مجتمع

معارك بأسلحة بيضاء وكلام هابط.. من يوقف مسلسلات العنف الرخيص؟

دراما تونسية

 

كل رمضان تجد الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهايكا ” نفسها موضع ضغط او حتى اتهام، مقابل كم  التجاوزات التي تقوم بها قنوات أو أعمال درامية محددة، تخلق الجدل بين المشاهدين، وتعيد التساؤل حول حدود عمل الهايكا والقانون الذي ينظمها.

فما بين مطالب بإيقاف بعض الأعمال وبين من التجأ الى القضاء لإنصاف ملفه، يتكرر سيناريو المنع والعقوبات لكن في ظروف يلفها الغموض حول من استوجب المعاقبة ومن لا تلتفت اليه الهيئة أصلا، مع ان المادة التي تبث تستوجب التوقف عندها.

 الهايكا و تكريس العنف

يرى كثيرون، ان سماح الهايكا ببث أعمال درامية في اوقات معينة من شأنه ان يكرس العنف  بطريقة ممنهجة داخل البيوت التونسية.

فقبل أيام قليلة، أقدم طفل في السادسة عشر من العمر على قتل صديق له طعنا بسكين، متأثرا بمسلسل “علي شورب” الذي يبث على قناة التاسعة، فيما قام شخص آخر في منطقة الملاسين الشعبية من العاصمة تونس، بالاعتداء على جيرانه بسكين، هاتفا بأنه هو “علي شورب” الجديد.

هذه السلوكات هي نتاج تأثر المشاهد، خاصة في عمر مبكرة، بما يراه من مشاهد عنف وقتل متواترة، فشورب، بطل العمل، تم تصويره على انه “روبن هود” التونسيين، الذي يساعد الفقير من جيب الغني، ويحمي الأطفال والنساء، ذو بطش شديد، يطيح بمن يقف في وجهه، ويتحدى ال”الجدرمية” وينازلهم. فكيف لا يصنع بطل من ورق ملهما للمتابعين، الذين يشاهدونه في أوقات الذروة حين يلتئم شمل كل الأسرة بعد الإفطار، صغيرها وكبيرها، في ظل شح الإنتاج وقلته؟

 

مسلسل أولاد مفيدة الذي بثت حلقاته رمضان السنة الماضية والتي قبلها

 

هذا المسلسل، سبقه مسلسل “اولاد مفيدة” الذي قدم صورة جذابة لاولاد الأحياء الشعبية، فهم يضعون “وشوما” شبابية، ويبحثون عن الثراء السريع وفي نفس الوقت يحبون أمهم ويتهيبون من “الحرام”، مما جعل كثيرا من الشباب يقلدهم في الواقع و ينظر إليهم كنموذج ملهم.

 

مشهد من مسلسل أولاد مفيدة

 

كل هذا يبث في رمضان، فيستغل المنتجون الموسم الرمضاني وفقر وضعف الانتاج الدرامي، لتحتل هذه الأعمال الشاشات وتدخل عنوة الى بيوت التونسيين.

صلاحيات محدودة

لا تعتبر الهايكا، كما صرح بذلك عضوها هشام السنوسي، ان الرقابة الشديدة من الأدوار التي يضعها القانون للهيئة، فهي هيئة دستورية تعنى بتنظيم المشهد الإعلامي السمعي البصري، وتؤسس لقيم كحرية التعبير واستقلالية وسائل الإعلام والعمل الصحفي، لكن الدور الرقابي لا ينضوي تحت مشمولاتها.

هشام السنوسي عضو الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري

وقال هشام السنوسي ان الهايكا يقتصر دورها على النعديل بعد البث، بما يحترم الشروط الموضوعة ويضمن حرية الإعلام والتعبير والرأي، دون ان يكون لها السلطة على الأعمال قبل بثها.

دفعت محدودية صلاحيات الهايكا، البعض، كحزب التيار الشعبي، والقيادي السياسي عبد الرؤوف العيادي، إلى الالتجاء الى القضاء لمنع بث برنامج “شالوم” الذي أحدث ضجة و جدلا تجاوز تونس  للعالم العربي، بخصوص كشفه لحقيقة بعض الضيوف/ الضحايا الذين يقعون في فخه، ويقنعهم بالتعاون مع إسرائيل.

فقد رأى الحزب ان البرنامج هو تكريس للتطبيع المعلن مع الكيان الصهيوني، لذا أصدر القضاء التونسي حكما بمنع بث البرنامج و سحب حلقاته من المنصات الافتراضية الخاصة بقناة “تونسنا”ـ إلا ان هذا الحكم أثار استياء الهايكا، التي اعتبرت في بيان لها ان القضاء يتدخل في “حرية النشر والتعبير والإعلام المكفولة من طرف الدستور، ويؤسس للرقابة المسبقة على الأعمال، بما يعصف بثوابت حرية التعبير والفكر والنشر.

وكانت الهايكا قد قامت ببعض التعديلات على خلفية بث الحلقة الاولى، كحذف علم الكيان الصهيوني من جنيريك البرنامج في البداية، لكن يبدو ان هذا الإجراء لم يرتق إلى مطالب بعض المتابعين فالتجؤوا الى القضاء، وهو ما اعتبرته الهايكا تجاوزا لصلاحياتها وتداخلا في العمل بين المؤسسات المختلفة.

رغم ان عمل الهايكا محدود بحكم القانون، إلا ان وجود هيئة مستقلة لتعديل الاعمال له دور محوري في الحفاظ على المشهد عامة من الانحدار اكثر، والتعديل من التجاوزات، في انتظار قانون اشمل ضد العنف المرئي المسموع الذي يمارس بالقوة على المشاهد في رمضان.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد