اختيار المحررينثقافةغير مصنف

المشير احمد  باشا باي بين التاريخ والدراما

شهد سلامة- مجلة ميم

 

أعاد المسلسل التاريخي تاج الحاضرة الذي يعرض خلال شهر رمضان إلى الأذهان مرحلة  مهمة من تاريخ تونس الحديث يتم التطرق إليها لأول مرة من خلال عمل فني وهي فترة حكم البايات الحسينيين بشكل عام وتحديدا مرحلة حكم المشير احمد باشا باي التي يتناولها الجزء الأول من هذا المسلسل.

 

يعتقد بعض المؤرخين المتخصصين في تاريخ تونس الحديث أن احمد باي هو رائد النهضة في تونس ولا يعتبرون أن في هذا الاعتقاد مبالغة باعتبار أن محاولاته الإصلاحية لا يغفل عليها ملاحظ أو مهتم بالظاهرة التاريخية.

ونظرا لأهمية الفترة التي تولى فيها الحكم فقد كتب عنها الكثير سواء من المؤرخين او من  المهتمين بالظاهرة التاريخية من غير المتخصصين.

وفي هذا الصدد صدر في خريف 2017 كتاب عن مركز دراسات الوحدة العربية للدكتور حسين جبار إبراهيم وسمه ب”إيالة تونس في عهد احمد باشا باي”.

وقد ولد احمد باي عام  1806ووالدته جارية من أصول ايطالية من جزيرة كورسيكا علمته لغتها كما تعلم اللغتين العربية والتركية  وحفظ القرآن وحرص والده مصطفى باي على أن يتلقى تربيته على يد مصطفى صاحب الطابع.

 

 

وتسلم احمد باشا باي مقاليد الحكم في الايالة التونسية عام 1837 وباتت لقبه  الرسمي المشير احمد باي الأول وقد اتضحت ملامح رغبته الكبرى في مباشرة إصلاحية هيكلية في دواليب الدولة تجلت خاصة في تحديث الجيش وعصرنة بعض الدواوين والمؤسسات. وهو في هذا الأمر يشبه محمد علي في مصر الذي تأثر بنجاح تجربته  وكان طموحه كبيرا واندفاعه اكبر للتغيير و إمكانية تحقيق سيادة واستقلال مكتمل عن الباب العالي رغم أن الظروف الإقليمية لم تكن موائمة فقد مضى على احتلال الجزائر البلد الشقيق والجار حوالي سبع سنوات وقد بدا واضحا أن النفوذ التوسعي لفرنسا لن يتوقف عن حدودها . كما كانت الدولة العثمانية منشغلة بشؤونها الداخلية بعد أن بدأت معالم الضعف تبدو على أسطولها العسكري.

 

القوات الفرنسية تحتل الجزائر

 

لكنه على مستوى السياسة الخارجية ظل يراوح مكانه سائرا على منهج أسلافه من البايات الذين حاولوا إرضاء الباب العالي والتقرب لفرنسا.

ولعل ابرز ملامح الإصلاحات الكبرى التي باشرها احمد باشا باي كما ورد لدى المؤرخين إنشاؤه مدرسة حربية بباردو لتكوين الجيش ثم سعيه إلى الإكثار من الجند كما شيد قصر باردو التاريخي وكان خير الدين باشا من ابرز رموز الإصلاح الذي بدأ  نجمه يلمع  في عهد احمد باي.

ومن ابرز إصلاحاته إلغاء الرق عام 1846 لأول مرة في العالم الإسلامي.

 

وثيقة إلغاء الرق

 

ورغم مساعيه لقطع الحبل السري مع الباب العالي محاولا النسج على منوال مصر محمد علي إلا انه لم يبخل بالإعانة والمساعدة للسلطنة العثمانية في حرب القرم، وهو ما اعتبره احمد ابن أبي الضياف من فضائل احمد باي و ” عظائم حسناته” كما يقول.

ولعل انبهار المشير احمد باي بفرنسا كان ايضا من الخصائص التي لا ينبغي إغفالها في حديثنا عن سيرته ولعل هذا ما حدا بالدكتور حسين جبار إبراهيم ان يتساءل في كتابع المذكور اعلاه قائلا:

هل كان عصر احمد باي حقا هو مفتاح عصر النهضة في تونس؟

هذه النهضة التي استلهم بعض اشراقاتها من رحلته الشهيرة كما يقول بعض المؤرخين إلى باريس مرفوقا بالمؤرخ الكبير احمد بن أبي الضياف والمصلح خير الدين باشا.

وقد قاد الانبهار الشديد بفرنسا إلى الاعتماد عليها في بعض المسائل الاقتصادية والثقافية والعسكرية أيضا وسعيا إلى  أن يتخلص من آخر ما يربطه بالدولة العثمانية مستلهما من النموذج المصري.

 

هل كان عصر احمد باي حقا هو مفتاح عصر النهضة في تونس؟

 

واستقبل في باريس عام 1846 استقبالا كبيرا  وبحفاوة بالغة كرجل دولة من قبل الملك لويس فيليب  وهو ما أثار حفيظة السلطنة العثمانية كما ان رحلة الباي التي كانت مبرمجة إلى لندرة اشترط خلالها المضيفون ان يتولى السفير العثماني تقديم احمد باي إلى السلطان الانجليزية وهو ما رفضه احمد باي وألغى الزيارة من الأساس.

وساعدت رحلة احمد باي إلى فرنسا على دفع عجلة التحديث الإداري والمؤسساتي في تونس بشكل كبير  واهتم كذلك بإصلاح التعليم  في جامع الزيتونة وتنظيمه كما حرص على تكوين إطارات عليا متكونة على النمط الأوروبي خاصة في المجال العسكري.

 

زيارة أحمد باي إلى فرنسا

 

لكن الطموحات الكبيرة والحماس الأكبر لا تصنع بالضرورة انجازا على ارض الواقع ولذلك لم يؤدي الانبهار الكبير بالغرب وفرنسا تحديدا النتائج كبرى.

بل إن المألات كانت مخيبة حقا فبعد مرحلة السنوات 1838 الى 1846 وهي فترة الإصلاحات جاءت مرحلة 1846 حتى 1855 نهاية حكم احمد باي حاملة ملامح الانهيار المالي والاقتصادي الكبير وتلاشي حلم تأسيس أركان السيادة ودعم الاستقلال ويعزي ذلك إلى عدة أسباب أولها كما يقول المؤرخون ان الانبهار بالغرب اقتصر على المظاهر الخارجية والشكلية ولم ينفذ إلى روح التحديث الغربي المعقلن كما ان الإصلاحات تقتضي موارد مالية ضخمة وهو ما لم تكن الايالة التونسية تحتكم عليه في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

 

إبن أبي الضياف

 

هذا إلى جانب انه كما كان محاطا ببعض المصلحين على غرار احمد بن أبي الضياف وخير الدين باشا أحاط نفسه أيضا ببعض اللصوص وذوي الشخصيات الانتهازية الذين ئدوا بالبلاد إلى حالة من الإفلاس والانهيار الاقتصادي فانتشرت الأوبئة والأمراض والبؤس في صفوف الشعب كما أتيحت للفرنسيين إمكانات واسعة للتدخل المباشر في الشأن الداخلي.

وإذا كان هذا ما تقوله الوقائع التاريخية التي دونوها المؤرخون في سجلاهم فإن العمل الدرامي الذي يعرض هذه الأيام والذي اختار صناعه ان ينطلقوا من فترة حكم احمد باي كإطار عام للأحداث التي استلهموا بعضها من وقائع حقيقية وبعض لضرورات درامية كان من قبيل المتخيل.

ورغم أن هذا الأمر يعد طبيعيا في الأعمال الفنية التي تنهل من التاريخ إلا أن ما يمكن القول في هذا السياق ان الخط السياسي والتاريخي الواقعي قد بدا محتشما وخاليا من الرمز وذلك على حساب الأحداث المتخيلة من قبل الكاتب كما ان هناك أخطاء تاريخية فادحة تسربت إلى هذا العمل من بينها  إشارة إلى تاريخ ديسمبر جانفي 1949  على إحدى اللقطات المسجلة في قصر احمد باي والحقيقة  أن احمد باي رحل عن الدنيا عام 1855.

ويعود هذا إلى عدم الاعتماد على مختصين في التاريخ الحديث وفي تاريخ احمد باشا باي بالتحديد رغم وجودهم في الجامعة التونسية وعدم الرجوع إلى المراجع والمصادر التاريخية التي اهتمت بتلك الفترة والتي يمكن اعتمادها لاغناء هذا العمل الدرامي بالأحداث وإثرائه حتى يكون عميقا ومهما وبمثابة الوثيقة الفنية الدرامية لتلك المرحلة وحتى لا يقع صناع العمل في الاستسهال والنسج على منوال مسلسل حريم السلطان دون تقديم فائدة تذكر للمشاهد التونسي والعربي الذي يجهل الكثير عن تاريخ تونس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “المشير احمد  باشا باي بين التاريخ والدراما”

اترك رد