اختيار المحررينثقافة

الحمامات الملكية الأندلسية وكنوز المعمار الإسلامي

تاريخ الحضارة الإسلامية

 

تعود أصول “الحمام” الى الحضارة اليونانية والرومانية التي اكتشفها العرب خلال فتوحاتهم في بلاد الشام فقاموا بتطويرها وإضافة الطابع الديني عليها.

وباعتبار أن النظافة نمط عيش أساسية بالنسبة للمسلمين ارتبطت الحمامات بالمساجد لتيسير أداء الأحكام الخاصة بالطهارة.

 

ثم أصبح الحمامات احدى العناصر الأساسية لدى العرب لا فقط على المستوى الديني بل أيضا على مستوى فن العمارة أيضا حيث أضفى الطراز المعماري الإسلامي نكهة حضارية عليها وأكسبها تصاميما وزخارف ساهمت في اشعاعها واقبال الناس عليها في مختلف المدن التي شهدت النهضة إسلامية على غرار الأندلس التي ظلت الى اليوم مركزا للفنون والثقافة.

 

حمام جيان “النينو” تحفة معمارية أندلسية

 

فـاسأل بلنسيةً ما شأنُ مُرسيةً *** وأيـن َشـاطبةٌ أمْ أيـنَ جَيَّانُ

حكم العرب مقاطعة جيان لخمس قرون، وقد افتتحت في القرن العاشر وأصبحت عاصمة المملكة العربية المسماة دجاريان، ضمها المرابطون في 1091م ثم أخذها الموحدون في 1148م، فنالت نصيبها من الحضارة والثقافة العربية الإسلامية وجعلوا منها مدينة عظيمة، فعينوا واليا عليها وازدهرت الصناعة (السجاد خاصة) والتجارة والزراعة وشيدت فيها المساجد والحصون والقصور والمباني

ارث عظيم تركه العرب قبل أن يهدمه القشتاليون (مسيح الأندلس) الا أن البصمة العربية لاتزال موجودة كعنصر أساسي في التراث الأندلسي وخاصة المعماري ولعل الحمامات العربية أبرز دليل على ذلك حيث يحتفظ “حمام جيان” الى الآن بطرازه الإسلامي الراقي الذي ظهر في مختلف تفاصيله وطريقة بناءه وجانب الاتقان في نقوشه

ويعتبر من أكبر الحمامات في اسبانيا مساحة وأحد أقدمهم تاريخا حيث شيد في القرن الحادي عشر ميلادي

ويتشكل الحمام من 4 قاعات رئيسية على غرار الحمامات العربية وهي قاعة الانتظار والقاعة الباردة ثم القاعة الدافئة فالساخنة.

 

 

تتميز قاعة الانتظار بتصميمها المهيب باعتبارها أول قاعة يلوج اليها الزائر عند دخول الحمام فكان الاهتمام بها بالغا عكس قيمة المعمار العربي وفنونه بتصميم رائع في تشكيل الأبواب ونوافذ الزينة والممر العريض الى جانب الأحجار المستخدمة وأضواء قبتها التي تبدو في شكل نجوم لتضفي مسحة جمالية وابداعية على المدخل وبقية القاعات أيضا التي شملها التصميم بكل تفاصيله فزينت بأقواس دائرية استرخت فوق تيجان وأعمدة رخامية ، ليجد الزائر نفسه داخل كوكبة من النجوم المتعاقبة التي تنير له درب الطهارة وسط البخار المتصاعد والاستمتاع بدفء المياه ورمزية المكان.

ولا يمكنك الدخول الى باقي الغرف دون الاعتماد على الممر الطويل الذي يحملك اليها حيث تدرج الحرارة من البرودة الى الدفء لتنتهي بك الى القاعة الأكثر حرارة، فتتلاءم بذلك مع حرارة جسم الانسان وتحافظ على صحته.

 

 

والقاعة الساخنة هي عبارة غرفة يتوسطها حوض صغير وخزان مياه ومن حولها أعمدة تقف شامخة كشموخ الحضارة التي ساهمت في تشكيلها.

وعند الانتهاء من الاستحمام وتغطية الأجساد تقدم في قاعة الانتظار المشروبات الأندلسية أو بعض الحشائش الطبيعية المفيدة للجسم.

حمام بطراز معماري رائع، كشفت الترميمات التي شملت أجزاءه عن تحفة فنية في غاية الاتقان وعثر خلال الحفريات على تحف أثرية ساهمت في إعادة تشكيل صورته وإبراز تاريخه الى جانب المتحف.

الذي أنشأ ليحفظ العديد من الشواهد الأثرية التي تحكي تاريخ الحمام وعمق الإطار الحضاري الأندلسي.

 

الحمام الأندلسي الشهير “البانويلو دي غرانادا”

يعتبر حمام بانويلو من أشهر الحمامات وأجملها في اسبانيا شيد في القرن الحادي عشر ميلادي بغرناطة وتحديدا في عهد باديس بن حبوس المنتمي للعائلة الملكية.

تعددت تسمياته فأطلق عليه “حمام الجوزة” أو “حمام الجوز”، وسمي ب”حمام القصور” ولكن لا يختلف أصحاب التسميات عن كونه ارث معماري أندلسي فريد حيث لا يزال يحافظ على هيئته وتفاصيله العربية.

 

 

يضم الحمام ثلاث صالات رئيسية، وتضيء النجوم الزجاجية المثبتة في سقفه أركانه.

عند دخوله يمر الزائر عن طريق فناء يتوسطه حوض مياه وبجدران منقوشة أما قاعة الحمام الرئيسية فتزخر برواق مصفف بالأعمدة على هيئة ممر مصحوب بأقواس وكأنها حدوة حصان تقف على أعمدة ذات تيجان مستلهمة من فن المعمار القديم.

يضاف الى القاعة الرئيسية قاعتين اتباعا للنمط العام الذي تدشن به الحمامات أي غرفة باردة ثم غرفة دافئة ثم غرفة ساخنة والتي تأتي مباشرة بعد اجتياز مكان حفظ الملابس. وتتكون حيطانها من “طبقات سميكة من ملاط الجير والرمل والماء لعزل الحمام بشكل جيد عن حرارة محيطه الخارجي”.

سلم حمام غرناطة من التدمير بعد حملة الكاثوليك (بعد دخول جيش الملكة ايزابيلا سنة 1490) التي هدمت الكثير من المباني التاريخية المهمة وفي 1918 تم ادراجه ضمن قائمة الآثار الوطنية التي يتوجب المحافظة عليها، وانطلقت عملية ترميمه ليصبح اليوم وجهة سياحية عالمية.

 

 

“البانيو” أو “حمام ليونور الملكي” في قرطبة  

يعود بناء هذا الحمام الى سنة 1328 حيث أمر الملك ألفونسو الحادي عشر بتشييد حمامات لحبيبته الدونا” ليونور دي غوثمان” متبعا نفس التصميم الذي تنتهجه الحمامات العربية في مقر القصبة الإسلامية القديمة لقصر قرطبة المعروف الآن باسم قصر الملوك المسيحيين فيما يعلرف الحمام باسم “ليونور” أيضا أو الحمام الملكي.

 

 

ورغم ما عرف عن الملك حول منعه للحمامات العمومية الإسلامية احتراما للآداب المسيحية العامة التي كانت سائدة حينها والتي تتناقض ومفهوم الطهارة الإسلامي فقد كان حبه لعشيقته أقوى من أن يرفض لها طلبا

واشتهرت “ليونور” بجمالها ونشاطها كما كانت شديدة الذكاء واعتبرت من النساء الأكثر تأثيرا في أوروبا ورغم كونها زوجة غير شرعية فقد أنجبت من الملك عشرة أطفال تولى أحدهم زمام الحكم بعد ازاحته للوريث الشرعي.

 

 

ويتم الدخول لحمام ليونور الملكي عبر الصحن الموريسكي ويستأثر بالطابق الأرضي لقصر قرطبة وهو الجزء الذي أمر الملك بتشييده أسفل “قاعة الفسيفساء” تحت اشراف خبراء مسلمين سهروا على انشائه ليعكس طابعا إسلاميا صرفا.

وعلى غرار الحمامات الأندلسية يتم التنقل داخل الحمام الغرناطي بالاعتماد على ممرات تأخذ زائرها في رحلة الفصول الأربعة من القاعة الباردة الى الساخنة مرورا بنقوش وزخرفات وبأعمدة وتيجان وأقواس إسلامية.

 

 

حمامات مثلت عنصرا ثقافيا هاما في الأندلس وقبلة سياحية منشودة للاستمتاع بالقيمة الحضارية والوظيفية للحمام العربي.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد