اختيار المحررينثقافةغير مصنف

سنيّة صالح: نجمة منسيّة في سماء الشعر العربي الحديث

شاعرات القرن العشرين

 

“سنيّة هي حبّي الوحيد، نقيض الإرهاب والكراهية، عاشت معي ظروفًا صعبة، لكنّها ظلّت على الدوام أكبر من مدينة وأكبر من كون، إنّها شاعرة كبيرة لم تنلْ حقّها. ربّما آذاها اسمي، فقد طغى على حضورها، وهو أمر مؤلم جدًّا، كما أنها لم تأخذ حقها نقديًّا”.

 

بهذه الكلمات تحدّث الشاعر الكبير محمّد الماغوط عن رفيقة دربه وزوجته وحبيبته سنيّة صالح، الشاعرة الجريئة الّتي تمرّدت على آبائها الشعريّين في وقت مبكّر جدًّا، وكانت أحد الّذين عبّدوا الطريق لما يُعرَف بقصيدة النثر، لكن ظلمها النقّاد كما تحدّث الماغوط، وظلمها هو نفسه، بأن وضع على أكتافها حِمْل حياته المجنونة والمتمرّدة، ظلمها بطبعه الحادّ ومزاجيّته وحزنه الغائر كسكّين في الأحشاء.

 

 

وُلدت سنيّة صالح في قرية مصياف السوريّة في عام 1935، ودرست البكالوريا اختصاص علمي رغبةً منها في دراسة الطبّ، لكنّ ظروفها منعتها من تحقيق رغبتها، فدرست اللغة الإنكليزيّة في لبنان بين عاميْ 1957 و1958.

ومع بداية اطّلاعها على الشعر الإنجليزي والفرنسي، وتحرّرها النسبي من رقابة المجتمع الريفي، بدأت علامات النبوغ الشعري في الظهور في قصائدها الأولى الّتي كانت ترسلها إلى أختها الناقدة خالدة سعيدة كي تطّلع عليها.

لكنّ هذه الفترة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما أجبرتها الحرب الأهليّة في لبنان في سنة 1958، على العودة إلى سوريا لتعيش إلى جانب والدها.

 

 

في سنة 1961، عادت سنيّة صالح للدراسة في لبنان بعد استتباب الأمن فيه؛ وكانت هذه السنة مميّزة في حياة هذه الشاعرة الكبيرة، حيث نالت فيها جائزة “مجلّة شعر” الّتي كانت تنظّمها جريدة النهار، عن قصيدتها “جسد السماء”، وقد أجمع أعضاء لجنة تحكيم “مجلّة شعر”، المؤلّفة من شوقي أبي شقرا وأدونيس وأنسي الحاج على فرادة هذه القصيدة وتميّزها عن الشعريّة السائدة، بل اعتبروا أسلوب الشاعرة مبشّرًا بفتوحات جديدة في الشعر العربي في ذلك الوقت.

وهذا ما وسم أغلب قصائد سنيّة صالح في دواوينها الأخرى، هذه الفرادة في تشكيل عالمها الذاتي الصرف لجعله عالمًا أسطوريًّا، فهي تتحدّث عن معاناة روحها وتعب جسدها لكنّها تجعل من روحها روح الإنسانيّة بأسرها وتجعل جسدها جسدًا جماعيًّا.

 

 

ولم تكن ثوريّة قصائدها الأولى متجسّدة في الثورة على الشكل بالخروج من جبّة الشعر الموزون إلى الشعر المنثور فحسب، بل في خصوصيّة الموضوع الشعريّ عندها، إذ كان موضوعًا محض ذاتيٍّ في أغلب القصائد.

ورغم تقاطع شعر سنيّة صالح مع مجايليها في الاشتغال على الأسطورة، إلّا أنّ الأسطورة في شعرها لم تكن أسطورة تموزيّة يتمّ استدعاؤها لإعادة بناء الواقع وطرح القضايا السياسيّة أو الوجوديّة، بل هي أسطورة خاصّة تعتمد على التخييل الذاتي لتمرير التداعيات النفسيّة للذات المشروخة بين الواقع والحلم، بين الجسد وما وراءه، وفي قصيدتها “خريف الحريّة” تستدعي سنيّة الرموز والأسماء لرثاء ذاتها ولمحاولة تسكين وجعها الروحي الّذي لا يخفت:

أيّها الحب..

ما الذي أيقظك.. والفجر فجر المذابح

من الذي أضرمكِ

أيّتها النار الأبديّة

في صدري الشريد؟

***

إيه أميون

ألا تزالين مختبئة كالقمر

على سطوح الباطون المسلح

حيث كنا نقضي سهرات الجنوح الأولى،

خائفين متلاصقين،

والرياح تغط في نومها العتيق كالرخم؟

أَمْيون

كفاك تشبثاً بالأرض

فالعالم يهجر محطات أسفارك،

يهجر الأماكن التي كنا نهتف منها للحرية.

كفاك تشبّثاً بغيوم الأحلام

فالنجوم تقذفك بنيرانها..

أَمْيون..

ما أسهل اقتلاعك.

ومع كل زفير

تمضي الحياة خارج قبضة الحب.

***

أن أحلم بك..

هو أن أكتسب الجرأة على الحياة

وتمتلئ رئتاي بهواء التحدّي.

من يصدّق

أنّ روحي الشاردة

قادرة أن تعبر تلك المسافات

من الظلمة والشكّ

والمغامرة

لتصل إليك؟

من يصدّق أنّها قادرة

أن تَثقُب الأبديّة،

وتصنع للقبور نوافذَ للحرّية،

الحريّة الممتلئة بكِ؟

وفي عمليّة إسراء مدهشة

في فضاء يَعجُّ بالمخاطر

يَخرج خيط الروح الهارب

هائمًا مع حلمه الصعب

لينسج حبًّا أبيض

عصيًّا

كالغيوم

 

كما لا يمكن إغفال جرأة سنيّة صالح ووعيها الشعريّيْن الحادّيْن. ففي أوّل ديوان لها “الزمان الضيّق” (1964)، قامت الشاعرة بخطوة جريئة في وقت احتدم فيه الجدل حول تصنيف ما يكتبه روّاد قصيدة النثر، حين كتبت في غلاف ديوانها الأوّل كلمة “شعر” تحت العنوان مباشرة، وهذا ما يؤكّد نظرتها الاستشرافيّة الثاقبة في تبنّي مفهوم النصّ الشعري منذ ستّينيّات القرن الماضي، وهي خطوة لم يتّخذها على أرض الواقع الروّاد أنفسهم حتّى تلك اللحظة الفارقة.

 

 

أسست للحداثة الشعرية العربية مع مجلة “شعر” وخرجت عنها بالتأسيس لقصيدة تبتعد عن الشعارات البراقة وتلتزم قضية من قضايا الواقع هي قضية المرأة التي تمثل كل إنسان عربي ولا تنفصل عن الواقع، فتحدثت في شعرها عن عذاب المرأة بإيديولوجية خاصة بها أتت فيها إلى المشهد من الخلف متحدثةً عن المرأة ومعاناتها بطريقة غير مبتعدة عن الواقع ولا تُدْخل الشعارات بالنص الشعري، فكتبت بذلك شعرا نوعيّا مختلفا عن السائد عالجت فيه المشكلة من العمق ورصدتها برؤية كافية تضيء على الواقع بطريقة تعي نفسها وذاتها وتساهم في نشر الوعي العام من خلال معجمها الشعري الخاصّ.

كان التصوّر العامّ العامّة لعالم سنيّة صالح الشعري هو الموت باعتباره انعتاقًا من حياة تسودها المعاناة الروحيّة والجسديّة، معاناة حبّها للبدويّ الأحمر محمّد الماغوط ومعاناة الظروف الحياة القاسية، لكنّ هذا الموت يتحوّل في آخر دواوينها عندما أُصيبت بمرض عُضالٍ، إلى وسيلةٍ لمعرفة كنه الحياة الحقيقي أو جسرٍ لبداية حياة أخرى.

 

 

هكذا ظلّت سنيّة صالح تبحث عن الحياة وعن التحرّر من كلّ أشكال القيود في هذه الأرض الّتي كانت تعتبرها منفى، حيث تقول:

 

أيتها النجوم المتراصّة

كالأصابع

ابسطي راحتيك.

هل ثمة شيء تخفينه؟

أم هناك فأس تقبضين عليها؟

حذارِ..

المسافة بعيدة

والضحية ستنجو

لا محالة.

أسند رأسي على الحائط

أرقب بيوتاً تطفأ عن عمد،

بيوتك أيها الخريف

ولا مأوى لقلبي.

غَنّ أيها العاشق

خذ مزمارك النحاسي وغَنّ

وكن سلوى لقلبي.

تكاثر في راحتي أيها المطر

لألهو بِكَ

وأستحِمّ

قبل أن أفقد مَرحي وظمئي

قبل أن يبتعد ليلك عن قمري.

كلانا شريدان

أنت منفيّ في سمائك

وأنا منفية في أرضي

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد