مجتمع

الخيانة الالكترونية

أحمد ناصر- مجلة ميم

 

الخيانة كلمة قبيحة ومشؤومة، تُلقي بظلال الكآبة والإزدراء علي النفوس، وصمةُ عار تبقي بقاء فاعلها، وتقتل جميل المشاعر في النفوس، وتذهب بالقلوب إلي الجحيم، وتدمر العلاقات وتهدم الأُسر.

 

ومع تطور الحياة البشرية تتطور وسائل الخيانة، فبداية بالإتصال الجسدي المباشر، الذي هو غاية كل خيانة، مروراً بما يُدعي العلاقات العابرة التي تستنزف المشاعر من خلال اللقاءات المشبوهة، ثم مكالمات هاتفية بالليل والنهار سراً وجهراً مستخدمين عفيف الكلمات والموضوعات وجارحها وخادشها للحياء، انتهاءاً بالخيانة الإلكترونية، حيث وسائل التواصل الإجتماعي تطوي المسافات وتجعل المرء علي بُعد كبسة زر من الخيانة المقروءة والمسموعة والمرئية.

تمر بالعلاقات الزوجية بلحظات سعادة جارفة تبني جسوراً من الثقة المتبادلة التي لا يقدر عليها طوفان من المشتتات العاطفية التي تملأ مجتمعاتنا، غير أن دوام الحال من المحال، ولا بد للحياة الأسرية من خلافات هي لبقاءها لازمة طبيعية، لكنها قد تتطور لتصير قطيعة نفسية بين الأزواج سواء افترقا جسدياً أم تلازما. وليس كل خلاف هو حتماً سبباً للخيانة وإنما بيئة خصبة لحدوثها .

وهنا قد يبحث كلٌ من الزوجين عن بديل يحتويه نفسياً، وما أيسر أن يجد المرء البديل في عصر أصبح التعرف فيه علي شخص جديد أسهل من مجرد التفكير في التوتر العاطفي الذي يتعرض له أو حتي محاولة فهم شريك حياته، كالمدمن يتلهي بما يقتله عن مشكلاته الحقيقية التي يهرب منها.

في الوقت الذي يقع الزوج في كوارث عاطفية بالنسبة لزوجته الحبيبة، وذلك ليس مبرراً للخيانة، لفقدانه الذكاء العاطفي فيتركها ذابلة تحتاج إلي أن تُروي، والنساء كالورود يحتجن إلي رعاية دائمة ليملأن الحياة جمالاً وعطراً ، تجد المرأة رجلاً آخر يهتم بأدق تفاصيل حياتها فتميل إليه دون وعي حتي يصير عائقاً بينها وبين زوجها يمنعها من التضحية لأجل إصلاح زوجها أو العفو عن أخطائه.

 

ما أشقى الإنسان، يقتل بالسكين التي لا ينبغي عليه سوى استخدامها في أغراض يومه النافعة، ويدمر حياته بهذه السكين التي أبدعتها التكنولوجيا الحديثة-وسائل التواصل الإجتماعي- ليتواصل الأحبة وليس ليتباعدوا

 

بل إنها تزيد شقاءه بإهمالها له، فيزيد هو من تعنته في معاملتها وحتي الإساءة إليها، وتزداد هي منه بُعداً ومن الخائن الذي يحوم حولها قُرباً، ويقضيان الساعات الطويلة يتحدثان في ما صغر من الأمور أو كبُر، وقد يصل الأمر أن تحكي له عن تفاصيل ما يضايقها بعلاقتها الخاصة بزوجها.

وتحت وطأة كلمات الخائن المعسولة تسير المخدوعة إلي حتفها لا تُبصر الشقاء الذي سيحل بها وبزوجها وعائلتها، وما ذاك إلا لأنها تساهلت في الحديث فيما لا يجب الحديث عنه مع من لا يجب الحديث معه.

وعلي الجانب الآخر، تدفع المرأة زوجها إلي الشقاء حين تجعل حياته جحيماُ لا يطاق فتتعمد إغضابه وإثقال عاتقه بأعباء الحياة فينفر منها باحثاً عن الراحة مبتعداً عن صحرائها القاحلة إلي جنات أخري تمنحه العطر والري.

والرجل إن لم يجد اكتفاءه عند زوجته فلن تشبعه نساء الدنيا ويغدو رجلاً لا يمكنه الإكتفاء بواحدة، تصبح له في كل يوم رفيقة وفي كل ليلة عشيقة، حتي وقت فراغه يقضيه علي وسائل التواصل الإجتماعي يبحث عن ضحايا جُدد يملأ أسماعهن بمعسول الكلام ليخطف قلوبهن ثم يصل بعدها لمبتغاه من تجريدهن من كرامتهن وحيائهن.

لكن السؤال المهم هو، هل يمكن اكتشاف الخيانة الالكترونية ؟

 

الخيانة كحجر أُلقي في ماء رائق فأحدث فيه اضطراباً وليس يصعب علي ذي عينين رؤيته، فأصل العلاقة الزوجية هدوء وسكينة وتوافق في أغلب الأمور وألفة في التصرفات وحتي المصطلحات اللغوية حتى ليتوقع أحدهما ماذا سيقول أو كيف سيتصرف الآخر في موقف بعينه، ثم تجيء الخيانة لتعكر صفو العلاقة -دون أسباب ظاهرية- وتفر السكينة وتضطرب الحياة وينشغل الفكر.

ما أشقى الإنسان، يقتل بالسكين التي لا ينبغي عليه سوى استخدامها في أغراض يومه النافعة، ويدمر حياته بهذه السكين التي أبدعتها التكنولوجيا الحديثة-وسائل التواصل الإجتماعي- ليتواصل الأحبة وليس ليتباعدوا.

وما أتعس إنسان يتواصل مع من لا يستحق -الخائن- ليدمر علاقته مع من له الحق والواجب -شريك الحياة-  وليدمر عائلته التي لأجلها يحيا.

 

طالما أن مشاركة الخصوصيات حصري علي زوجك أو زوجتك، فما معنى مشاركة إحداها مع غريب سوى الخيانة؟!

 

ولكل حدث شواهده، ومن شواهد الخيانة الإلكترونية:

 

  • قضاء أوقات طويلة منفرداً/منفردة أمام الانترنت وخاصة أثناء الليل أو تلقي مكالمات تليفونية في أوقات غير مألوفة يصحبها تهامس غير مبرر، خاصة من ناحية الزوجة التي قد تدعي مناقشة أمر خاص مع إحدي صديقاتها .
  • ارتباك ظاهر واغلاق للهاتف أو الحاسوب في حالة مفاجأة الزوج أو الزوجة أثناء الخيانة.

 

  • الإهمال المفاجئ من أي من الطرفين قد ينبئ ببوادر خيانة، والإهتمام المفاجئ بالمظهر الخارجي،خاصة عند مقابلة شخص بعينه،وتجدد قاموس المصطلحات الذي غالباً ما يعهده كل شريك بشريكه، بل وتغير أذواق الملبس.

 

  • علي الرغم من فطرة المرأة العاطفية التي تظهر في اهتمامها بأدق تفاصيل شريكها ، ستجدها مصابة بالبرود العاطفي-لأنها ارتوت من نبع آخر- والانتقاد المتعمد لطريقة الحياة والملابس وصولاً إلي طلب الطلاق أو مجرد التعبير عن رغبتها في الفراق.

 

  • الحرص الغير مبرر علي الخصوصية حتي لا يتم الاطلاع علي الأرقام المخزنة علي الهاتف أو حسابات مواقع التواصل أو الرسائل المتبادلة مع الأصدقاء.

 

  • في حالة وجود الخائن في الوسط المحيط بشريك/شريكة حياتك، ستجده/ها يقترب منه بشكل لا إرادي حتي في وجودك ، تعلم كيف تستفيد من لغة الجسد.   

أحب أن أُذكر من انتكست فطرته فأصبح يرى الأمر شيئاً عادياًن أن الزواج هو مشاركة حصرية للخصوصيات الجسدية والنفسية -كل ما يدور بخلد المرء وما يشعر به ويحب مشاركته مع المقربين منه- بين رجل وامرأة. وإن النظر والسلام والمحادثة والتراسل والتزاور مما يُنبت الحب في القلوب -وليست كل علاقة بين رجل وامرأة هي حتماً خيانة-  والحب مما يدفع البشر لمشاركة الخصوصيات النفسية أولاً يليها الخصوصيات الجسدية، وطالما أن مشاركة الخصوصيات حصري علي زوجك أو زوجتك، فما معنى مشاركة إحداها مع غريب سوى الخيانة؟!

 

كونا رفيقين وتشاركا الاهتمام، أغلقا أي باب قد تهب منه ريح الفتنه وأطفئا الشرارة قبل أن تتحول إلي حريق

 

إلى كل شريكين: كونا رفيقين وتشاركا الاهتمام، أغلقا أي باب قد تهب منه ريح الفتنه وأطفئا الشرارة قبل أن تتحول إلي حريق ولا تطلقا البصر للمحرمات خاصة في التلفاز وعلي المواقع التي تأكل الحياء، مارسا بعض الهوايات لقتل الفراغ فهو الطريق الممهد للخيانة.

حددا موعداً لجسلة مصارحة أسبوعية فالشفافية أساس العلاقة الزوجية المتين.

احصلا علي مساعدة طبييب نفسي أو اجتماعي في حال وقوعكما في براثن الخيانة.

احذرا الغيرة الزائدة فهي السبيل لتقويض الأمان الأسري وتأجج نار الشك.

سلا بعضكما ما الذي يحتاجه أحدنا من الآخر الآن وكونا دائماً عند حسن ظن بعضكما ببعض.

اغفرا قدر المستطاع ولا تنسيا الفضل بينكما واعلما أن في التزام الدين مناعة ضد الخيانة وحفظا للقلوب وصونا للأعراض.

وما ذاك إلا همسة في آذاننا جميعاً لأجل الحب، فلكل ما في الأرض مُفترس طبيعي، والحب تفترسه الخيانة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد