دين وحياة

“صدق الله وكذب بورقيبة”… يوم أفتى بإفطار رمضان المعظم

صفحة من تاريخ تونس الحديث

 

تظاهر عدد من نشطاء  المجتمع المدني، أمس الأحد 27 مايو 2018،  أمام وزارة السياحة بالعاصمة التونسية، للمطالبة بحق المجاهرة بالإفطار في شهر رمضان، واحتجاجا على غلق المقاهي.

كما طالب النشطاء الذين لا يتجاوز عددهم العشرات من الأشخاص، باحترام الحريات الفردية ووقف التضييق عليهم من قبل وزارة الداخلية، وتفعيل حرية الضمير التي ينص عليها الدستور التونسي.

المحتجون المفطرون الذين سبق ودعوا إلى تنظيم وقفة احتجاجية تحت عنوان “مش بالسيف” أي “من دون إكراه”، رفعوا شعارات مفادها أن “تونس دولة لائكية”، و”العلمانية ضرورة حضارية”، وهو مايعكس بطبيعة الحال المعادلة التالية وهي أن الإفطار في رمضان هو من متطلبات الدولة العلمانية من أجل النهوض بالبلاد وتنميتها.

 

 

دعوة بورقيبة للإفطار العلني

هذه الدعوة تذكرنا، بحادثة “الحبيبُ بورقيبة”، الرئيسُ التونسي الراحل، الذي دعا  في خطاب ألقاه يوم 5 فبراير/ شباط 1960، العمالَ إلى إفطار رمضان لغاية زيادة الإنتاج، قائلا “: تونس البلاد الإسلامية تعاني درجة من الانحطاط تجلب لها العار في نظر العالم، ولذلك فإنه لا يمكن أن يعرقل جهادها أو يعطله أو يوقف انطلاقها أو يقعدها عنه فرض الصوم… فالصوم يحطّ من إمكانيات الفرد ويجعله لا يقوى على واجب هو ليس واجبا شخصيا بل واجب نحو أمّته ونحو دينه.”

وأضاف “وإذا اردتم أن يكتب الله لكم ثوابا في الدار الآخرة فما عليكم إلاّ أن تعملوا بضع ساعات إضافية خير لكم من صوم لا عمل فيه يدفعكم إلى زيادة التقهقر.”

ولم يكتف الحبيب بورقيبة، بهذا الخطاب الذي يقلل فيه من فرض الصيام ويدعو إلى تركه، بل تبعه بالتطبيق، حيث قام بتناول كأس من العصير خلال شهر رمضان وذلك في خطاب ألقاه بالبالماريوم بالعاصمة التونسية في 28 فبراير/ شباط 1960.

وحتى يقنع الشعب، بشرعية قوله، سارع الحبيب بورقيبة، الى البحث عن فتاوى، تصدق ما نادى به.

 

هل سيرضخ مشايخة الزيتونة؟

في تلك الفترة الزمنية، كان لتونس، رجالها من مشايخ الزيتونة، الذين تسلحوا من أجل حماية المقدسات الإسلامية وأركان الدين الإسلامي، ولم يسمحوا حتى لمن لقب نفسه ب”الزعيم الأكبر”، بالتعدي عليها، وفي مقدمة هؤلاء الشيخان الجليلان “الشيخ عبد العزيز جعيط“، الذي كان يشغل منصب مفتي الديار التونسية، آنذاك، والشيخ “محمد الطاهر بن عاشور“، الذي كان عميد الجامعة الزيتونية.

 

  • بن عاشور “صدق الله وكذب بورقيبة”

لم يرضخ الشيخ العلامة التونسي، الطاهر بن عاشور، لأوامر السلطان الذي دعاه أن يصدر فتوى بجواز الفطر للرفع من مستوى الإنتاجية، ولم يصغر خدّه لأوامره. وعكس توقعات السيد الرئيس، حيث خرج العالم المعمم إلى عامة الشعب، عبر أثير الإذاعة التونسية و أفتى بحرمة الإفطار، وأن من يفعل ذلك، فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، كما أبطل دعوى أن الصيام يحول دون الإنتاج.

وتلا الشيخ آيات الصوم:”يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”، ثم قال: “صدق الله و كذب بورقيبة”.

وأمام موقف الشيخ الطاهر بن عاشور الصامد، أسقط في يد السلطات وتوقفت عن مساعيها لمنع الصيام.

 

 

  • فتوى الشيخ جعيط

عرفت الفتوى، التي أصدرها الشيخ عبد العزيز جعيط، في 13 فبراير 1960، وألقاها عبر أثير الإذاعة التونسية، بالفتوى 20، تحت عنوان “الأعذار المبيحة للفطر في رمضان”، والتي ردّ بها بأسلوب فقهي، على دعوة الحبيب بورقيبة، وشدد على أن”الأعذار الشرعية المبيحة للفطر في رمضان هي المرض والسفر بنص القرآن المبين قوله تعالى: “و من كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر” البقرة 185.

وأنه “يجب الصوم على الأصحّاء أصحاب الأشغال اليدوية الشّاقة المضطرين للشغل ولا يلزم الشغّالين ترك العمل خيفة عروض ما يفضي إلى الفطر”.

وأن نقص الإنتاجية وتراجعها، متولّد في غالب الأحوال من “مواصلة لسهر الليل كلّه أو جلّه فيصبح الصائم لقلّة النوم فاترا عاجزا عن القيام بعمله على الوجه الأكمل، وليس ناشئا عن الإمساك عن الطّعام والشراب بضع ساعات إذا لم يكن الإنسان معتلا”.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد