مدوناتغير مصنف

ماما، يعني إيه كنيسة؟

مدونات

 

رغم أني كنت قد حددت موضوع مقالي الأسبوعي وأوشكت على الانتهاء من تحديد النقاط والمحاور التي سأناقشها، إلا أن منشوراً رائجاً عبر الفيسبوك استفزني وفرض نفسه لخطورة موضوعه.

في المنشور يسرد أحد الأشخاص موقفا حدث أمامه خلال تنقله في إحدى وسائل المواصلات، لأبٍ يجيب طفله الصغير عن “ما هي الكنيسة؟” بعد أن سمع أحد الأشخاص يحدد موعداً للالتقاء بصديقه قربها.

كان سرد الأب، بحسب الراوي، راقٍ لدرجة مؤثرة أعطتني درساً في تقبل الآخر واحترام اختلاف العقائد، لكن ما استفزني حقاً هي تلك السيدة التي روجت المنشور عبر صفحتها بمنتهى العنصرية والتشدد وهي تصف المسيحية بالشرك، وأكثرت من الأوصاف التي أنأى بنفسي وبقراء ميم الأعزاء عن ذكرها.

لم تكن المرأة وحدها صادمة، بل كل الذين علقوا على المنشور، العدد ليس بقليل والأفكار غاية في التطرف ولا تمت للإسلام بصلة، يدعون للتكفير ولا يحترمون دور العبادة ولا أعلم بأي دينٍ يدينون.

ذكرني هذا المنشور بحادثة قريبة مررت بها مع طفلتي، عندما عادت ذات مرة من المدرسة تسألني ” ماما: يعني إيه كنيسة؟ “.

 

كما يوجد متشددون على الجانب الإسلامي، هناك متطرفون مسيحيون أيضاً، يرون المسجد مسرحاً لتفريخ الإرهابيين، ويعتبرون المسلمين أساس التخريب في البشرية، لذا ينبغي السعي للخروج من فخ التعميم والبحث عن النظرة الموضوعية لحقيقة المشكلة وأسبابها بغية التغلب عليها

 

ابتسمت وقتها، أو ربما كنت بانتظار هذا السؤال؛ فصديقتيها المقربتان، كرمينا وميرولا، مسيحيتان، وبالطبع كانت لتسأل لماذا يخرجون من الفصل عند قراءة القرآن وتعلم الأحاديث للعب مع مس مونيكا.

أجبتها وقتها أن الكنيسة تعادل المسجد لدينا، وأن صديقتيها يعبدان الله ويصلون له لكن بطريقة مختلفة عنا، فسألتني أيمكن أن نذهب معهما ذات مرة، وأجبتها ربما عندما تكون لدى أيٍ منهما مناسبة سعيدة لأنه لا يفضل حضور الصلوات لأنها ليست للهو، وتفهمت الأمر وأصبحت تتفهم اختلاف صديقتيها منذاك.

أما في المنشور الحديث، فتعترض السيدة المتعصبة على أسلوب الأب في تعليم طفله احترام المسيحية ومن يدينون بها؛ تتهمه بـ “المياعة والرعونة” بل و”التهاون في أمور دينه”، وتحرض الطفل على عدم الانصياع لوالده الذي –بحسب رأيها- سيفسد عليه دينه ويجعل أبناءها، مستقبلاً، “ملاحدة”!

عشرات القصص المتطرفة حملتها التعليقات، أكثرها بشاعة برأيي، لفتاة تروي أن والدها وهي صغيرة قال لها إن المسيحيين كفرة وسيدخلون النار، وبادرت الفتاة في اليوم الثاني باتهام صديقتها المسيحية بأنها كافرةفبكت وانهارت وعادت الأولى لتقص على أبيها ما فعلت، فاخبرها أنها يفضل ألا تجرح مشاعر صديقتها وعليها الاعتذار، وعادت الطفلة بالفعل لتقول لزميلتها “آسفة لكن مش ذنبي إنك كافرة “..

تحضرني في السياق ذاته، قصة روتها لي صديقتي المقربة أثناء سفرها لألمانيا، كانت صديقتي “المنتقبة” تجلس في المترو وتحمل طفلتها، وبجوارها امرأة ألمانية تحمل طفلتها أيضاً، وعمر الطفلة لا يتجاوز الخمس سنوات، ولأن صديقتي درست الألمانية فهمت ما دار بين الطفلة وأمها من حوار.

سألت الطفلة الألمانية والدتها “لماذا ترتدي هذه السيدة ملابس مخيفة؟” فأجابت والدتها “هذه هي عاداتها وتعاليم دينها ..هي ليست ألمانية” عادت الطفلة وقالت “أنا أعتقد أنها سيئة  ولا يعجبني ذلك ” فتعود الأم وتقول ” إذاً هذه مشكلتكِ أنتي.. عليكِ تقبل الآخر كيفما كان، ولها الحرية فيما ترتدي وليس من حقكِ التعليق عليه ” لتعود الطفلة لتعتذر وتنهي النقاش.

تأثرت صديقتي كثيراً برقي الحوار ولم تشأ أن تتدخل حتى تتثبت من ردة فعل الأم، بعدها اقتربت قليلاً وخاطبت الطفلة مداعبةً وهي تعرض بعض الحلوى، لتبتسم الأم والطفلة ويفترق الطرفان بمحبة وسلام واحترام متبادل.

لا أذكر هذه القصة لأروج لأن هناك  “اضطهادا للمسيحيين” كما يفعل بعض هواة الاصطياد في الماء العكر، بل لأوضح أن لدينا “أزمة حقيقية ” في تقبل الآخر واحترام الاختلاف.

الدليل على ذلك؛ أن ذوي الاحتياجات الخاصة يعانون بمجتمعاتنا من نظرة وتعامل الأسوياء، أصحاب البشرة السوداء يعانون أيضاً، المحجبات يعانين في كثير من أماكن العمل بينما تعاني غير المحجبات بأماكن أخرى بالتوازي، الأيتام وكذا الفقراء يعانون التمييز، والقائمة لا تنتهي.

وكما يوجد متشددون على الجانب الإسلامي، هناك متطرفون مسيحيون أيضاً، يرون المسجد مسرحاً لتفريخ الإرهابيين، ويعتبرون المسلمين أساس التخريب في البشرية، لذا ينبغي السعي للخروج من فخ التعميم والبحث عن النظرة الموضوعية لحقيقة المشكلة وأسبابها بغية التغلب عليها.

هؤلاء الأشخاص الذين رأيتهم في ذلك المنشور لا يمكن أن يكونوا بشراً أسوياء، هم يضربون بقوانين الإنسانية عرض الحائط ظناً منهم بأن ذلك يدعم الدين، ولا يعلمون أن الأديان وجدت لتصلح حياة الإنسان وتهذبه وأن الدين معاملة، وأن جبر الخواطر عبادة.

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

اترك رد