مجتمع

النيويورك تايمز: المرأة المسلمة تجتاح قطاع التكنولوجيا والأعمال

مجتمع

 

في مطلع مسيرتها المهنية، صممت سميرة نجم، مهندسة برمجيات في القاهرة، برمجية متعلقة بخصائص الركن الذاتي للسيارات. لكن نجم أمضت وقتا وراء عجلة القيادة، يعادل تقريبا الوقت الذي تقضيه في العمل على هذه البرمجية. في الواقع، يتنقل الملايين من الأشخاص يوميا للذهاب إلى العمل في المدينة التي يتجاوز تعداد سكانها 20 مليون نسمة. وقد تستغرق رحلة نجم اليومية إلى العمل ثلاث ساعات أو أكثر.

على ضوء هذه الوضعية، بدأت المهندسة الشابة في طرح التساؤلات حول إمكانية استغلال مهاراتها ووقتها لتقديم الإفادة. فربما يمكنها الاتصال بزملائها للنظر في طرق فعالة للتنقل لمقر العمل في خضم حركة المرور الفوضوية في القاهرة، أو حتى تصميم تطبيق لخاصية تشارك السيارة الواحدة.

 يوفر هذا التطبيق للعمال، وخاصة النساء، طرقا أكثر أمانا وأقل تكلفة للتنقل للعمل بينما يساعد على التقليل من الازدحام المروري. تركت سميرة نجم عملها وعلى إثر ذلك ظهر تطبيق “رايح” المتخصص في تشارك السيارة الواحدة، لتصبح بذلك نجم الوجه الحديث لريادة أعمال التكنولوجيا في العالم الإسلامي، لكنها ليست الوحيدة.

في الحقيقة، يشهد عدد النساء العاملات تزايدا في أرجاء العالم الإسلامي. ففي سنة 2002، بلغ عدد النساء العاملات في 30 دولة إسلامية التي تضم أسواقا ناشئة، 100 مليون امرأة عاملة، وحاليا، وصل هذا العدد إلى 155 مليون. ولقد مثلت الضرورة الاقتصادية والتعليم المتنامي والتكنولوجيات الحديثة والمبادئ الاجتماعية المتغيرة جزءا من جوهر هذا التحوّل.

من بين الوافدين الجدد على سوق العمل، تقدّم نساء مثل سميرة نجم التزاما واعدا بتحقيق تأثير بارز في ازدهار بلدانهم. وتنتمي سميرة نجم إلى جيل من رائدات الأعمال المتعلمات، اللواتي يتمتعن بالديناميكية وعلى دراية واسعة بمجال التكنولوجيا، وهن على اتصال على الصعيد العالمي وملتزمات بالعمل على الصعيد المحلي.

في أغلب البلدان حول العالم، تشكل النساء نسبة أقل بكثير من الرجال فيما يتعلق باكتساب المهارات في البرمجة والعلوم. ولا يوجد سوى خمسة بلدان فقط تفوق فيها أعداد النساء الرجال في صفوف الطلبة المنتسبين لجامعات متخصصة في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، من بينها الكويت وبروناي، وهي من الاقتصاديات ذات الغالبية المسلمة.

تمثل النساء نسبة 40 بالمائة أو أكثر من طلبة العلوم والتكنولوجيا والرياضيات والهندسة في 18 دولة، يضم أكثر من نصفها غالبية مسلمة. (في الولايات المتحدة الأمريكية تمثل النساء 30 بالمائة فقط من طلبة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات).

عندما يتعلق الأمر بريادة الأعمال، تعتبر إندونيسيا وماليزيا من بين الاقتصاديات 13 في العالم التي تضم نسبة نساء منخرطات في المراحل الأولى من نشاط المشاريع أعلى من الرجال. كما تستأثر دول إسلامية أخرى بنسب عالية في هذا المضمار، حيث تبلغ نسبة التحاق النساء بنشاط الأعمال في كازاخستان 80 بالمائة، بينما تبلغ هذه النسبة في الإمارات العربية المتحدة 63 بالمائة. وفي هذه البلدان الأربعة، تعدّ نسبة الإناث مقارنة بالذكور من رائدي الأعمال أعلى مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية التي بلغت فيها هذه النسبة 60 بالمائة.

 

امرأة تشتغل على لوحة كمبيوتر في شركة بنها للكهربائيات بمصر

في واقع الأمر، أنشأ هذا التقاطع بين تعليم العلوم والتكنولوجيا والرياضيات والهندسة وتنامي مجال الأعمال الظروف الملائمة للنساء في الأسواق الناشئة ذات الغالبية المسلمة للالتحاق بموجة التغيير التكنولوجي التي تجتاح العالم. لكن النساء المسلمات قمن بهذا الأمر بطريقة تبدو مختلفة للغاية عن الغرب وعن تلك التي اعتمدتها أجيال من النسوة قبلهن. فالنساء المسلمات من رائدات الأعمال يوظفن التكنولوجيا للتغلب على الثقافة و من ثمّ تغييرها من الداخل. وتعد “دوكت هيرز”، وهي شركة باكستانية للتطبيب عن بعد تهدف إلى حلّ معضلة ثقافية واقتصادية فريدة من نوعها، خير مثال على ذلك. ففي باكستان، تتخرّج النساء من كليات الطب بأعداد أكبر وبدرجات أفضل من الرجال.

في حين تعلي شهادة الطب من مكانة المرأة في سوق الزواج في هذا البلد، فإن استخدام هذه الشهادة لممارسة الطب فعليّا أمر غير وارد عادة. لذلك، لا تمارس العديد من الطبيبات المؤهلات هذه المهنة بعد الزواج. وقد يكون لهذا الأمر صلة بالنقص الفادح الذي تشهده البلاد في عدد الأطباء، خاصة في المناطق الريفية.

وعلى هذا الأساس، تأسست شركة “DoctHers” بمشاركة الدكتورة سارة خورام التي استقت فكرة هذا المشروع من مأزق تعرضت له شخصيا. وتعتبر هذه الشركة بمثابة منصّة توفر لربات البيوت من حاملات الشهادات العلمية في مجال الطب فرصة إعادة تدريب واكتساب مهارات، ومن ثمّ تتيح لهن العمل عن بعد بدوام جزئي عبر منصة فيديو متصلة بالإنترنت.

وفي الطرف المقابل، ينتفع من هذه المنصة مرضى (من الإناث في المقام الأول) يعيشون في مناطق نائية في باكستان حيث تكون الرعاية الطبية ضئيلة أو معدومة. وقد ظهرت مثل هذه الأسواق الرقمية في أرجاء العالم الإسلامي، وهي تقدم حلولا تكنولوجية لعوائق ثقافية بينما توفر للنساء أشكالا جديدة من سبل العيش والخدمات. وفي الكثير من الأحيان، تستغل رائدات الأعمال الشابات بشكل جيد سوقا يجدن فيها ميزة نسبية؛ إذ تسعى غيرهن من نساء الألفية الشابات إلى إيجاد مصدر دخل جديد في هذه السوق.

أسّست أميرة عزوز موقع Fustany.com ومقره القاهرة، وهو يمثل بوّابة مختصة في الموضة ونمط الحياة موجهة للمرأة العربية، ويُعنى بالعديد من المجالات على غرار الصحة والجمال والتغذية والموضة والمهن والعلاقات والأطفال. وتمثل إليسا فريحة، المقيمة في دبي، المؤسس المشارك لموقع “Womena“، وهي منصة لتوفير التواصل بين النساء المستثمرات صاحبات الثروات الضخمة مع رائدات الأعمال.

 وفي جاكارتا، أسست دياجينج ليستاري موقع Hijup.com، الذي يمثل منصة رائدة في التجارة الإلكترونية للملابس الإسلامية المحتشمة، حيث تجمّع منتجات حوالي مائتي مصمم أزياء وتتلقى 105 مليون زائر شهريا. بالنسبة لجدات وأمهات مثيلات هذه النساء، لم يكن العمل خارج بيوتهن أمرا متاحا في غالب الأحيان. في المقابل، شكّل التحاق 50 مليون امرأة مسلمة بالقوة العاملة، سواء عبر الإنترنت أو دون ذلك، خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، أعظم هجرة من المنزل إلى العمل شهدتها بلدانهن.

في الحقيقة، تعتبر الفرصة الاقتصادية التي حررها الجمع بين التعليم والطموح والتكنولوجيا ضخمة. و يقدر إجمالي الدخل للمرأة العاملة في العالم الإسلامي بحوالي تريليون دولار حاليا. ومع مبادرة المزيد من النساء بإنشاء مشاريع ريادية من شأنها توفير فرص العمل وموارد الدخل لنطاق أوسع من الشرائح السكانية، يمكن للحكومات أن تسهل هذا السبيل الجديد لنمو اقتصاداتها. ويمكن أن يكون المردود الاجتماعي أكبر، الذي يتجسد في تمكين المرأة وكسر القوالب النمطية وإنشاء مجتمعات أقوى. كما أن المنصات والوسائل الرقمية تجعل النشاط الاقتصادي جليّا وقابلا للقياس بسهولة أكبر.

في الغالب، تدعم القوانين الحقائق الاقتصادية للمواطنات (والمواطنين). وفي حين أن معظم الأسواق الناشئة في العالم الإسلامي تمتلك معدلات عالية لانتشار الإنترنت والهاتف المحمول، لا يزال العالم الرقمي متاحا للنساء بقدر أقل من الرجال. وبينما تعتبر البنية التحتية للنقل العمومي في العديد من الأسواق الإسلامية الناشئة في حاجة إلى تحسين شاملة، فإنها تحتاج أيضا إلى الأخذ بعين الاعتبار مخاوف المرأة بشأن سلامتها وتعرضها للتحرش من أجل إتاحة خيارات التنقل لهن.

 وفي هذا الصدد، سوف تحتاج الحكومات في شتى اقتصاديات العالم الإسلامي إلى إعادة النظر في السياسات المتعلقة بمجموعة من المجالات، على رأسها الإدماج الرقمي والعمل وإجازة الوالدين ورعاية الأطفال والضرائب والسلامة والوصول إلى التمويل والنقل. علاوة على ذلك، سوف تحتاج هذه الحكومات إلى اعتماد منظور جنساني بغاية تطوير مجالات جديدة لإطلاق العنان لإمكانية القوى العاملة النسوية بما في ذلك رائدات الأعمال.

خلال السنوات الأخير، كان للعولمة والتكنولوجيا في بعض الأحيان تأثير قاس على أجزاء من الطبقة العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من البلدان في العالم المتقدم. وفي الجانب الآخر من العالم، ساهمت هاتان القوتان في النهوض بوضع ملايين النساء، إلى جانب التأثيرات الإيجابية بعيدة المدى التي من شأنها أن تشمل أسرهن ومجتمعاتهن وبلدانهن.

وإذا كانت صورة رجل الأعمال النموذجي في وادي السيليكون تتجسد في شاب يلبس سترة، فيمكن لهذه الصورة، في العديد من المناطق الحضرية في العالم الإسلامي، أن تتجسد في مرأة يافعة ترتدي الحجاب. ويمتلك هذان النموذجان الشغف والطاقة والرغبة ذاتها لحلّ المشاكل المحلية. ومن هذا المنطلق، ينبغي على الحكومات الآن أن تعترف بربات العمل الجدد وتدعمهن.

مترجم لمجلة ميم من النيويورك تايمز

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد