مجتمعغير مصنف

فوانيس غزة تنير ليالي رمضان رغم الحصار

ميم تلتقي صبحي فروانة، الحرفي الوحيد الذي لا يزال يصنع فوانيس رمضان بغزة

 

 ابراهيم عبد الهادي- غزة- مجلة ميم

 

في داخل ورشته المتواضعة والمليئة بأدواته البسيطة في سوق فراس الشعبي وسط مدينة غزة ينهمك صبحي فروانة (52 عاماً) في صناعة فوانيس رمضان مختلفة الألوان والأحجام لبيعها مع حلول شهر رمضان المبارك.

 

يخبرنا فروانة أنه يعمل في صناعة فوانيس رمضان منذ 25 عاماً بعد أن ورثها عن آبائه وأجداه, مبيناً أنه الوحيد الذي لا يزال يحافظ على صناعة فوانيس رمضان في قطاع غزة, حيث هجر هذه الصناعة معظم حرفييها بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية, وارتفاع تكلفة المواد الخام التي تستورد غالبا من الخارج من جمهورية مصر العربية التي تعتبر صاحبة ابتكار واختراع فانوس رمضان. وقد اشتهرت مصر بصناعته قديماً, ومن ثم انتقلت هذه الصناعة الي عدة دول عربية ومن بينها فلسطين” .

 

صانع الفوانيس، صبحي فراونة

 

ويبين فراونة  “أن صناعة الفوانيس تتم بشكل يدوي في جميع مراحلها ويتم استخدام الصفيح المعدني والزجاج والقصدير للقيام بعمليات اللحام اللازمة للفانوس, اضافة للقيام بكتابة عدة عبارات دينية عليها مثل أسماء الله الحسني أو عبارة رمضان كريم أو كلمة حالو يا حالو لخروج الفانوس بصورته النهائية الزاهية والجميلة, والذي يعد من أهم تقاليد شهر رمضان المبارك, حيث يتم تزيين شرفات المنازل والمحال التجارية والفنادق والمطاعم في غزة بالفوانيس المضيئة لإضفاء نوع من البهجة على هذه الأماكن خلال الشهر الكريم” .

وعن طريقة صناعة الفانوس يقول فروانة

“صناعة الفوانيس تمر بعدة مراحل تتطلب دقة متناهية من خلال البدء بقص قطع الصفيح حسب نوعية الفانوس المراد صناعته لتكون بنفس الشكل والحجم, ومن ثم يتم ثني الحواف الحادة لتسهيل عملية لحامها بالقصدير بعد تجميع مكونات الفانوس كاملة, وبعدها يتم تحديد شكل فتحات الفانوس لتخريم هذه الأشكال بواسطة آلة تعمل يدوياً ليتم عمل مجري لها لإدخال ألواح الزجاج الذي يتم تلوينه والكتابة عليه, ومن ثم يتم وضع مصباح كهربائي بداخل الفوانيس لأضاءتها ليلاً “.

 

 

“وتختلف أشكال الفوانيس التي يتم صناعتها فمنها ما يأخذ الشكل الخماسي أو السداسي ومنها ما يسمي بالفانوس الملكي والذي يتميز بضخامة حجمه ويبلغ طوله متراً واحداً تقريباً, حيث تختلف مدة صناعة الفانوس الواحد حسب حجمه وهي تستغرق من يومين الي 5 أيام عادةً, حيث تضاهي هذه الصناعة الفوانيس المستوردة من الخارج وتتميز بالجودة العالية وبالبقاء لفترات طويلة دون تعرضها لأي تلف” يقول فروانة لـ “مجلة ميم” .

 

وبحسب فروانة فان “أسعار الفوانيس تختلف حسب أحجامها وشكلها، ويصل سعر الفانوس كبير الحجم 35 دولاراً أمريكياً وثمن الفانوس الصغير والمتوسط تتراوح بين 3 و20 دولاراً أمريكياً, كما أن الأسعار تختلف من سنة الي أخري حسب النماذج والأشكال الجديدة التي يتم ابتكارها وعرضها في الأسواق, اضافة الي نسبة الطلب مقابل العرض وأسعار المواد الخام والتي تتغير من فترة الي أخري, وطبيعة الحركة الشرائية في الأسواق والتي تشهد حالياً حالة ركود اقتصادي كبير في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي يمر بها المواطنون في قطاع غزة”.

 

 

 

ويشير صانع فوانيس رمضان إلى أن الاقبال على شرائها في غزة  ضعيف نسبياً

“ازدادت هذه الفترة سوءاً خلال العامين السابقين, وبالرغم من ذلك فان صناعة الفوانيس التقليدية لها زبائنها وتبقي المفضلة عندهم عن مثيلاتها المستوردة من الخارج, وأصبحت من طقوس شهر رمضان لبعض العائلات الغزية والتي لا تقبل أن يمر الشهر الكريم دون شراء فانوساً تزين به منزلها أو حاراتها أو تقدمه لأطفالها لإدخال البهجة والسرور عليهم ” .

ويتمنى فروانة بأن “يتم السماح بتصدير فوانيس رمضان اليدوية الي البلدان العربية والاسلامية, لتنشيط هذه الصناعة ولإعادة الروح والانتعاش لها بعد أن تقلصت  أعداد  العاملين فيها ولجوئهم لأداء أعمال أخري, اضافة الي ضرورة وقوف الجهات المختصة بجانبنا, وأن يتم منع استيراد فوانيس رمضان من الخارج لإعطاء الفرصة لتشجيع الصناعات المحلية بمختلف أشكالها”.

“صناعة الفوانيس في قطاع غزة تمر بتحديات كبيرة أهمها غزو الفوانيس الصينية المصنوعة من البلاستيك للأسواق الغزية, وانخفاض ثمنها مقارنة بالفوانيس التقليدية اليدوية, على الرغم من رداءة جودتها والتي لا يمكن مقارنتها بالفوانيس التي يتم صناعتها محلياً بالطريقة التقليدية, والتي تتميز بالدقة والجودة الكبيرة في صناعتها, إلا أننا لا نزال مستمرون في عملنا في هذه الصناعة رغم كافة الصعوبات التي تواجهنا ولن نترك مهنة آبائنا وأجدادنا للمحافظة عليها من الانقراض” .

 

 

الباحث في التاريخ الاسلامي يوسف طبيلة يقول لـ “مجلة ميم” إن ” فوانيس رمضان ظهرت في مصر إبان الحكم الفاطمي في الفترة من 972 الي 1171ميلادي, في زمن المعز لدين الله الفاطمي, وكانت تستخدم لإضاءة الطرقات ليلاً في بداية الأمر وتعليقها على أبواب المنازل والمساجد والعقارات, ومن ثم تعددت أشكالها وأنواعها واستخداماتها وأصبحت رمزاً لاستقبال الشهر الكريم في تلك الفترة ” .

ويضيف “كان الفاطميون يحتفلون برؤية هلال شهر رمضان, وكان يخرج معهم الأطفال بالفوانيس لإنارة لهم الطريق أثناء خروجهم وذلك سنة 360 هجري في عهد جوهر الصقلي, حيث كان الأطفال يقومون بأداء بعض الأغاني والعبارات الرمضانية أثناء مسيرهم, وفي القرن العاشر الميلادي أمر الحاكم بأمر الله النساء بعدم الخروج لأداء صلاة التراويح في المساجد إلا بعد أن تصطحب كل امرأة طفلاً معها ويحمل بيده فانوساً, ليبين للمارة أن هناك امرأة تسير في الطريق”.

ويؤكد فروانة أن “صناعة فوانيس رمضان كانت سابقاً تبقي مستمرة طوال أيام السنة دون توقف, أما الآن فنقوم بممارستها قبل 3 شهور فقط من شهر رمضان وقد تزيد الفترة قليلاً حسب الطلب على شراء الفوانيس من قبل بعض التجار, حيث أثر الحصار الاسرائيلي وقطع رواتب الموظفين على جميع مناحي الحياة بغزة, وازدادت الأوضاع الاقتصادية سوءاً, وأصيب القطاع بشلل تام في الحركة الشرائية بشكل عام” .

 

وبحسب احصائية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2017م, فقد بلغت نسبة الفقر في قطاع غزة 53%, وبلغ معدل البطالة 43.9%, حيث كانت النسبة الأعلى للعاطلين بين فئة الشباب بواقع 64.7% وهو ما ساهم بتفاقم الوضع الاقتصادي في قطاع غزة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد