اختيار المحررينثقافة

خير الدين.. مصلح عظيم دفنه بورقيبة في قبر مجهول

ثقافة

 

“رغم يقيني باني شركسي الاصل فإني لم احتفظ بذرى دقيقة عن أهلي أو موطني، فقد وقع اختطافي في سن مبكرة من أهلي و باءت كل محاولاتي للعثور عليهم بالفشل”

 

هكذا تحدث خير الدين في مذكراته عن أصله وحسبه، في الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة الجزيرة يوم الاحد 29 مايو /آيار2018، والذي تناول سيرة المصلح العظيم خير الدين باشا التونسي وأهم المحطات في حياته الحافلة و نهايته التاريخية القاتمة ورقوده في قبر مجهول المعالم، كالمشردين واللصوص، وهو الذي أسس مشروعا عظيما لإصلاح تونس ونهضتها.

نشأته

كان خير الدين أحد ضحايا العائلة الحسينية، فقد اشتراه تحسين باشا نقيب الاشغال من اسطنبول، و أدرك في الحين نباهة خير الدين وذكاءه.

وقضى فترة شبابه في اسطنبول ثم تحول منها الى تونس سنة 1839 لخدمة الباي.

ترعرع في القصر، أين تعلم العلوم الإسلامية، ثم التحق بالمدرسة الحربية في باردو، واعتنى به المشير أحمد باي عناية خاصة و حظاه بالرعاية والعناية.

1853 هي السنة التي تولى فيها خير الدين أول مهمة سياسية له، إذ ارسله الباي الى باريس للدفاع عن مصالح تونس ضد أمير الامراء محمود بن عياد الذي كان طيلة على 20 سنة يشرف على لزمة توريد ما تحتاجه الايالة، وهو صنيعة الوزير الاول مصطفى خزندار، وقد اشتهر الإثنان بسلب الدولة  والفساد المالي.

ورغم أن خير الدين لم يتمكن من ان يفوز في هذه المعركة إلا أنه اكتسب خبرة هامة وفهم ان لا مستقبل للعالم العربي الا بسلوك سبيل العدالة وإرساء القوانين المكرسة للحريات ونشر التعليم وعزم على تطبيق هذه الافكار في الدولة التونسية.

سنة 1857، عاد الى تونس واسندت له وزارة البحر واستشارة المجلس العمومي، وباشر مهامه لمدة 5 سنوات. وكانت هذه اول مسؤولية وزارية لخير الدين حينها سعى من خلالها ان يقوم باصلاحات طموحة اصطدمت بواقع مترد كان كل شيء فيه يحتاج للإصلاح والانهيار يتهدد كل القطاعات.

 

خير الدين التونسي

علاقة متوترة مع خزندار

لم يكن خير الدين على وفاق مع الوزير الاكبر مصطفى خزندار، بسبب نفوذ هذا الاخير وتغوله، وغض الباي الطرف عنه وعدم ايلائه أهمية لإدخال إصلاحات جادة للأوضاع المتردية. ولم تفلح محاولات خير الدين في العودة بهما للصواب فقدم اولى استقالاته سنة 1863، اثر اعتراض خير الدين على سياسة التداين الخارجي التي دفع اليها خزندارـ بعد تواطئه مع القنصلين الفرنسي والانقليزي آنذاك.

 

مصطفى خزندار

 

اتهم خير الدين خزندار بالتسبب في انهيار البلاد ودعاه للانسحاب من مهامه، رغم علاقة المصاهرة التي كانت تربطهما وكون خزندار والد زوجته.

وامام رفض هذا الاخير، انزوى خير الدين سياسيا ورفض الظهور الا في مناسبات نادرة كالأعياد والمناسبات لتسع سنوات كاملة رغم توسلات الباي.

ومكث يؤلف كتابه “اقوم المسالك في معرفة احوال الممالك” الذي كان كتابا هاما صاغ من خلاله خير الدين مشروعه الاصلاحي، لا لتونس فقط بل للعالم الاسلامي، باصول دينية اسلامية وفروع ممتدة نحو الحضارة الغربية.

اصلاحات خير الدين

أمر خير الدين عند توليه رئاسة الوزراء بإصلاح المدارس واهتم بالتعليم  وأنشأ المدرسة الصادقية واحتوت اضافة الى العلوم الشرعية دراسة اللغات والعلوم الجديدة اسوة بالتعليم الاوروبي وجلب لها مدرسين من مختلف انحاء اوروبا، ونسبت الى محمد الصادق باي.

ونشر خير الدين لائحة يدعو التونسيين فيها لالحاق ابنائهم بالصادقية مجانا. واتى بجزء كبير من التلاميذ من داخل الايالة على أن توفر لهم الاوقاف مصاريف تعليمهم واكلهم وإقامتهم.

راهن خير الدين على التعليم وهو تغيير بطيء لكنه مستمر في الزمن أحدث حراكا اجتماعيا استمر الى اليوم الحاضر.

وتنوعت اصلاحات خير الدين ايضا في المجال الزراعي والسياسي وفي مجال الاوقاف. كما أعاد تنظيم هيكلة الوزارة الكبرى، وقام باحداث مجالس في كل مجال، وأسس مجلسا لنظافة مدينة تونس للحفاظ على الحاضرة متألقة ونظيفة.

 

أخل الرئيس الراحل بورقيبة بوعده للدولة التركية في بناء مزار لرجل عظيم قاد تونس نحو المدنية والحضارة، بل وضعه في قبر مغلق لا يستطيع احد ان يزوره، في عملية ممنهجة لطمس سيرته ومحو فصل هام من تاريخ تونس ما قبل الاستقلال، في تساوق مع زعم بورقيبة أن تاريخ المدنية والتحضر في تونس يبدأ معه هو، المجاهد الأكبر والزعيم الأوحد.

 

حاول خير الدين احياء المشهد العام في مستوى الاعلام بالحث على احداث المطابع و النشر، واوجب نشر القوانين في جريدة رسمية سنة 1868 تسمى الرائد التونسي الذي يزال العما جاريا بها إلى يوم الناس هذا.

وتم احداث قطار يربط بين تونس وحلق الواد سرعته 50 كلم في الساعة بالضبط كما في اوروبا.

ودعا خير  الدين الى التعجيل بتعصير الفلاحة والزراعة وخفض الضرائب ووظفها على المحصول الحقيقي و امهل الفلاحين الى حين حصاد محاصيلهم  لسداد ديونهم فعادت الامور الى نصابها.

وتم تنظيم التعليم في جامع الزيتونة وجمع المؤلفات في مكتبة عمومية تعمل على  الطريقة الاوروبية.

ونظم عمل القضاء بربط علاقات بين المصالح القضائية ورتب جرايات لعدول التنفيذ.

في 1878 ، قام السلطان بتعيينه الصدر الأعظم للدولة العثمانية، في ظروف صعبة عقب نكبة الحرب العثمانية الروسية.

لكن الدسائس والمؤامرات التي تحاك في الإدارة العثمانية جعلته يقدم استقالته من منصب الصدر الاعظم وان بقي السلطان متمسكا به يستشيره في كل كبيرة وصغيرة.

 

جدير بنا أن ندعو لوضع حد للمظلمة التي لحقت بهذا المصلح العظيم وبنا جميعا بالإلقاء به في قبر مجهول، والمطالبة برد الإعتبار له كأحد أهم أعلام تونس الذين لم يألو جهدا في خدمتها والسعي إلى نهضتها. حري بنا جميعا أن ندعو لدفنه في مقام يليق به وبتاريخه الناصع ومزاياه علينا، فيكون مزارا نرتاده وأبناءنا، كي نستلهم من سيرته المشرفة ومشروعه الطموح للتقدم والرقي

قبر مجهول

توفى خير الدين باشا سنة 1890 و دفن في مقبرة سلطان أيوب في تركيا وتم بعد ذلك نقله الى تونس بناء على طلب السلطات حينذاك، إلا أنها بدل أن تعيد دفنه بشكل يليق به، دفنته في قبر مجهول، ولم يستطع احد لمدة 40 سنة العثور عليه.

أخل الرئيس الراحل بورقيبة بوعده للدولة التركية في بناء مزار لرجل عظيم قاد تونس نحو المدنية والحضارة، بل وضعه في قبر مغلق لا يستطيع احد ان يزوره، في عملية ممنهجة لطمس سيرته ومحو فصل هام من تاريخ تونس ما قبل الاستقلال، في تساوق مع زعم بورقيبة أن تاريخ المدنية والتحضر في تونس يبدأ معه هو، المجاهد الأكبر والزعيم الأوحد.

واليوم ونحن نستذكر سيرة خير الدين، المصلح ذو الفضل على تونس، جدير بنا أن ندعو لوضع حد للمظلمة التي لحقت به وبنا جميعا بالإلقاء به في قبر مجهول، والمطالبة برد الإعتبار له كأحد أهم أعلام تونس الذين لم يألو جهدا في خدمتها والسعي إلى نهضتها. حري بنا جميعا أن ندعو لدفنه في مقام يليق به وبتاريخه الناصع ومزاياه علينا، فيكون مزارا نرتاده وأبناءنا وزوارنا كي نستلهم من سيرته المشرفة ومشروعه الطموح للتقدم والرقي.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

رأيان على “خير الدين.. مصلح عظيم دفنه بورقيبة في قبر مجهول”

  1. اقأوا التاريخ قبل الحكم له أو عليه . خير الين التونسي سافر للأستانة وتجدون حياته في الأستانة في كتب التريخ وكتب السيرة التي تحدثت عنه وهي كثيرة . أما وفاته فكانت بالأستانة سنة 1307 هـ 1889 م ودفن هناك في جامع أيوب باأسيتانا .

  2. الاجدر ان لا تتواصل هذه المهزلة فهذا المملوك لا يستحق الا ما وقع له فهو سارق عودوا الى الوثائق الاصلية للارشيف التونسي لقد كان سببا مباشرا في الاستعمار الزراعي لتونس ومن قبله الاستعمار المالي اما اصلاحاته المزعومة فهي لا تسمن و لا تغني من جوع و النتيجة استعمار فرنسا لتونس و صاحبكم ينتقل الى اسطنبول بعد ان نهب البلاد و باع كل الاراضي التي استولى عليها بغير حق

اترك رد