائليا في الإعلان عنه فكان أن اكتفى بتعليق العمل بوثيقة قرطاج.

الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي اكتفى بإعلان “براءته” من كل تداعيات مرتقبة بسبب “فشل” حوار شركاء وثيقة قرطاج ـ ولعل الفشل عنده هو عدم إقالة الشاهد ـ وقد حمل الجميع مسؤولياتهم في ما يُشبه “تهديدا” مُبَطنا.

 

الأستاذ راشد الغنوشي كان “حاسما” في موقفه الرافض لإرباك المشهد السياسي بتغيير جذري في الحكومة في ظرف اقتصادي صعب وفي أجواء من توجس الجهات المانحة والمقرضة والمستثمرة بسبب الهشاشة السياسية والأمنية في بلادنا.

 

مجلس شورى حركة النهضة في دورته الاستثنائية الأخير يخول رئيس الحركة التفاوض مع شركاء الوثيقة، رئيس مجلس شورى عبد الكريم الهاروني في تدخل هاتفي مع قناة الميادين يُعلن ـ وبدم بارد ـ استمرار عمل الحكومة ويدعو الجميع إلى الحوار الهادئ من أجل استمرار نجاح التجربة التونسية ومنعا للإرتماء في “المجهول” وهو يعيب على دعاة حل الحكومة كونهم لا يُقدمون بديلا ولا يمتلكون رؤية وإنما فقط يدعون لتغيير الحكومة.

يوسف الشاهد في تدخله التلفزي الثلاثاء 29 ماي الجاري بدا في موقف هجومي ضد “خصومه” وهم:

1: الإتحاد العام التونسي للشغل متمثلا في أمينه العام نورالدين الطبوبي الذي يضع إقالة الشاهد شرطَ استمرار مشاركته في وثيقة قرطاج.

2: رئيس حزب النداء حافظ قائد السبسي الذي حملة مسؤولية “هزائم” الحزب سواء بتراجع كتلته في البرلمان عن المرتبة الأولى أو بخسارته الريادة في الإنتخابات البلدية التي فازت فيها وباقتدار حركة النهضة، بل وقد “اتهمه” بكونه يمثل تهديدا للتوافق وللإستقرار المدني بما هو شرط التنمية والإستثمار.

3: الفاسدون،وقد أشار إلى كونهم يريدون إسقاط الحكومة لإيقاف عملية الإصلاح الشامل ومكافحة الفساد معتبرا إياهم “واهمين”.

 

الأزمة السياسية الراهنة لا تبدو مجرد أزمة حكم راهن إنما أزمة حكم لاحق، أي إننا لسنا بصدد مواجهة فشل وإنما بصدد مواجهة طموحاتِ سياسيين أعينهم على 2019

 

الشاهد أعلن ـ في ما يُشبه رسالة طمأنة لخصومه ـ أنه ليس له طموحات شخصية وهو يرد عمن “يتهمونه” بالإشتغال على رئاسية 2019 ـ ولا يرى عاقل “تهمة” في أن يكون لرئيس حكومة طموح في الرئاسة ما لم يحِدْ عن الأساليب الديمقراطية وما لم يستعمل مُقَدّرات الدولة في خدمة أهدافه الخاصة.

وهو في نفس الوقت أعلن بأنه ليس متمسكا بموقعه الحالي لأنه لا يرى فيه امتيازا أو تشريفا إنما يعتبره أمانة ومسؤولية ويرسل برسالة لخصومه بكونه لن يتخلّى ولن يهرب من المسؤولية.

الأزمة السياسية الراهنة لا تبدو مجرد أزمة حكم راهن إنما أزمة حكم لاحق، أي إننا لسنا بصدد مواجهة فشل وإنما بصدد مواجهة طموحاتِ سياسيين أعينهم على 2019.

هذا الجدل والخلاف والخصام قد يكون في نظر البعض ـ وهذا البعض كثير ـ سببا في النفور من السياسة والسياسيين، غير أنه في نظر آخرين  ـ وهم كثير أيضا ـ يرون ذلك علامةً إيجابية ودليلا على أن التجربة الديمقراطية تتعمق في تونس وعلى أن زمن تعيين وعزل رئيس حكومة بقرار رئاسي أصبح من الماضي فالسلطة الآن للبرلمان، برلمان منتخب وممثل لمختلف الطيف السياسي.

ثقة يوسف الشاهد تبدو قوية في من وصفهم ب”العقلاء” وأعتقد أنه يقصد الشيخين راعِيَيْ “التوافق” وموجهي كتلتيهما البرلمانية ممثلة الأغلبية وصاحبة قرار الحسم في بقاء الشاهد أو ذهابه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق