مدوناتغير مصنف

الدين والسياسة في روسيا

إن ما نراه من دور للكنيسة الأرثوذوكسية في روسيا يمثل مراجعة فعلية وواقعية للثوابت العلمانية التي يدأب الغرب والعلمانيون المحليون في البلاد العربية في الفترة الأخيرة على الإلحاح عليها

                              

 

على الرغم من الوصول المتأخر للمسيحية إلى الأراضي الروسية حيث ستسجل حضورها الرسمي بداية من القرن العاشر ميلادي وتحديدا مع اعتناق الأمير فلاديمير حاكم كييف للمسيحية سنة 988 م ، فإن الكنيسة قد ارتبطت عضويا مع أباطرة الإمبراطورية الروسية طيلة عهودها المختلفة سواء في إدارة النظام الإقطاعي بالداخل أو في تقديم الدعم المعنوي والتبرير العقدي للصراع مع الأعداء بمختلف توجهاتهم سواء كانوا من الدول الكاثوليكية أو الإسلامية في الخارج.

الكنيسة في ظل النظام الشيوعي في روسيا

إن التلازم بين النظام الكنسي والنظام السياسي الروسي سيكون احد الدوافع المركزية ـ بالإضافة إلى العداء المعروف الذي تبديه الشيوعية نحو الأديان ـ إلى السلوك العنيف الذي قام به البلاشفة بداية من عام 1917 ضد الكنيسة الأرثوذوكسية حيث تم تأميم كل الممتلكات والإقطاعات الكنسية وصولا إلى تدمير الكنائس ( أشهرها كنيسة المسيح المخلص التي فجرها ستالين سنة 1931 ) وإلغاء النظام البطرياركي بعد اغتيال البطريرك تيخون سنة 1925.

ولكن ليلة الرابع من سبتمبر (أيلول) 1943 كانت مرحلة تغيير جذري في علاقة روسيا الشيوعية بالكنيسة الأرثوذكسية هناك، حيث استدعى ستالين كبار رجال الدين الأرثوذكسي الروسي وأصدر قرارا بإعادة إنشاء مؤسسة البطريركية، وانتخاب المطران سيرغي بطريركا للكنيسة الروسية، فالنصر في تقدير ستالين كان في حاجة إلى عامل معنوي مضاف لقوة السلاح، وقوة العزيمة التي يضيفها الإيمان لا غنى عنها خصوصا في وقت الحرب.

وسيتواصل حضور الكنيسة المحتشم في ظل الستار الحديدي السوفييتي حيث سيتولى منصب البطريركية كل من البطريرك سيرجيوس (1943-1944) والبطريرك اليكسيوس الأول (1945 ـ1970 ) والبطريرك بيمين ( 1971 ـ 1989).

الكنيسة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي

تواكب انهيار الاتحاد السوفييتي مع وصول ألكسي الثاني لمنصب البطريركية وهو الذي عرف بمداهنته للنظام السياسي وبمهارته العالية في التعامل مع أصحاب السلطة والنفوذ وكانت أولويته هي استرجاع نفوذ و أملاك الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا التي صادرها النظام البلشفي.

وسمح له قربه من بوريس يلتسين بإعادة بناء كاتدرائية المسيح المخلص التي شيدت في القرن التاسع عشر لتخليد هزيمة نابليون بونابرت في روسيا عام 1812 ( وكان ستالين قد فجر الكنيسة في 1931) .

وفي عام ألفين، استعادت قباب الكاتدرائية كل ألقها و أصبحت رمزا لانبعاث الكنيسة الأرثوذكسية بعد سبعين عاما من الحكم الشيوعي و تجسيدا لنهضة الأمة الروسية.

ساهم ألكسي الثاني بإعادة توحيد الكنيسة الأرثوذكسية الروسية مع جزئها الذي نما خارج البلاد بعد الانشقاق الذي حصل في 1920 على اثر انتصار البلاشفة الذي دفع جزءا من أعلام الكنيسة المحلية إلى الهروب من روسيا.

 

 

وكان لحضور فلاديمير بوتين لاحتفال توحيد جزئي الكنيسة بمثابة إعلان عن مدى التعاون بين الطرفين وهو أمر سبقه دعم غير مسبوق من الكنيسة لترشيح بوتين في الانتخابات الرئاسية وفي المقابل استعادت الكنيسة نفوذها غير المسبوق في الدولة وعادت بوصفها حاضنة للحكام الجدد ومن المعروف أن فلاديمير بوتين قد حضر حفل تنصيب البطريرك كيرلّس على رأس الكنيسة الروسية (التي يبلغ عدد أتباعها في العالم 250 مليونا ) وقد وزعت الكنيسة بعدها شريطا أعده المكتب الإعلامي التابع لها وبثته شبكة روسيا العامة اعتبر فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الكنيسة الأرثوذكسية «شريكاً طبيعياً» للسلطة السياسية في بلاده.

 

 

وقال موضحا «في أصعب الأوقات التي مرّ بها تاريخنا، عاد شعبنا إلى جذوره إلى الديانة المسيحية وإلى القيم الروحية». وأضاف وإلى جانبه البطريرك الروسي كيرلّس ومسؤولون روحيون، أن الكنيسة ملأت «الفراغ الأخلاقي» بسبب غياب القيم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991.

وزاد: “كانت ولادة جديدة طبيعية للشعب الروسي… هناك أفق تعاون بين الكنيسة والدول”. وأشار الفيلم إلى أن روسيا تبني سنوياً ألف كنيسة أرثوذكسية في العالم، ورأى في ذلك أمراً يُعتبر سابقة في تاريخ المسيحية.

 

 

ولم تتأخر الكنيسة في إبداء ولائها لنظام بوتين حيث وصف البطريرك كيرلّس الرئيس بوتين بأنه «معجزة الرب» الذي استطاع انتشال روسيا من وحدة الضياع التي دخلت فيها بمجرد انحلال وتفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية الثمانينات، واعتبر البطريرك أن بوتين إصلاحي أرسلته العناية الإلهية لينقذ البلاد.

 

إن عودة المقدس إلى موقعه من حيث أهميته في المسألة السياسية هو خير رد على دعاة العلمنة الشاملة في المنطقة العربية الإسلامية ممن يجدون غضاضة أن يكون للإسلام دوره السياسي الفاعل في ظل ما يحصل في العالم بأكمله من استعادة الدين أهميته ودوره في تحديد خطوط التماس والعلاقات بين الأمم والشعوب وفي إدارة الشأن العام

 

لقد تحولت الكنيسة الروسية بالفعل الى قوة سياسية فاعلة ومؤثرة إلى حد أنها أصبحت تتدخل في السياسة الخارجية والداخلية للدولة ، وهو أمر نلاحظه في أمرين

أولهما : أن بوتين كان قد سعى قبل الانتخابات الرئاسية ومن أجل تحقيق فوز ساحق إلى حشد دعم الرموز الدينية في بلاده، متعهدا بتخصيص عشرات ملايين الدولارات لإعادة بناء أماكن للعبادة وتمويل المدارس الدينية، غير أن رئيس الدائرة البطريركية للعلاقات الخارجية في الكنيسة المطران هيلاريون طلب من الرئيس بوتين عوضا عن المال أن يقطع له وعدا بحماية الأقليات الدينية في الشرق الأوسط الذي يمر بما يسمى «زمن الربيع العربي».

وثانيهما : أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي لطالما حظرت ترشح رجال الدين التابعين لها لأي انتخابات، تراجعت في عام 2011 وأصدرت مرسوما يسمح لرجال الدين بالترشح للانتخابات بهدف حماية المصالح الكنسية. وبهذا المعنى يمكن القول أن العلاقة بين الدين والدولة في ظل الدولة الروسية الجديدة أصبحت تقوم على اتصال وثيق وهذا التوجه عبّر عنه البطريرك كيرلّس في تصريحاته بعد تسلّمه مهامه، حين تحدث عن ضرورة التنسيق الكامل والشراكة بين الدولة والكنيسة إلى حد التناغم، مشبهاً العلاقة بينهما بالمقطوعة الموسيقية ـ السيمفونية.

إن عودة المقدس إلى موقعه من حيث أهميته في المسألة السياسية هو خير رد على دعاة العلمنة الشاملة في المنطقة العربية الإسلامية ممن يجدون غضاضة أن يكون للإسلام دوره السياسي الفاعل في ظل ما يحصل في العالم بأكمله من استعادة الدين أهميته ودوره في تحديد خطوط التماس والعلاقات بين الأمم والشعوب وفي إدارة الشأن العام.

وأياً كان الحال فإن ما نراه من دور للكنيسة الأرثوذوكسية في روسيا أو الأهمية المتنامية للقوى الدينية في الكيان الصهيوني أو حتى الدور الفاعل للكنائس المختلفة بأمريكا والى حد ما بأوربا هي بكافة أبعادها تمثل مراجعة فعلية وواقعية للثوابت العلمانية التي يدأب الغرب والعلمانيون المحليون في البلاد العربية في الفترة الأخيرة على الإلحاح عليها مثل الفصل الجذري للدين عن الدولة وضرورة إقصاء أي مفاهيم دينية في المجالين الاجتماعي والسياسي.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد