مجتمعالرئيسي

فادي البطش: راسخٌ في العلم مرَّ وهذا الأثر

زوجته تخص "ميم" بمشاهِد حسن الحياة والخاتمة

  

 حوار هديل عطا الله

تغفو إيناس في كل ليلة على صوتٍ يرتل القرآن وكأنه أُوتي مزماراً من مزامير آل داود؛ فتلهج بالحمد أن صوته المُسجل ها هنا؛ يُبرد قلبها ويجعل من ناره نوراً؛ تغمض عينيها وتتذكر وجه فادي الذي لم يطوي بِشره عن أحد؛ ولا تتجاوز ذاكرتها ذلك المشهد أبداً؛ حين تقدمت إلى جثمانه بعد يومين من اغتياله؛ قبّلت جبينه كثيرا؛ ثم بلا وعي قالت له” “سامحــتــك”؛ شعرت وكأنها هذَت بل اعتبرت نطق كلمة كهذه جرماً؛ فصحّحت الخطأ: “استغفر الله العظيم.. سامحتك!.. أسامحك على ماذا يا فادي!؛ طيلة زواجنا لم تتفوه بكلمة تجرجني؛ لم تحزني يوماً؛ ولم تقصر أبداً؛ أنت من كنت تردد بصدق ورقة: “المهم عندي أن تكوني سعيدة”.

تأخذ رشفة من كوب الماء ثم تتذكر حين رغبت في عتابه بالقول: “لماذا تركتني وذهبت”؛ وبدلاً من ذلك اقتربت من الجثة الهامدة؛ دون أن تلمسه وفقاً للإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات الماليزية بعد الحادثة؛ وإذ بها ترى وجهه مشعاً ببشارات حسن الخاتمة وابتسامة عريضة لم يفلح الدم الذي سال على وجنتيه في إخفائها؛ قالت جملةً واحدة فقط وهي تتأمل هذا البهاء: “ما شاء الله ما أجملك يا فادي”.

 

هو رجل تنفس الحب شعرتُ معه كما لو أنه من أهل الجنة

 

تتقلّب الأرملة الشابة يُمنةً ويُسرة في فراشها؛ ترفع الغطاء عن رأسها وقد اختنقت بدموعها؛ وكأنه أمامها قد عاد للتو من عمله محملاً بفاكهة المشمش المفضلة لدى “إيناسه”؛ وكانت من الفواكه النادرة في ماليزيا؛ لذا تُباع بسعر مرتفع؛ فيقول لها ضاحكاً: “هذه لك وحدك؛ حتى أنا لن آكل منها”.

تدفن وجهها بين كفيها ثم تسأل نفسها: “كيف تحملت كل هذا العذاب؛ سافرتِ من مطار القاهرة إلى غزة مع صغارك؛ فيما يقبع التابوت في الخلف؛ عشرُ ساعات كتمتِ فيها صرخة القهر والالتفات إلى حبيب العمر كي لا ينتبه أبنائك؛ وكيف يدرك عقل طفلة حساسة مثل دعاء أن في هذا الصندوق “بابا”؛ هي التي لا تنفك عن السؤال: “متى سأموت وأذهب إلى الجنة مع بابا؟.

 

 

وتبدأ الحكاية..

“ميم” في هذا التقرير لن تستعرض المسيرة العلمية للعالِم الفلسطيني الشاب فادي البطش؛ هذه العقلية الفذة في “الهندسة الكهربائية” التي صنعت الكثير مع أن صاحبها لم يمتد عمره لأكثر من 35 عام؛ لقد منحَ أيامه مزيداً من الحياة؛ لكن على ما يبدو أن علمه أرعب البعض؛ فقرر مجهولون اغتياله في 21 أبريل/نيسان الماضي في كوالالمبور العاصمة الماليزية، أثناء توجهه لأداء صلاة الفجر؛ هو الذي نشر 18 بحثا مُحكما في مجلاتٍ عالمية؛ وحصل على العديد من الجوائز العلمية الرفيعة، وكان أول عربي يحصل عام 2016 على منحة “خزانة” الحكومية، بعد حصوله على درجة الدكتوراة في الهندسة الكهربائية “إلكترونيات القوى” من جامعة مالايا الماليزية.

وكانت عائلة البطش في غزة أصدرت بيانا تتهم فيه جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) بالوقوف خلف حادثة الاغتيال؛ وقد نفت لــ “ميم” بشكل قاطع إن كان ابنها تلقى أي تهديدات من قبل؛ في حين وصفت القناة الإسرائيلية الثانية البطش بأنه “خبير في الطائرات بدون طيار في ماليزيا”؛ ونعته الإعلام الصهيوني بــ “مهندس حماس”.

 

في رمضان جدوله كان مكتظاً ما بين الجامعة نهاراً و”الإمامة” مساءًا

 

“مراسلة ميم” تبحث عن مشاهد من الحكاية التي يتمنى كل إنسان عاقل لو أنها كانت قصته؛ عن سعادة عاشها فادي البطش لم يتذوق طعمها كثير من الناس؛ مصغية بكل حواسها إلى “أحب الناس إليه”.

إيناس حمودة؛ بدت زوجة لائقة برجل جمع بين العلم والدين والحب؛ كان شرطه الأول والأخير أن تكون فَتاته حافظة لكتاب الله؛ وحين سأله أهله عما إذا كان يطلب مقياساً معيناً من الجمال؛ كان قوله: “لا يهمني شيء سوى هذا الشرط”.

تعارفت عائلتهما منذ زمن طويل؛ من أيام إقامتهما في “السعودية”؛ ثم بعد ذلك سكنا بالقرب من بعضهما في بلدة جباليا؛ تحاول إيناس إلهاء طفلها محمد الذي يبلغ من العمر عام ونيف؛ لتستهل الحديث: “قبل خطوبتنا لم يتصادف وأن رأيته؛ ولطالما سمعتُ عن سيرته الطيبة؛ فهو ينتمي إلى بيت يشتهر بالعلم والدين؛ له أخ وأختان؛ وأربعتهم حافظون لكتاب الله وعلى درجة عالية من العلم؛ كنت أسمع بجوائزه التي يحصدها منذ كان يافعا؛ وأذكر اندهاش اخوتي بحسن خلقه”.

حين تقدم لها شعرت بقرب روحه وبساطته ومرحه؛ بخلاف النظرة الخاطئة الشائعة عن رجال الدين “أنهم يتسمون بالتعقيد” – كما تقول- ؛ عام كامل من الخطبة مرت أثناءه بعشرات المواقف التي تحكي عن طيبته؛ “كنت استغرب منه كثيراً؛ حين يقابل أي أحد لأول مرة يتجاذب معه أطراف الحديث ويلاطفه ويأخذ رقم هاتفه؛ ثم يتواصل معه في أي مناسبة كانت؛ كما لو أنه يعرفه منذ مئات السنين؛ لقد كان صديق الجميع؛ يمتلك مفاتيحاً يدخل بها إلى قلب الصغير والكبير؛ اعترف أن حسه الاجتماعي العالي نقله إلي؛ بعد أن كنت شخصية منطوية وهادئة”.

منذ اللحظة الأولى لارتباطهما أدركت إيناس طموح فادي وأيقنت أنه لا حدود له؛ تتحدث لــ “ميم” كما لو أنها تدون مذكراتها؛ بدون قيد أو حرج: “كنت ألومه على كثرة انشغاله؛ وذات مرة فاض بي الكيل فقلت: “لو أني تزوجت بمدرس ينتهي دوامه في موعد محدد؛ لكان الأمر أفضل.. أليس كذلك!؛ ابتسم حينها ونظر في عيني؛ ثم سكبَ في البؤبؤ دفئَه وقال: “اهدئي يا حلوتي..لو كنت عامل نظافة تأكدي أني سأبتكر طرقاً جديدة في جمع القمامة؛ هذه الدنيا لا راحة فيها؛ تصرفي على هذا الأساس؛ لا أقبل أبداً أن أكون إنساناً عادياً؛ وأنتِ أيضا لا تقبلي” في هذه المحادثة بدأت إيناس تتفهم رجلها وتفهمه؛ لقد أراد أن يظفر أولاً بــ حسن الحياة؛ ثم حسن الخاتمة.

تتنافس الكلمات على الخروج من ثغرها البسام: “في بداية زواجنا لم أكن أطهو بشكلٍ جيد؛ أخذت أجرب فيه وأنا نفسي لم أحب طعم طبخي حينها؛ والعجيب أن فادي كان يستطيبه بل أنه يأكل حتى يشبع؛ وبقلب طيب يجبر خاطري: “كم أنت مبدعة يا زوجتي”؛ ثم يكافئني بطريقته؛ عندما يضع إبريق الشاي على النار؛ ويطلق العنان لــ “أحباله العذبة” تشدو أنشودة “تسمعني رباه”.

 

مع أبنائه

“يطبطب” على قلبي

مرت أربع سنوات دون أن يقدّر الله لفادي وإيناس الإنجاب؛ كانت غريزة الأمومة لا تتركها وشأنها؛ أما هو فلم يظهر يوماً أي ضيق من “سؤال الناس”؛ وأجرى الله الرضا على لسانه بالقول: “هذا قضاء الله وقدره”؛ فيما ينظر الرحمن إلى قلبه فيطمئنه: “ولسوف يعطيك ربك فترضى”.

تقول: “كلما رأى الكدر في حالي؛ اصطحبني لتناول العشاء خارج البيت أو للمشي طويلا؛ تارةً يصمت؛ وتارة أخرى يثبّتني بالقول: “ما رأيك لو كنا مثل الزاهد الذي سئل عن السر في بشاشة وجهه؛ فقال: “أستحي أن أحزن وأمري بيد الله”.
كنت سعيدة معه بالرغم من ضغط المجتمع في هذا الجانب؛ فيما كانت عائلته تبدي تفهمها الشديد؛ لم يكن أمامنا إلا أن نتضرع لله بالدعاء”.

في أواخر عام 2011 حزم فادي مع زوجه حقائب السفر متجهاً إلى ماليزيا؛ لم تكن إيناس مرتاحة للقرار في البداية؛ فهي تعيش في غزة حياة مستقرة حيث عائلتها ووظيفتها؛ لكن القدر خبأ لهما الخير الكثير.

كل خلية فيه امتلأت بالحماس وهو يقول لها: “سنرتاح من أسئلة الناس؛ لنمنح أنفسنا إجازة من الذهاب للأطباء هناك ؛ دعينا نجوب هذه البلاد الساحرة معاً”؛ وكانت المفاجآة أنه بعد أسبوعين فقط من وصولهما إلى كوالالمبور؛ اكتشفت إيناس حملها؛ هناك أنجبت أطفالها دعاء وأسيل ومحمد؛ وفيها أيضاً حقق فادي حلمه بالحصول على الدكتوراة؛ والتحقا بالكثير من الدورات؛ والتقيا بخيرة الناس.

 

لم يكن فادي يقلق بشأن أبحاثه وقطعا لا ينتمي لأي تنظيم

 

تتحدث إيناس عن السنة الأولى في ماليزيا: “لم يكن الأمر سهلاً؛ كان فادي يحتاج كثيراً إلى العمل في المختبر فيضطر للخروج قبل الفجر ويمكث حتى العشاء؛ فيما أنا أقضي الوقت كله بمفردي بعد أن كنت أعمل في السابق؛ وفي المقابل بدأت الإيجابيات بالظهور؛ أصبحنا مقريين إلى بعضنا أكثر من أي وقت مضى؛ كان يستشيرني حتى في أبسط الأمور فيسعد بآرائي؛ وأنا كذلك لا أتصرف في أي شأن دون الرجوع إليه؛ وحقاً إني أعجب من الإلهام الرباني في قراراته الحكيمة؛ أشكو همي له فــ “يطبطب” على قلبي؛ باختصار أصبح كل عائلتي”.

تتابع كلامها باتزان يزينه الصبر؛ محاولة أن تربت على وجعها النازف؛ لكن من يعرف! ربما في “الفضفضة” راحة: “أنعم الله على فادي بقلبٍ أبيض ولسان أحلى من السكر؛ في أسلوبه جاذبية لا توصف؛  ودود يحب الناس ويحبونه؛ ما أن يسير خطوتين حتى يتوقف ليسلّم على أحدهم؛ بل ويطمئن على حاله؛ كنت أرافقه أحياناً إلى المختير وألاحظ أنه حين يدخل يلقي التحية بصوت مرتفع: “الســلام عليـــكم”؛ ويسلم على الطلاب واحداً واحداً بمن فيهم غير المسلمين؛ بخلاف البقية الذي يأتون ويغادرون دون أن يشعر بهم أحد”.

 

 

لا راحة في الدنيا

لم يكن لفادي أن يمر مرور الكرام أمام حب الماليزيين لتعلم القرآن؛ لا سيما أنه حافظ لكتاب الله وحاصل على سند عن رسول الله بثلاث روايات؛ لقد شعر بأمانة عظيمة تجاههم وبدأ يُعلّمهم القرآن الكريم ويؤمهم في المسجد؛ ثم التحق بنشاط تطوعي مع مؤسسة “أقصى شريف”؛ وفي كل مساء ينضم إلى حلقات الذكر؛ فيما يقضي قبلها اليوم كله في إعطاء المحاضرات والإشراف على طلاب الدراسات العليا.

وتكشف إيناس أن زوجها كان يعيش على المنبهات “النسكافيه والقهوة”؛ حتى يبقى يقظاً؛ فلا فسحة من الوقت في جدوله اليومي؛ تتابع الصغيرة دعاء حديث أمها باهتمام؛ وفي عينيها براءة ويُتم؛ “ذات مرة من شدة التعب لم يقاوم النعاس فأخذ “غفوة”؛ لولا أن الطلاب أيقظوه”؛ حينها طلبت منه بإلحاح أن يعتذر عن بعض المهام مثل حلقات الذكر؛ لكنه رفض بشدة وكان محقاً في السبب؛ فهو يستشعر الأجر العظيم؛ ذلك أن الماليزيين يتحرقون شوقاً للقرآن؛ كما أنهم تعلقوا بصوت شيخهم فادي؛ فإذا ما تغيب عنهم لعذرٍ قاهر عَتبوا عليه”.

أما ليله فيقضيه في تصحيح الاختبارات والاستعداد للمحاضرات؛ روح هذه الزوجة المحبة أشرقت ابتسامتها حين نقلت ما قاله يوماً لها: “حين أفكر بحجم الأعمال والمهام التي أقوم بها أقول: “والله إني مجنون؛ لا استطيع تصديق نفسي”؛ ثم ما يلبث أن يتذكر نهجه الذي سيغدو قولاً مأثوراً: “لا راحة في الدنيا؛ راحتنا في الجنة إن شاء الله”.

وتختصر كل ما سبق باستنتاج يرقى إلى مستوى الحكمة: “أدركت أن فادي فهم الحياة بشكل صحيح؛ في 35 عام فعل كل ما بوسعه والآن هو ينام الليل والنهار بطولهما إلى يوم الدين”.

 

 

إسرائيل ترتعب من العلماء

بعد أن أنهى الشاب الخلوق المبدع دراسة الدكتوراة اتجه للعمل في جامعة “يوني كي أل”؛ محدثاً فيها نهضة كبيرة؛ بعد أن كانت مجرد صرح تعليمي يهتم بالشئون الروتينية و”الكورسات”؛ كان نشيطاً مبادراً لا يتوقف عن اقتراح الأفكار على رئيس القسم من أجل تطويره على صعيد الأبحاث وعقد المحاضرات؛ وشراء الأجهزة؛ كانت ألسنة رفاقه تنعقد من الدهشة؛ أما حين يشارك في مؤتمرات دولية خارج البلاد فإنه يستثمر كل لحظة في الالتقاء بكفاءات مميزين ويحرص على التواصل معهم.

ومنذ فاز بجائزة خزانة العريقة ظل سعيداً؛ لأنه رأى فيه إنجازاً عظيماً؛ كان وجهه الدائري يتهلل فرحاً كلما تذكر تكريمه من قبل رئيس وزراء ماليزيا؛ متمتماً بــ: “الحمد لله رب العالمين”.

(حسناً هل حدّثك من قبل عن “أبحاثه بشكل عام”) ؛ بوضوح ودون مواربة تجيب: “بكل تأكيد؛ وكما أسلفت أن فادي كان يطلعني على أدق تفاصيل حياته؛ بما فيها مجمل موضوعات أبحاثه التي يشاركه في إعدادها باحثين من جنسيات وأديان أخرى؛ لم يكن فادي يشعر بأي قلق أو ارتباك من أبحاثه؛ فهو أكاديمي ومحاضر جامعي وأبحاثه محكمة في مجلات أجنبية؛ ويتشارك معه في نشرها باحثين من جنسيات وديانات مختلفة.

وتزيد في توضيحها: “يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي خاف من عقلية فذة مثله؛ لأنه فلسطيني ومتدين وحافظ لكتاب الله؛ السؤال: من أين سيجد الوقت للانضمام لكتائب القسام؛ وسط غرقه في كل هذه الأعمال اليومية؛ ناهيك عن أننا نعيش بعيداً عن غزة منذ سنوات”.

وتؤكد بشكل قاطع أن زوجها لا ينتمي لأي تنظيم كان: “هناك جملة قالتها عمتي “أم فادي” أجدها بالغة الدقة؛ “نحن عائلة ننتمي إلى الله فقط؛ لا علاقة لنا بأية أحزاب من قريب أو بعيد؛ أنا ووالده ربينا فادي وإخوته على العلم والالتزام بتعاليم الدين ومحبة الناس؛ لكن رعب (إسرائيل) يتعاظم إزاء العلماء”.

 

 

أي زوجٍ صالح هذا!

اعتاد الزوجان بعد صلاة الفجر أن يحتسيا “النسكافيه”؛ ولم يفرّط فادي على مدار السنين بهذه الساعة؛ لتتجلى فيها قداسة : “خيركم خيركم لأهله”؛  فيها يتجاذبان أطراف الحديث في هدأة الصباح؛ حتى وإن شعرت أنه غاضب منها؛ فإنه يكظم غيظه؛ دون أن يتفّوه بكلمة تحزنها.

وكأن الذكريات فيضانات لا تتوقف؛ نحترم “دقيقة” صمتها؛ ثم تستعيد صوتها لتقول: “فادي من المستحيل أن يتناول أي مشروب بمفرده؛ يبادر بكل تواضع لتحضيره لرفاقه في الجامعة؛ وفي العامين الأخيرين صار مسؤولاً عن إعداد الشاي للضيوف قبل وصولهم؛ إنه ألذ شاي أتذوقه في حياتي لا سيما حين كان يقطف النعناع من الإصيص”.

وثمة عادة أخرى؛ أنهما في منتصف الأسبوع يذهبان مساءاً إلى مطعم يمني يجاور عشهما؛ من أجل احتساء “الشاي العدني” مختلف النكهة؛ مع أصدقائهما المقربين؛ أما يوم العطلة الرسمية يخصصه كاملاً للعائلة ليقضونه في الحدائق أو المولات؛ وعلى الأغلب يخرجون لزيارة معارفهم؛ فهو من النوع الذي لا يحب التأخر عن أي مناسبة.

كان وجه الدمعة في عينيها صافياً كالقمر؛ لتفضي بالمزيد: “أتعرفين ما أكثر جملة كررها كل يوم: “كل ما يهمني أن تكوني سعيدة”؛ في بداية الشتاء ذهبنا إلى “جزيرة لينكاوي”؛ طوال الرحلة طلب مني التنزه والتقاط الصور؛ أما هو فقد تعبت يداه من حمل ابننا محمد وما تأفف”.

(هل من شيء فضلّت أن تحتفظي به لنفسك دون أن تخبريه به؟)؛ أومأت بــ “نعم” وكأن الجواب مُخبأ في ركن من الروح: “لطالما شعرتُ أني أعيش مع إنسان من أهل الجنة؛ لم أخبره يوماً بذلك مع أني كنت أحب امتداحه؛ ولكن في قلبي رددتها مرات؛ وكلما أغضبته قلت في داخلي: “كل العلامات تشير إلى أن الله راض عنه؛ لن أحزنه ولو بدون قصد”.

كان باراً بوالديه؛ في كل مشروع أو بحث يتصل بهما طالباً الدعاء والرضا؛ هو أيضاً أب ذو حنان فائق؛ كلما رزق ببنت شكر الله فرحاً بعطيته :”لقد فتح الله علينا باباً من أبواب الجنة”؛ ولم تكن فرحته مختلفة حين رزق بالولد؛ تفتح إيناس هذه الصفحة: “كان يخاف على ابنتنا البكر دعاء كثيرا؛ حتى أن أصحابه كانوا يضحكون منه كلما رأوا فزعه إذا ما بكت؛ أما في مسألة العلم فقد أولى اهتماماً “خيالياً” لإلحاقها بأكبر عدد من الدورات؛ يسارع إلى تسجيلها مع أسيل في الفعاليات الثقافية والترفيهية؛ ناهيك عن مركز لتحفيظ القرآن”.

هو لم يكن زوجها فحسب؛ بل معلمها؛ فقد بدأت في الحصول على “السند” على يديه ولم يكتمل الهدف؛ هو من أصر عليها أن تستأنف الدراسات العليا فحصلت على الماجستير في ماليزيا وأنهت العام الأول من الدكتوراة”.

(كيف كان يدعمك في هذا الجانب؟).. تحاول أن تبعد قسوة الحزن عن ابتسامتها: “أبديت بعض التلكؤ في موضوع الدكتوراة؛ بسبب انشغالي بمسؤولية الأبناء؛ لكني وجدته يشحذ همتي بفضل جملته الساحرة: “أنا خلفك يا أحلى دكتورة”؛ ويخبرني أن بقاءنا في ماليزيا مستمر إلى أن أنهي الدكتوراة؛ وأنه ممتن لصبري عليه خمس سنوات من أجل إنهاء دراسته؛ وأن الوقت حان لتبادل الأدوار؛ عدت الآن إلى غزة وسأحقق أمنية فادي في إتمام دراستي حتى لو بعد عشرين عام “.

قبل أيام من استشهاده كانت إيناس توشك على الانفجار بسبب عدم مضيها قدما في الدراسة؛ فإذ بفادي يقدم لها المساعدة بشكل عملي؛ فتح “اللاب توب”؛ وبدأ في تحميل مجموعة من الأبحاث تتوافق مع عنوان بحثها؛ ثم طلب منها أن تقرأها.

هو الذي استحق شرف لقب “الراسخ في العلم”؛ ومن لاق به قول الشاعر أحمد شوقي: “كن رجلاً إن أتوا بعده يقولون: “مرَّ وهذا الأثرْ”؛ كانت له فلسفة “غير معتادة” تناصر زوجته : “لا تحملي هم الأولاد سأجلب لك حاضنة؛ ولا تشغلي وقتك بأعمال البيت سأحضر “منظفة”؛ يا إيناس أنتِ لديك أهداف في الحياة أكبر بكثير من إعداد الطعام؛ أنا مستعد أن أجلب لك طعاماً جاهزاً كل يوم مقابل أن تكوني منجزة؛ يكفيني أن أراكِ تطورين ذاتك.. أي زوجٍ صالح هذا!”.

وإذا ما استقلت امرأته القطار من أجل إجراء مناقشة مع المشرف أو أداء مهام متعلقة بالدراسة؛ فإنه لا يسعه الانتظار فيخرج من محاضرته ليتصل بها ويطمئن على أدق التفاصيل.

 

رمضاننا في ماليزيا

كان فادي- رحمة الله عليه- مبهراً في تفاؤله؛ ينظر للحياة بصفإء وإيجابية؛ تشرح مقصدها في هذا الجانب: “حتى وإن غضب من صديق له؛ فإنه في اليوم التالي يتحدث معه وكأن شيئا لم يكن؛ ذات مرة استغربت فسألته: “ألم تشكو لي بالأمس مما فعله صاحبك؟”؛ ليطمئنني بأنه لا يحقد أبداً وأن غضبه ينتهي في اللحظة نفسها”.

وتذكر: “على سبيل المثال لو أننا ذهبنا للمطعم وانتقدت شيئاً في الطعام؛ على الفور أجده أثنى على الإيجابيات وتغاضى عن السلبيات؛ إنه محب للنصف الممتليء من الكوب؛ يتعامل مع الحياة ببساطة ومرح؛ في مدرسته تعلمت الكثير”.

وتضيف: “إن سمع بأن “المصالحة” على الأبواب أو أن معبر رفح سيفتح قريبا؛ استبشر قائلاً: “ستكون الأمور على خير ما يرام”؛ في كل يوم يتابع أخبار الوطن خاصة غزة؛ يحزن لحزنها؛ آمن أن العلم سبيل عظيم لنصرة فلسطين؛ وحين اندلعت “أحداث الأقصى” أخذ يحكي لدعاء عن القدس؛ لم يفكر أبداً بالاستقرار في الغربة؛ وعاجلاً أم آجلاً كان سيعود لغزة؛ وها هو قد عاد”.

وبالانتقال إلى الأجواء الرمضانية لسبع سنوات قضاها العالم فادي البطش في ماليزيا؛ فإن اكتظاظ جدوله اليومي يفوق العادة؛ فهذا “الرمضان” الذي قدّر الله ألا يدركه؛ كان من المقرر أن يتولى إمامة التراويح لــ 22 ليلة إلى جانب إمامة قيام الليل في “العشر الأواخر”؛ أما الأسبوع المتبقي من الشهر؛ فقد وعد زوجته أن يتناول الإفطار بصحبتها.

 

شجعني للمضي في الدراسة بجملته الساحرة: “أنا خلفكِ يا أحلى دكتورة”

 

تعطي “أم محمد” هذه النقطة حقها: “منذ كنا في غزة اعتدت على إمامة فادي للتراويح؛ لكن في ماليزيا الأمر مختلف؛ حيث المساجد بعيدة؛ ينتهي دوامه الجامعي في آخر النهار؛ ثم يستعد للخروج إلى صلاة المغرب؛ وفي الغالب يستغرق الوصول إلى المسجد ساعتين؛ إلا إن كان المسجد قريباً؛ وفقاً للجدول المتفق عليه؛ وقد جرت العادة عند العائلات الماليزية أن يذهبوا إلى المسجد وفيه يفطرون وينامون؛ حيث يتناولون القليل من الطعام بعد آذان المغرب؛ على أن يُرجئوا القسط الأكبر من المائدة إلى بعد صلاة التراويح؛ وقد راقَ لفادي هذا النظام؛ لا سيما أنه كــ إمام يُفضل ألا يصلي بمعدة ثقيلة”.

(ماذا عنكِ يا ترى؟) تقول: “لم يكن مناسبا أن أرافقه مع أطفالي؛ لذا أفطر وأصلي وحدي؛ وأذكر إلحاحه علي بإعداد صنف واحد من الطعام؛ حتى استثمر وقتي في الدعاء والاستغفار وقراءة القرآن”.

ومن المواقف التي لا تنساها في الشهر الفضيل: “ذات يوم أقامت مؤسسة ماليزية مأدبة إفطار؛ وفيها يعمل مسلمون وغير مسلمين؛ ووفقاً للشعار القائم الذي أحببته “ماليزيا الموحدة” أي أن المسلم والوثني ومن لا دين له لا تفرقة بينهم في التعامل؛ وبالتالي جميعهم يجلسون على المائدة وينتظرون الآذان كما لو أن بعضم صائمين؛ يومها جلست إلى جانب فادي وانضم إلى مائدتنا امرأة ماليزية وشاب صيني؛ فبدأت الماليزية في التحدث إلى الصيني عن الإسلام واجتهد فادي في إقناعه؛ ثم أهداه كتابا عن الإسلام؛ وبعد فترة بشرني أن الصيني أسلم”.

وما زالت إيناس لا تصدق أن هذا أول رمضان تقضيه بدونه؛ عادت إلى “لمّة العائلة” في غزة التي سألت الله كثيراً أن يكرمها بها؛ لكن مع آذان المغرب لا تبتل عروقها كما كانت في الماضي ؛ ومع ذلك فإن صبرها ينتصر على غصةٍ تمر مع اللقيمات في حلقها.

صباح الرحيل

ترى أي فضل لــ فادي وهو العالم العابد؟؛ ونحن نعلم أن “فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب”، حتى “الحيتان” في البحر تسأل.

لقد أوشكت “النهاية السعيدة”؛ وكان آخر ما فعله أنه طلي البيت لإيناس؛ قبل أن يغادرها استعداداً للسفر إلى مؤتمر في تركيا؛ تلك اللفتة اللطيفة وقفت خلفها رسالة صريحة: “أريد لروحكِ أن تنتعش أمام الجدران الزاهية” ؛ لا تحزني لن يطول الغياب؛ فقط عشرة أيام”.

وبتفاصيل دقيقة تصف مشهد الوداع: “يوم الأحد كان موعد السفر؛ وفي يوم الجمعة عاد من الجامعة باكراً؛ ثم خرجنا لتناول العشاء واستمتعنا بسهرتنا؛ كان كل شيء طبيعياً؛ حتى أننا اتفقنا على أن نقضي نهار السبت كاملاً في مكان بعيد؛ على أن يخرج في الصباح الباكر للتسوق كي يُحضر مؤنة تكفي لأيام سفره؛ كانت آخر جملة قالها لي قبل أن يخلد إلى فراشه: “اكتبي قائمة التسوق”.

لم يحالف الحظ إيناس لتراه قبل خروجه لإمامة صلاة الفجر؛ بمجرد أن أفاقت وقعت عينها على المصحف؛ فعرفت أن فادي نهض مبكراً لمراجعة القرآن؛ صلت الفجر ولاحظت أنه تأخر في الصلاة لكنها لم تقلق؛ فمن عادته أن يتأخر؛ إذ يحب أن يسلم على الجميع ويطمئن على أخبارهم؛ وفي تمام السابعة بدأت الصديقات يرسلن لها رسائل مفادها: “كيف حال زوجك؛ هل تحتاجين لمساعدة؟”؛ فأجابت ببراءة: “زوجي بخير والحمد لله” ثم طلبت رقم فادي لآخر مرة؛ ولأول مرة صاحب الصوت الندي لا يجيب.

تواصل إيناس روايتها: “نظرت من الشرفة؛ وإذ بالشارع سيارات إسعاف والناس يتجمهرون؛ توقعت أنه مات موت الفجأة؛ ثم أبعدت هذا الاحتمال عني وخمنت أنه متعب لذا لا بد وأنهم نقلوه للمستشفى؛ خرجت من الشقة فرأيت صديقاتي قادمات إلي؛ حينها تأكدت أن خطباً ما قد حل؛ أصروا أن أعود لمنزلي دون أن أصغي لهم؛ حاولوا التهدئة من روعي بأن فادي بخير؛ كنت متوترة وأنا أقولها: “رجاءًا لا تكذبوا.. أخبروني بالحقيقة وأنا راضية بقضاء الله وقدره”. قالت واحدة منهن: “فادي قُتل”؛ وكأن صوتي ضاع مني؛ قلت: “مستحيل؛ من هذا الذي يقتله؛ فادي محبوب من الجميع والشعب الماليزي يحبه”؛ ثم ألهم الله قلبي فقلت: ” اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها”؛ خرجت بعدها إلى الشارع أتوسل الشرطة وأصدقائه الذين كانوا يبكون دون القدرة على النطق: “أتوسل إليكم دعوني أرى زوجي”.

في اللحظات التي عصفت بعمرها؛ قفزت “لو” الكريهة إلى عقلها؛ “لو أنه لم يذهب إلى الصلاة”؛ لكن الرد الإلهي تنزّل: “لو أنه لم يذهب لمات في فراشه فلا مهرب”؛  ثم همست لنفسها بالحقيقة: “لقد أراد الله أن يرفع ذِكره بنيل الشهادة؛ فكثيراً ما تمناها؛ وكلما استشهد أحد رفاقه حزن وطلبها من ربه”.

 

 

مشاهد الوداع

سكتت “الأسئلة”؛ وتركت مراسلة “ميم” زمام الحديث لها: “كانت إلى جانبي “صديقة جزائرية” قُتل زوجها قبل 25 عام؛ شدتني المرأة من يدي وقالت: “إيناس أعدكِ أنك ستلقي نظرة الوداع على زوجك وحينها ستبرد نار قلبك؛ لن يحدث معك ما مررت به يوماً حين حرموني من رؤية زوجي؛ حتى قبره لا أعرف أين”.

سارت الإثنتان من طريق خلفي حتى وصلتا إلى مكان فادي؛ كان جسده مغطى بملاءة بيضاء؛ ما استطاعت أن ترى سوى  رأسه من الخلف؛ تحاول أن تحافظ على تماسك نبرتها هنا: “عدت إلى البيت فإذ به ممتليء بمن نعرفه ومن لا نعرفه؛ أخذت أدعو الله بأسمائه الحسنى؛ فلهج قلبي : “يا الله يا قوي يا جبار يا صبور يا وكيل؛ كن معي”؛ وحينها أدركت أن أطفالي صاروا أيتاماً؛ وأدركت عظم الأمانة الملقاة على عاتقي وتذكرت آية “وكان أبوهما صالحا”؛  أقسمت بالله العلي العظيم للنساء اللاوتي جضرن لتقديم واجب العزاء أن فادي في الفردوس الأعلى إن شاء الله؛ وأن الله لن يضيعني أنا وأبنائي؛ وأننا في رعايته وحفظه”.

 

وقعت بين خيارين.. دفنه في ماليزيا أو العودة به إلى غزة

 

لم تكن إيناس رفيقة للدرب عبثاً؛ فقد عملت بوصية على شكل “منشور” كان هو الأخير لفادي؛ على صفحته الشخصية في (فيس بوك): “ﻻ ﺗُﻨﻘﺺ ﺃﺟﺮ ﺻﺒﺮﻙ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﻛﻠﻤﺎﺕٍ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﺳﺎة ﻟﻦ ﺗﺴﺪ جوﻉ ﺭﻭﺣﻚ ﺃﺑﺪﺍً”؛ كان كل همها كيف ستبلغ عائلة فادي بالخبر؛ تفكر ماذا سيحل بأمه حين تعرف وهي التي لم تكحل عينها برؤياه منذ سافر قبل سبع سنوات؛ هي من أنجبت أربعة أبناء وحسب؛ لكن والد فادي كان له دور جميل في ثباتها حين اتصل بها يشد من أزرها.

في اليوم التالي؛ ذهبت إيناس لرؤيته ومُنعت من لمسه وفقاً للإجراءات الأمنية؛ أما في اليوم الثالث كان الأمر مختلفاً؛ تصف ذلك المشهد: “هذه المرة أمسكت به؛ تأملته جيداً؛ وجهه كله ضياء؛ ابتسامته واضحة جدا؛ وكرامات الله تتجلى فيه حتى نرضى؛ وعدته أن أحافظ على أبنائه بالسير على نهجه؛ راحة كبيرة استقرت في قلبي حين وضعتُ يدي تحت رأسه ليفوح المسك في ثيابي؛ وعَبقه تغلغل في معصمي؛ هنا فقط تعلن حاسة الشم حالة الاستنفار”.

إنها المحطة الأخيرة في ماليزيا؛ لململت إيناس كل الماضي؛ الدروع والصور والشهادات كلها إنجازات لا تحصى لأطيب إنسان عرفته في حياتها؛ مع كل نَفسٍ خرج منه كان يوزع الحب بلا حساب؛ جمعت الكثير من كروت المعايدة التي كتبها بخط اليد لها؛ فقد كان “العالِم” المُفعم بالود مولعاً بهواية كهذه؛ في كل المناسبات يكتب التهاني لكل من يعرفهم ويرفقها مع الهدايا؛ وهل مثله يُنسى!.

حقق الرجل العديد من الأحلام؛ ولكن أحلاماً كثيرة كانت في انتظاره؛ مثل الحصول على “براءة اختراع” وأن يصبح بروفيسور؛ وأهداف على مستويات أخرى؛ متسلحاً بآية:(إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا).

غرقت إيناس في بحر الحيرة حول أصعب قرار اتخذته في حياتها؛ وما أسعفها سوى الاستخارة؛ إما أن يُدفن فادي في ماليزيا وتتركه عائدة إلى غزة ولا تتمكن من العودة لزيارة ضريحه وهذا ما لن تطيقه؛ أو أن تسافر بجثمانه إلى غزة؛ وبقلب شجاع اختارت “الثاني”.

تختم حديثها برحلة الجو والبر: “حين عبرت الطائرة التي تحمل التابوت بين السحاب؛ أردت أن أجهش بالبكاء؛ وما منعني إلا ابنتي دعاء؛ التي أخذت ترجوني باكية أن آكل ولو لقمة من الوجبة التي أحضرتها “مضيفة الطيران”؛ تناولت ملعقة من الأرز كي أطمئنها أني بخير؛ لقد شعرت دعاء أن أمها تخفي عنها أمراً جلل”.

من مطار القاهرة استقلت سيارة متجهة إلى غزة؛ ووُضع الصندوق في الخلف بعناية؛ وكلما نام الأطفال استدارت ورائها وانهمرت دموعها كالمطر.. لكم أن تتخيلوا فداحة الألم.

تختم حديثاً طويلاً يمشاعر امرأة محبة لزوج نادر: “طيلة الطريق مكثت أفكر؛ لو أن في الصندوق إنسان كافر لا أعرفه لم أكن لأتحمل؛ فكيف بزوجي وأب أبنائي وحب حياتي؛ لكن الله كان إلى جانبي؛ منحني قوة عجيبة؛ وللمرة الرابعة والأخيرة أودعه مع أمه وأبيه في وطنه الحبيب؛ في بيته الأول؛ وما بهتت الابتسامة وما ذهب المسك؛ قبل أن تشيعه الألوف إلى مثواه الأخير”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “فادي البطش: راسخٌ في العلم مرَّ وهذا الأثر”

  1. هنيئا لك وهنيئا له الشهادة … جمعكم وجمعنا الله في فردوسه الاعلى … كم ابكيتني وكم أحسست كم انا صغيرة وكم ينقصني في هذه الحياة لأجل الاخرة

اترك رد