اختيار المحررينثقافةغير مصنف

صافو: السفر على جناح الموسيقى

ثقافة

 

هي فنّانة تستعصي على التصنيف، جرّبت أدّت أنماط موسيقيّة متعدّدة وغنّت بلغات كثيرة، ومثّلت حالة فنّية نادرة في النصف الثاني من القرن العشرين، جمعت بين الموسيقى وكتابة الشعر والرواية.

هي الفنّانة المغربيّة/الفرنسيّة صافو الّتي وُلِدت في 10 جانفي 1950، لعائلة يهوديّة في مدينة مرّاكش المغربيّة، واسمها الحقيقي هو دانيال إبغي (Danielle Ebguy)، لكنّها اختارت صافو كاسم فنّي.

 

وصافو هي شاعرة إغريقيّة قديمة، وُلدت بين هذيْن التاريخيْن: 630 قبل الميلاد، أو 612 قبل الميلاد، ولا يُعرف تاريخ وفاتها، بالضبط، غير أنّه قد يكون في عام 570 ق. م. وتُعتَبر صافو أوّل شاعرة في الحضارة البشريّة.

تركت نحو تسع مجموعات شعريّة لمْ يبقَ منها سوى قصيدة واحدة كاملة، إلى جانب عشرات الشذرات الّتي توحي بأنّها كانت شاعرة عظيمة كما وصفها الفيلسوف أفلاطون الّذي قال عنها: “صافو هي الربّة العاشرة للشعر”.

ولعلّ تبنّي هذا الاسم من قِبل الفنّانة الشابّة دانيال هو إيمانها بأنّ الشعر هو السبيل الثوريّ لتعرية الزيف الموجود في العالم وإعطاء بديل جمالي للقبح الموجود فيه، حيث تقول في أحد الحوارات الّتي أجرتها مع مونتي كارلو الدوليّة:

“يقول الشعر ما لا يُقال في هذا العالم، أي أنّ الشعر يقول ما لا يمكن الإمساك به. الكتابة والشعر تمرينان مختلفان تمامًا، وإن كان الشخص نفسه الذي يقوم بالتمرينيْن.. فالأغنية فيها كتابة نصّ ضمن قواعد محدّدة خاصّة بالتلحين، بينما الشعر هو مغامرة كتابة حرّة تضع قواعدها الخاصّة. الشعر هو العصيان التامّ على كلّ ما هو مكتوم”.

 

 

وقد كان حصيلة افتتان صافو بالكتابة ثلاثة دواوين شعريّة، وهي ديوان “دفتر الأسابيع الأربعة عشر” في عام 2004 وديوان “قبل أن أرى” في عام 2005 وديوان “حرب الكلمات” في عام 2009؛ إضافة إلى تسع روايات أهمّها رواية “عنف ناعم” الصادرة في عام 1982 ورواية “يفضّلون القمر” الصادرة في عام 1987 ورواية “كذبة” في عام 1996 ورواية “المندبة كبيرة والميّت فأر” في عام 1999.

كان والد الفنّانة صافو قارئًا نهمًا للأدب العربي، وفنّانًا أصيلًا متشبّعًا بالموسيقى المغربيّة الأندلسيّة بالإضافة إلى موسيقى اليهود المغاربة الّتي ورثها عن أجداده، بالإضافة إلى تأثّره الكبير بأساطين الموسيقى العربيّة مثل أمّ كلثوم وفيروز..

في هذا الفضاء الرحب لعالم الأب الفنّي، تربّت صافو الّتي تشبّعت منذ صغرها بأنماط موسيقيّة مختلفة من خلال الحفلات الفنّية الّتي كان يقيمها أبوها في خمسينيّات القرن الماضي، إذ كان يحرص على اصطحابها معه.

وهو ما جعلها تنبغ باكرًا وتبرز للجمهور المغربي في سنّ الثانية عشرة عبر إذاعة “راديو المغرب”. لكنّ طموح صافو كان كبيرًا، طموحًا عالميًّا لا حدود له. لذلك، حين بلغت السابعة عشر من عمرها، سافرت إلى باريس كي تدرس المسرح، وهي تجربة مهمّة -رغم قصرها-في مسيرة صافو الفنّية، فهي فنّانة تمتلك حضورًا ركحيًّا مبهرًا يتميّز بالعفويّة والتفاعل المباشر مع الجمهور لكسر الجدار الرابع الوهمي الّذي يفصلها عن الجمهور.

 

 

بعد هذه التجربة في دراسة المسرح، سافرت صافو إلى نيويورك، حيث انضمّت إلى فرقة متخصّصة في موسيقى الروك، وما نلاحظه في مسيرة صافو الفنّية هو هذه القدرة الكبيرة على التنويع في التجارب والسفر الدائم، ولعلّ هذا الطابع الّذي يميّز شخصيّتها هو الّذي نحت صوتها الفنّي الخاصّ، والجدير بالإعجاب هو انفتاحها الكبير على أنماط موسيقيّة متعدّدة ومتباينة ولعلّ هذا يعود إلى الوسط حيث عاشت طفولتها، وهو مراكش المدينة الّتي تتميّز بالثراء الموسيقي وتعدّد الروافد الإثنيّة.

بعد عودتها للاستقرار في فرنسا، أصدرت صافو 16 ألبومًا موسيقيًّا، أي حواليْ 200 أغنية، وزارت بلدانًا عربيّة وأوروبيّة كثيرة وبلدانًا كثيرة في أميركا اللاتينيّة، حيث أقامت حفلاتها في أعرق المسارح، لكنّها حافظت رغم ذلك على شخصيّتها اليهوديّة المغربيّة ذات الهويّة العربيّة؛ فهي رغم غنائها بلغات متعدّدة مثل الفرنسيّة والإنجليزيّة، حرصت على غنائها بلغتها الأمّ في المسارح الأوروبيّة، فقدّمت أغاني الفنّانة أمّ كلثوم للجمهور الغربي وقصائد ملحَّنة للشاعر الفلسطيني محمود درويش هذا بالإضافة إلى موسيقى الكناوة المغربيّة بلهجتها العاميّة، وهو ما أثنى عليه النقّاد الأوروبيّون والصحافة والجمهور.

 

 

وتقول صافو عن أمّ كلثوم الّتي أعادت أغانيها في ألبوم خصّصته لعملاقة الموسيقى العربيّة: “أمّ كلثوم بالنسبة إليّ تراث مقدّس. ماذا أقول عنها؟ فنّانة استثنائيّة بكلّ المقاييس. تعلّمت منها الكثير. أوّل شيء، هو الصرامة؛ فهي فنّانة تدقّق في كلّ شيء، تدقّق في الكلمات والألحان. أحس اليوم بأن من واجبي تقديم هذه السلطانة لكل من لا يعرفها في الغرب. طبعاً أنا لا أقلّد أم كلثوم. فهذه السيدة العظيمة لا تُقلَّد. أحاول أن أستعيدها بطريقتي الخاصة. وبهذا الشكل ألفت انتباه الجمهور الغربي إلى السحر الخاص الذي يميّز الطرب العربي الأصيل”.

كما أعادت الفنّانة صافو أداء بعض الأغاني الخالدة للفنّان الفرنسي الخالد، ليو فيري، وقامت بترجمة إحدى أغنياته الشهيرة “Avec le temps” باللغة العربيّة، لكنّ صافو لم تكتفِ بمجرّد إعادة هذه الأغاني، فقد وهبتها روحًا جديدة، روح الموسيقى الأندلسيّة متجسّدة في الفلامنكو.

 

 

كما أنتجت صافو ألبوماتها الخاصّة، من كلماتها وألحانها، قدّمت فيها أغانٍ متنوّعة تمتزج فيها الموسيقى العربيّة بالموسيقى الكلاسيكيّة، والتراث الموسيقي اليهودي بالمغرب بإيقاعات الكناوة والفلامنكو، ومن أبرز هذه الألبومات ألبوم “حديقة أندلسيّة” الصادر في عام 1996، وألبوم “الطريق العاري للخطاطيف” في عام 1999.

 

 

هذه هي صافو الفنّانة والروائيّة والشاعرة والمراسلة الصحفيّة، الّتي كانت نقطة التقاء بين ثقافات كثيرة، ودعت في أكثر مرّة للسلام العالمي، وحافظت على انتمائها الحضاري والثقافي القومي رغم انفتاحها على التجارب الفنّية الأخرى. إنّها صافو الفنّانة الملتزمة بقضايا المرأة والوطن والإنسان عمومًا، الفنّانة الّتي رفضت في أكثر من مرّة محاولة تبنّي دولة الاحتلال الصهيوني لها، حيث كانت تردّد دائمًا: “أنا يهوديّة، لكنّني لست إسرائيليّة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد