مجتمعسياسة

شهيد التعذيب البوليسي كمال المطماطي..أول قضية تطرح في محكمة العدالة الانتقالية

 

لم يتمكنوا من إعلان وفاته، ولايزال يشار إليه في السجلات بالمفقود، رغم انه توفي منذ سنة 1991.. هذه هي قصة “الميت الحي” الشهيد كمال المطماطي، الذي قضى تحت التعذيب و تشفى قتلته في جثته حتى بعد موته.. هي حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات تعمد نظام الاستبداد السابق وجلادوه ممارستها ضد كل من يشتبه في امتلاكه لفكر حر او رأي مخالف.

المحاكمة..اليوم المنتظر للعدالة

انطلقت الدائرة الجنائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بمحافظة قابس (الجنوب الشرقي التونسي)، مسقط رأس الشهيد كمال المطماطي ومحل التقاضي، يوم الثلاثاء 29 مايو/آيار 2018، في فتح ملف القضية التي تعد اول ملف تحيله هيئة الحقيقة والكرامة على القضاء لمحاسبة القتلة، بعد سنوات من البحث والتعب قضتها عائلته وهي تبحث عن الحقيقة.

صنفت قضية المطماطي واحدة من أشنع عمليات التعذيب التي مورست على المعارضة في تونس زمن الرئيس السابق بن علي، فقد تضمنت إضافة الى التعذيب والاختفاء القسري، القتل العمد ثم إخفاء الجثة و التنكيل بها، و التضييق على عائلة الشهيد طيلة سنوات، دون ان تكون هناك تهم واضحة او محاكمة عادلة.

وتجمع المئات من المواطنين أمام مقر المحكمة بقابس ، فيما شهدت الجلسة حضورا مكثفا لوسائل الإعلام المحلية منها والاجنبية لمواكبة أول قضية للمحكمة المختصة التي جاءت نتاج ثورة 2011، والتي ستصحح تؤسس لمفهوم العادلة الانتقالية و تقطع مع مفهوم الافلات من العقاب.

 

 

هذه المحاكمة التاريخية التي تعقد لأول مرة، شهدت أيضا حضور رموز من حزب حركة النهضة كعبد الكريم الهاروني وروضة قرافي رئيسة جمعية القضاة التونسيين، التي قالت في تصريح إعلامي، ان القضاء التونسي لديه فرصة كي يثبت نزاهته واستقلاليته،  وهي خطوة كبيرة لتحقيق الامن القضائي للمواطن و إثبات ان تونس دولة قانون بأمتياز.

ولم يحضر أحد من هؤلاء المتهمين، وأفاد رئيس الدائرة أن المتهم حسن عبيد قد بلغه شخصيًا الاستدعاء فيما لم يبلغ لغيره من المنسوب إليهم الانتهاك.

في المقابل، حضرت عائلة كمال المطماطي وبالخصوص زوجته ووالدته اللتين أبدتا رغبتهما في سماع أقوالهما أمام الملأ.

ومن المنتظر أن تستمر جلسات القضية خلال الفترة القادمة، وأن تصدر الدائرة بطاقات جلب بحق المتهمين الذين رفضوا الامتثال أمامها.

وتم تأجيل القضية الى جلسة لاحقة يوم 10 يوليو/جويلية 2018، لإحضار بقية المتهمين.

 

البداية.. تعذيب وقتل

يوم 7 أكتوبر 1991، تم اعتقال كمال المطماطي في مقر عمله بشركة الكهرباء والغاز بقابس، واقتيد لمقر منطقة الشرطة بالجهة. لم تكن لكمال سوابق اجرامية او عدلية، تهمته كانت نشاطه السياسي والنقابي المعارض.

 

 

سنة 2016، لدى عقد اول جلسة استماع علنية لضحايا الاستبداد في مقر هيئة الحقيقة والكرامة، تقدمت والدة المطماطي وزوجته بشهادتيهما و بحضور عدد كبير من السياسيين والحقوقيين، روت الزوجة والام تفاصيل بشعة عن حقيقة ما حصل لكمال المطماطي.

“تعرض كمال لضرب مبرّح من طرف أعوان الامن، حيث تناوب 5 أشخاص على ضربه بصورة متواصلة لساعات، في كل انحاء جسمه الى ان اغمي عليه. حينها تم استدعاء طبيب كان موقوفا في  مركز الامن، الذي اخبرهم ان كمال يعاني كسورا بيديه الاثنتين وان اي اعتداء آخر عليه قد يقتله، فقد بلغ مرحلة حرجة من الضرر الجسدي.

لكن أعوان الامن، وعلى  رأسهم رئيس منطقة الأمن، سخروا من رأي الطبيب، وواصلوا تعذيبه الى ان توفي بين أيديهم، حينها استدعوا الطبيب مرة أخرى الذي اكد لهم الوفاة، و هددوه بنفس المصير ان تكلم حول قتل المطماطي.

قام الجلادون بسحب الجثة الى خارج قاعة الاعتقال، واوهموا السجناء الآخرين بأنه فاقد للوعي وأنه حال استفاقته سيتم إرساله الى مقر وزارة الداخلية، فيما خططوا للتخلص من الجثة في مكان مجهول. هكذا قالت الزوجة في شهادتها امام هيئة الحقيقة والكرامة.

 

 

لسنوات، ترددت الأم والزوجة على مركز الأمن سائلات باحثات عن مصير الابن والأب والزوج المفقود، وفي كل مرة يخبرهم الأعوان انه موجود ويطلبون منهن ان يحضرن ثيابا نظيفة لكمال و”القفة”، لتسرع المرأتان بتحضير مستلزمات عزيزهما، و ترجعا للمركز، دون أن تدريا أن من تحبان قد قتل في نفس الليلة التي اعتقل فيها.

 

سنوات من العذاب

 

تواصلت معاناة عائلة المطماطي  بين بحث في المستشفيات ومراكز الاحتجاز في كامل تراب الجمهورية لمعرفة مصير ابنها، حتى سنة 2009، حينها عرفت العائلة بمقتله، و بدأت رحلة المطالبة بجثته، “كل ما أردته وأريده هو قبر يضم رفات ابني و اقرأ له الفاتحة امامه ” هذه هي كل مطالب الأم المكلومة، والدة المطماطي، لكن حتى هذا الطلب البسيط حرموها منه، فلم يكتف القتلة باغتيال الشهيد، بل عملوا على اخفاء كل الأدلة والبراهين التي قد تقود الى معرفة مكان دفن الجثة.

تشدد العائلة الآن، على مطلبين، اولهما استرجاع جثمان فقيدها، والذي كان القيادي في حزب حركة النهضة عبد الفتاح مورو، قد صرح سابقا ان أحد أعوان الامن بقابس ، قد أخبره بأن جثمان الشهيد تم إلقاؤه في خرسانة أحد الجسور التي كانت قيد البناء وقتها.

وتصر العائلة على المحاسبة، فجريمة التعذيب لا تسقط بالتقادم، و يجب على القتلة مواجهة عواقب جرائمهم. يذكر أن قائمة المتهمينقد ضمت  13 شخصا بدأ بالامنيين الذين باشروا عملية القتل وصولا الى الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

اترك رد