دين وحياة

مصطفى المراغي.. الإمام المجدد الذي رفض أوامر الملك

سير خالدة

 

كان الإمام المراغي، يُناضل في سبيل إصلاح الأزهر ومناهجه وتجديد أهدافه بين تيارات متضاربة عنيفة وأحزاب تحررية، ولكنَه رغم كل هذا مضى في طريقه يتجاوز العقبات.

يقول عنه الإمام عبدالحليم محمود “عالم ذكي، وشخصية خارقة مهيب صاحب رأي في العلم والسياسة، ونزلوا على رأيه في مواقف كثيرة مهمة، وكثيرًا ما استمع الملك فاروق آخر ملوك المملكة المصرية إلى رأيه، وكان يحضر مجالسه العلمية، وينصره على بعض الأحزاب والجميع يعرف مكانة الإمام المراغي لجرأته في قول الحق، وإن أغضب ذلك ذوي السلطان” .

والمراغي هو عالم أزهري وقاض شرعي مصري شغل منصب شيخ الأزهر في الفترة من 1928 حتى استقالته في 1930 ثم تولى المشيخة مرة أخرى عام 1935 وحتى وفاته في ليلة 14 رمضان 1364 هـ الموافق 22 أوت/أغسطس 1945.

ولد محمد بن مصطفى بن محمد بن عبد المنعم المراغي القاضي الحسيني في مركز المراغة، محافظة سوهاج بصعيد مصرفي 7 ربيع الآخر سنة 1298 هـ الموافق لـ 9 مارس سنة 1881.

وينتهي نسبه الشريف إلى الحسين بن علي و فاطمة الزهراء بنت النبي محمد صلى الله وعليه وسلم، وتلقى المراغي نصيبا من المعارف العامة، وحفظ القرآن ولشدة نجابته أرسله والده إلى الأزهر بالقاهرة، فتلقى العلم على جمع من علماء الأزهر وتأثر بعلماء التيار المجدد ومنهم شيخه الشاب علي الصالحي الذي درس عليه علوم العربية، وتأثر بأسلوبه في البيان والتعبير.

وفي عام 1904 تخرج من الأزهر حاصلا على الشهادة العالمية متفوقا على زملائه، ليكون أصغر علماء الأزهر سنّا، (فكان عمره حينها ثلاثة وعشرين عاما)، وكانت النقلة النوعية في حياة المراغي، عند اتصاله بالشيخ محمد عبده الذي حدد مكانته العلمية، ومستقبله في مدرسة الإحياء والتجديد والإصلاح.

تأثره بمحمد عبده

تتلمذ المراغي على محاضرات الإمام محمد عبده في تفسير القرآن، وتأثر بمنهجه في التوحيد وما يراه تنقية للعقائد الإسلامية، وكذلك الحال في البلاغة واللغة العربية عرفت نقلة في أسلوب تقديمها في وقته وقد صار بعد ذلك أحد أهم أعلام مصر والعالم الإسلامي وأحد أهم من شكلوا قوانينها ومسارها التشريعى والفقهى والوطني وقد ساهم بمجهودات كبيرة ليتبوأ الأزهر مكانته رغم قلة كتبه.

 

المراغي مع الملك فاروق

 

كان إصلاح الأزهر هو الهدف الأساسي الّذي وجّه إليه الإمام المراغي اهتمامه، لدى تولّيه مشيخة الأزهر، وكانت له على هذا الصعيد آثار ملموسة، فقام بإنشاء ثلاث كليات علميّة تخصصية، ودعا إلى تحرير مناهج الأزهر من التقليد والتَّلقين، كما دعا بالمقابل إلى الأخذ بالأساليب الحديثة، والتَّوسُّع في الاجتهاد، حاثّاً الطلاب على دراسة اللغات الأجنبية، ليكونوا أكثر قدرة على نشر الإسلام والثَّقافة الإسلامية، في كل أنحاء العالم.

اصلاح الأزهر

قام المراغي بتشكيل لجان لدراسة قوانين الأزهر ومناهجه الدراسية وبموجب ذلك أعد مشروع قانون لإصلاح الأزهر، رفعه إلى الملك فؤاد الأول،عام  فرفضه الملك، خشية أن يؤدّي ذلك إلى استقلال الأزهر عن القصر.

فكان ردُّ الشيخ المراغي أن وضع مشروع القانون في ظرف، وخطاب استقالته في ظرف آخر، مخيرا الملك بين الأمرين، فقبل الملك الاستقالة وعندئذ سير  طلاب الأزهر وعلماؤه، مظاهرات طالبوا فيها بعودة الشيخ “المراغي” للأزهر، من أجل استكمال مسيرته الإصلاحية، وعاد الشيخ مرّةً أخرى، ولكن بعد خمس سنوات تقريبا، واستمرّ بعدها في منصبه لمدة عشر سنوات.

وفي الحرب العالمية الثانية أعلن كلمته المشهورة في مسجد الرفاعي أثناء خطبته: “أسأل الله أنْ يجنِّبنا ويلات حربٍ لا ناقة لنا فيها ولا جمل”؛ لأن الإنقليز أرادوا أن يزجوا بالمصريين معهم في حرب الألمان، ولقد أحدث تصريح الإمام ضجة كبرى هزت الحكومة المصرية وأقلقت الإنقليز.

منصبه في السودان

لَما طلبت حكومة السودان من الشيخ محمد عبده اختيار قضاة السودان الشرعيين، كان الإمام المراغي في مقدمة من اختارهم، فسافر الشيخ الإمام محمد مصطفى المراغي قاضيا لمديرية دنقلة، وبعدها نُقل الشيخ الإمام قاضيا لمديرية الخرطوم.

وفي تلك الفترة كان الشيخ الإمام المراغي دائم الاتصال بأستاذه الإمام المفتي الشيخ محمد عبده، فقد تبادلا رسائل قيمة في الشؤون الدينية والوطنية، وظلَّ الشيخ الإمام المراغي وفيا لأستاذه في حياته وبعد مماته.

 

الملك فاروق مع شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغى ويظهر فى الصورة الأمير محمد عبد المنعم

 

مصاعب ومحن كثيرة تعرض لها الشيخ المراغي وكانت آخرها التي تسببت في وفاته، إذ لما طلَّق الملك فاروق زوجته الأولى أراد إصدار فتوى شرعية تمنعها من الزواج بعده، وحاول حمل الإمام بكل الوسائل على إصدار هذه الفتوى، فرفض، وكان الشيخ الإمام المراغي مريضا بالمستشفى، فزاره الملك، وعقب مشادة عنيفة بينهما بسبب إصرار الإمام على عدم إصدار هذه الفتوى للملك، ساءت صحة الشيخ وتدهورت، حتى انتقل إلى ربه في ليلة الأربعاء الرابع عشر من شهر رمضان سنة 1364هـ الموافق الثاني والعشرين من شهر أوت/أغسطس سنة 1945م.

وخلّف الشيخ آثارا علمية، تشهد بفضله وإمامته، اشتملت على برامجه الإصلاحية، وخاصة إصلاح الأزهر وقوانين الأسرة، بالإضافة لمؤلفاته ودروسه في تفسير القرآن الكريم، وبعض القضايا الفقهية واللغوي.

الوسوم

هالة سويدي

عضو في فريق تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد