مجتمع

التحرش الجنسي.. انتهاك لحرمة الانسان

عصام الدين قمودي- مجلة ميم

 

ليس الأمر بتلك البساطة التي قد تبدوا للبعض، ستحس أن حرمتها قد انتهكت و أنها لا تستطيع أن تثق في أحد، ضحية التحرش الجنسي و هو فعل مرضي يخرق حرمة الذات البشرية التي تحميها كل التشريعات وضعية كانت أم سماوية، ألم قد يضل يلازم الضحية زمنا طويلا كما قد يتسبب في أزمات و عقد نفسية.

 

لا يمكن وضع تعريف دقيق للتحرش الجنسي إذ أنه يمكن أن يكون أي لفظ أو فعل غير مرحب به ذو طبيعة جنسية يمثل انتهاكا للجسد و المشاعر والمساحة الشخصية للضحية. يرجعه أغلب علماء النفس و علماء  الاجتماع لاضطراب جنسي سببه ضعف النشأة الاجتماعية للفرد منذ صغره و تلقيه مفاهيم خاطئة قد تصله عن الجنس الآخر، بالإضافة الى عوامل قد تتعلق بقصور في الشخصية و الرغبة في التفاخر المزيف والتباهي لتعويض هذا القصور.

و يجب الإشارة أن التحرش الجنسي يمكن أن يكون تحرشا عكسيا أي تحرش أنثى بذكر دون رغبة منه وهو عكس الشائع لكنه وارد  الحدوث.

 

جريمة التحرش الجنسي في القانون التونسي

يعتبر التحرش الجنسي انتهاكا صارخا للحرمة الجسدية للضحية لذلك يجرمه القانون التونسي بطريقة واضحة و صريحة. لكن للقانون التونسي نظرته الخاصة إذ يحمل تعريفا  خاصا للتحرش الجنسي. ويعتبر على معنى الفصل 226 من المجلة الجزائية التونسية تحرشا جنسيا

“الإمعان في مضايقة الغير بتكرار أفعال أو أقوال أو إشارات من شأنها أن تنال من كرامته و أن تخدش حياءه و ذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغبات غيره الجنسية أو ممارسة ضغوط عليه من شأنها إضعاف إرادته على التصدي لتلك الرغبات” ،

وهنا لنا أن نسوق بعض الملاحظات؛ يجب الإشارة أن جريمة التحرش الجنسي تدور حول الرضا، حيث أنه في صورة رضا الطرف المتلقي لا وجود لجريمة من أي نوع إلا إذا كان ذلك تجاهرا بالفحش في مكان عام، وهنا يسقط الطرفان تحت طائلة القانون.

كما يجدر الإشارة أن التعريف القانوني للتحرش واسع جدا بالنسبة لنص جزائي لكنه في نفس الوقت يحدد معايير واضحة وضرورية لإثبات الجريمة و أركانا يجب توفرها.

أولا، التكرار في المضايقة، حيث أنه من دلائل الإثبات تكرار الفعل أو اللفظ عدة مرات مما يؤكد نية خدش الحياء والتأثير على الضحية بهدف تلبية رغبات جنسية،

ثانيا ، التصرف بالأفعال و الأقوال و حتى الإشارات مما يؤكد نفس النية،

ثالثا ، الغاية الجنسية لإشباع رغبة الشخص المتعمد التحرش أو رغبة الغير، هنا يجب إثبات الطابع الجنسي لتلك الأقوال أو الأفعال التي تدعي الضحية أنها بهدف التحرش الجنسي.

 

انطلاقا من هذه المعايير يمكن القول أننا أمام جريمة تحرش جنسي يعاقب عليها بمقتضى القانون، قد تصل عقوبتها لسنة سجن و خطية قدرها 3 آلاف دينار،  وقد تضاعف العقوبة إذا ارتكبت الجريمة ضد طفل أو غيره من الأشخاص المستهدفين بصفة خاصة بسبب قصور ذهني أو بدني يعوق تصديهم للجاني، أي أن مشرع القانون أراد حماية فئات معينة غير قادرة على التمييز كالأطفال و الذين يعانون قصور ذهني مؤثر على الإدراك.

قد تعترض الضحية بعض الصعوبات في إثبات وقوع الجريمة و هذا أبرز مأخذ من مآخذ المختصين حول تناول القانون التونسي لهذه الجريمة.

على أي شخص تعرض لمثل تلك الممارسات أن يتقدم لأقرب عون أمن أو مركز أمن أو حرس وطني حسب المنطقة التي حدثت بها الواقعة و أن يتقدم بشكاية في الغرض ، كذلك يمكن التقدم بعريضة لوكيل الجمهورية في الغرض.

لكن يجب لأي متضرر أن يعلم أن في صورة عدم ثبوت التهمة و سقوط الدعوة فإن للمدعي عليه أن يرفع قضية بدوره ليطلب تعويضا عن ضرر مادي لحق به مثل التشهير به أو طرده من عمله ، أو ضرر معنوي لحق به أثناء التحقيق.

أما على مستوى القانون المقارن يجب علينا النظر لنظم قانونية أخرى مختلفة عن القانون التونسي تدين جريمة التحرش الجنسي.

 

جريمة التحرش الجنسي تدور حول الرضا، حيث أنه في صورة رضا الطرف المتلقي لا وجود لجريمة من أي نوع إلا إذا كان ذلك تجاهرا بالفحش في مكان عام، وهنا يسقط الطرفان تحت طائلة القانون

القانون الفرنسي

أفاد تقرير فرنسي حكومي أن 100 بالمئة من النساء اللواتي يستخدمن وسائل النقل العام في منطقة باريس، تعرضن في يوم من الأيام لتحرش جسدي بوضع اليد على مؤخرتهن أو معنوي بتوجيه الشتائم إليهن أو النظرات الموحية. ودعا المجلس الأعلى للمساواة بين الرجال والنساء إلى “كسر الصمت” في مواجهة هذه الآفة والترويج أكثر لسبل التبليغ وتدريب العاملين في قطاع النقل العام.

عرف القانون الفرنسي فعل التحرش الجنسي بانه” ذاك الفعل الذي يقع من خلال التعسف في إستعمال السلطة بإستخدام الأوامر والتهديدات أوالإكراه بغرض الحصول على منفعة أو مزايا ذات طبيعة جنسية”.

فلابد من توافر هذه التصرفات التي ترمي فقط إلى اللإغواء والإغراء ، فالتحرش الجنسي يدخل فئة الجرائم التي تستوجب الجزاء نظرا لتوافر إستغلال الطرف الضعيف في علاقات القوة التي تربط بين الطرف القوي (الفاعل) والمجني عليه تحت مسمى وظيفي أو بالأحرى التعسف الذي يقع من خلال الضغوط والإغراءات بغرض الحصول على ميزة جنسية.  ونلاحظ هنا

ان المشرع الفرنسي قد وضع عبارة “مزايا جنسية” لكي يوسع من نطاق تطبيق هذه المادة و يضمن أكبر قدر من الحماية القانونية الممكنة ، في الآونة الأخيرة تم طرح مشروع قانون ضد العنف الجنسي بكل انواعه يشمل ذلك التحرش الجنسي يعاقب المتحرش بعقوبات مالية فورية قبل ان تصل لعقوبات سجنية زجرية.

 

 

القانون المصري

تعاني مصر من استفحال هذه الظاهرة حسب تقارير منظمات دولية رغم وجود ترسانة قانونية تجرم التحرش.

يعتبر التحرش الجنسي جريمة وفقا للقانون المصري، وقد سبق أن حاكم مرتكبيها استنادا إلى المادتين 306 (أ)، و306 (ب) من قانون العقوبات المصري.

وقد تصل عقوبة مرتكب جريمة التحرش – سواء كان لفظيا، أو بالفعل، أو سلوكيا، أو عن طريق الهاتف أو الإنترنت – إلى السجن لمدة تتراوح ما بين 6 أشهر إلى 5 سنوات بالإضافة إلى غرامة قد تصل إلى 50 ألف جنيه مصري.

 

مجهودات المجتمع المدني

لا يمكن ان تقتصر مجهودات مقاومة هذه الظاهرة على ترسانة قانونية و ان كانت متميزة، كان على المجتمع المدني وأجهزة الدولة معاضدة مجهود المقاومة حيث صرحت سامية زكري، المكلفة بالإعلام في مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة   إن دراسة قام بها المركز سنة 2015، أثبتت أن 53.5 بالمائة من النساء التونسيات تعرضن للعنف، وضمنه التحرش الجنسي في الفضاء العام.

كان هذا السبب وراء احتضان تونس يوم  25 سبتمبر 2017 حملة توعوية “المتحرش ما يركبش معانا”، وهي حملة أطلقها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة بالتعاون مع شركة تونس للنقل،  لاسيما وأن إصدار قانون جديد بالبلد لا يكفي للحد من هذه الظاهرة المستفحلة عربيا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.