مجتمعسياسةغير مصنف

وثيقة قرطاج 2 خارج الخدمة.. هل تصمد حكومة الشاهد؟

ما الذي يعنيه تعليق اتفاق قرطاج؟

 

أعلن رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي رسميا عن تعليق العمل بوثيقة قرطاج 2 بعد وصول المفاوضات حول حكومة يوسف الشاهد الحالية الى طريق مسدود.

هذا القرار، بررته الناطقة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية سعيدة قراش  باستحالة الوصول الى موقف موحد بين الاطراف الموقعة على الوثيقة بخصوص مصير حكومة يوسف الشاهد.

من جهة اخرى، جدد الاتحاد العام التونسي للشغل رفضه المطلق بقاء يوسف الشاهد و حكومته على رأس السلطة وقال الامين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي ان الاتحاد – بتعليق العمل بوثيقة قرطاج- لم يعد “ملزما بشيء” مما جاءت به بنود الوثيقة.

 

 

هذا الانقسام لم يكن مفاجئا، فتباين المواقف والنوايا بين مختلف الأطراف الموقعة على الوثيقة كان يحمل في طياته بذور الخلاف منذ انطلاق المفاوضات، لكنه شكل ضربة موجعة للاستقرار السياسي في تونس، حيث يعد الاتحاد ركيزة اساسية في حكومة الوحدة الوطنية ومن مؤسسي الحزام الحكومي الوطني باعتباره أحد اطراف الرباعي الراعي للحوار، واحد الموقعين على وثيقة قرطاج 1 و 2 .

وكان رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي قد أكد سابقا ان لا حكومة وحدة وطنية من دون مشاركة الاتحاد، هنا يصبح الوضع الحالي مثيرا للقلق فالتجاذب الشديد و تعليق المفوضات بين الاطراف المتداخلة يهدد بعاصفة سياسية قد تطيح بالاستقرار الهش الذي حققته تونس في الفترة الاخيرة، و يهدد أيضا بإعادتها الى تقلبات اقتصادية عنيفة لا تتماشى والمرحلة الحالية التي أفرزت انتخابات محلية  ومجاس بلدية و كان من المفروض ان تمضي نحو مزيد من الاستقرار حتى الوصول الى برلمانيات 2019.

الشاهد المغضوب عليه ..سبب الأزمة

 

وقد تبوأ يوسف الشاهد منصبه كرئيس للوزراء في مايو 2017 بعد أن دفع نداء تونس به خلفا لحبيب الصيد الذي أثار النداء أزمة سياسية لفرض إقالته، وشكل رئيس الجمهورية حزاما سياسيا لدعمه. لكن شيئا فشيئا، ظهرت الخلافات بينه وبين المدير التنفيذي لحزب النداء نجل الرئيس -حافظ قايد السبسي- وانطلقت المطالبات بإقالته وتعويضه بآخر.

على خلفية الصراع بين الشاهد وحافظ السبسي والدائرة المحيطة به في القصر، دعا رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في يناير 2018 الى اجتماع للموقعين على وثيقة قرطاج 1، لتدارس الأوضاع في البلاد، وتم الاتفاق على تشكيل وثيقة جديدة للتوافق تضم الخطوط العريضة للنهوض بالوضعين الاقتصادي والسياسي للبلاد، تحت اسم وثيقة قرطاج 2.

ورغم أن الأطراف توافقت على 63 بندا في الوثيقة، قرر الرئيس تعليقها، لاختلافهم على بند واحد هو البند 64، الذي يبدو أن الوثيقة لم تعد إلا من أجله، ويتعلق بإقالة الشاهد وإجراء تغيير حكومي.

أزمة البند 64

حزب حركة النهضة، الذي يحظى بالأغلبية في البرلمان، أعلن عن رفضه  إجراء تغيير شامل للحكومة في الوضع الحالي، لأن البلاد ببساطة لم تعد تحتمل المزيد من الإضطراب وعدم الإستقرار الحكومي.

 

 

وقال رئيس الحركة راشد الغنوشي في تصريحات إعلامية، ان مسؤولية تعليق العمل بالوثيقة تتحمله الأطراف التي لم تسعى للتوافق، وقال ان الحركة تسعى دائما الى مصلحة البلاد، وتعودت على التنازل، “إلا ان التنازل هذه المرة، فيه خطر وإضرار بمصلحة البلاد التي هي فوق كل اعتبار، لذا فان حركة النهضة متمسكة ببقاء الشاهد وحكومته”، رغم انها بعيدة عن المثاليةـ إلا ان الإطاحة بها دون بديل واضح، من شأنه ان يضر بمصلحة البلاد.

وشاطرها الموقف ذاته حزبان من الموقعين على اتفاقية فرطاج، هما حزبا المبادرة برئاسة كمال مرجان وحزب المسار.

 أزمة سياسية جديدة

أمام الطريق المسدود الذي وصلت إليه المحادثات، أعلن رئيس الجمهورية تعليق العمل بوثيقة قرطاج ووضعه مصير حكومة الشاهد بيد البرلمان التونسي، نظرا لكون قرار الإقالة ليست بيده، ولكنه يستطيع توجيه لائحة لوم الى الحكومة قد تؤدي الى سحب الثقة منها.

من جهة أخرى، يعيش حزب نداء تونس نفسه انقساما حادا، مع شق متمسك بإقالة الشاهد وهو الذي يقوده نجل الرئيس حافظ قايد السبسي، وشق آخر يرفض استبعاد الشاهد حاليا، ويتفق مع الأحزاب المعارضة في ان تغيير الحكومة الان سينعكس سلبا على الوضع الاقتصادي لتونس.

لم تحض تونس، منذ الثورة، باستقرار سياسي او حكومي، وتعاقبت عليها 10 حكومات متالية،  بمعدل حكومة كل 8 أشهر، ما خلف هشاشة مزمنة في المشهد السياسي و أثر سلبا على الوضع الخارجي لتونس والتزاماتها الدولية وضيّق من آفاق الاستثمار، وأضر بالحاجة لترسيخ مبدأ استمرارية الدولة، مما عطل عديد المشاريع والانجازات التي كان من الممكن ان تأتي بنتائج إيجابية لو تم منحها الوقت الكافي.

جاء تعليق العمل بوثيقة قرطاج ليضع حكومة الشاهد في مهب الريح، لكن الخسائر هذه المرة ستضاف الى الأعباء السياسية والاقتصادية لتونس التي ما تكاد تتقدم خطوة في طريق الاستقرار، بعد ان تم اجراء اول انتخابات بلدية بنجاح، وتجاوز معدل النمو 2.5 %  لأول مرة منذ سنة 2015، حتى تعود خطوات الى الوراء.

والسؤال هو: هل يتمكن نجل الرئيس من إقالة خصمه من خلال ضمان أغلبية 109 صوتا في المجلس النيابي، أم سيضطر للقبول بضرورة الحفاظ على رفيقه في الحزب على رأس الحكومة وتجنيب البلاد أزمة سياسية أخرى هي في غنى عنها؟

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد